الدرس في شرح كتاب الصلاة 37، ألقاها
صلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة، ويستحب قراءة سور معينة مثل سورة الجمعة والمنافقون أو سورة الأعلى والغاشية. وردت هذه السنن عن النبي عليه الصلاة والسلام.
يستحب التبكير إلى صلاة الجمعة والاغتسال يوم الجمعة مثل غسل الجنابة، للحصول على الأجر العظيم المرتب على ذلك. يُعد التبكير من أهم آداب يوم الجمعة.
يشرح الحديث فضل التبكير إلى صلاة الجمعة، حيث يُمنح الأجر على كل ساعة مبكرة ابتداء من ناقة إلى بيضة، وينقطع الأجر عند صعود الإمام المنبر. يُعد هذا الفضل كبيرًا لمن بكر وابتكر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله- لكتابه «الفقه الميسر» في ذكره لأحكام الجمعة: قال مسألة التاسعة كيفية صلاة الجمعة. قال: صلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، وفعله صلى الله عليه وسلم من سنته، وقد أجمع أهل العلم على ذلك، وأن صلاة الجمعة تصلى ركعتان يجهر فيهما بالقراءة. فهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وفعله عليه الصلاة والسلام يدل على الاستحباب، وهذا الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام أنها للتأسي وللتشريع. ويُدل على استحباب هذا الفعل، والله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: هذه الآية أصل في التأسي بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام. فكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يصلي الجمعة ركعتين ويجهر فيهما بالقراءة. قال: ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة بعد الفاتحة، وفي الثانية بسورة المنافقون. وهذا كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الأولى من صلاة الجمعة بالفاتحة وسورة الجمعة، وفي الثانية بالفاتحة وسورة المنافقون. قال: أو يقرأ في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية. وهذا صح عنه عليه الصلاة والسلام كذلك في صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما. وكلا الأمرين جائز، كلا الأمرين جائز، إن شاء قرأ بالجمعة والمنافقون، أو بسورة الأعلى والغاشية، فكله من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: لفعله صلى الله عليه وسلم، وهذا على جهة الاستحباب، فلو أن الإمام غير أحيانا لا بأس؛ لأن قراءة هذه السور مستحبة، لكن لا يجعل هذا ديدنه دائما، أنه يغير الآيات والسور التي يقرأها في صلاة الجمعة. وبعضهم ربما يأتي بآيات تناسب موضوع الجمعة، إذا تكلم في موضوع من المواضيع في الجمعة يقرأ ببعض آياته أو ما يتعلق بهذا الموضوع في صلاة الجمعة ويجعل هذا ديدنه، هذا خلاف السنة، السنة أنك تقرأ بهذه السور، فإن خالفت أحيانا وفي القليل والنادر لا بأس، لكن ينبغي أن يكون الأكثر هو قراءة هذه السور. قال: المسألة العاشرة في سنن الجمعة. قال: أولا يسن التبكير إلى الصلاة للحصول على الأجر الكبير، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر». والحديث في الصحيحين. وقال أيضا: «من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها». رواه الترمذي وحسنه الترمذي، وكذلك العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب للمنذري. هذا من سنن الجمعة استحباب التبكير إلى صلاة الجمعة؛ للحصول على الأجر الذي رتب على من بكر في الذهاب إلى صلاة الجمعة. فذكر -أيضا- أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة»؛ أي كصفة غسل الجنابة، يعني يغتسل في يوم الجمعة كما يغتسل غسل الجنابة المستحب، وهي أن يغسل فرجه ثم يديه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يحثو الماء على رأسه ثلاثا، ثم يغسل سائر جسده. فقول: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة»؛ أي كصفة غسل الجنابة. وبعض العلماء قال: غسل الجنابة يعني يغتسل حقيقة. فقالوا: يدل هذا على استحباب أن يأتي الرجل أهله في يوم الجمعة حتى يكون ذلك أغضل لبصره، وكذلك أيضا أدعى لكمال سكون نفسه. لكن هذا لا يدل عليه الحديث كما قال الإمام النووي رحمه الله، فالقول بهذا ضعيف، بل المراد غسل الجنابة كصفة غسل الجنابة؛ أن يغتسل غسلا كصفة غسل الجنابة، هذا على جهة الاستحباب. وإن لو اغتسل غسلا عاديا فإنه يجزئ. قال: «ثم راح في الساعة الأولى»؛ راح: الرواح والذهاب في أول النهار. وقال بعض أهل اللغة كما ذكر الأزهري: أن الرواح هو الذهاب سواء كان في أول النهار أو كان في آخره. والمراد به هنا الذهاب في أول النهار. «ثم راح في الساعة الأولى»؛ يعني ذهب إلى المسجد لصلاة الجمعة. وسيأتي بيان ابتداء أول هذه الساعات. قال: «فكأنما قرب بدنه»؛ إذا ذهب وبكر في الذهاب إلى الجمعة في أول ساعاتها فكأنما قرب بدنه؛ يعني كأنما تصدق ببدنه. البدنة تطلق -كما ذكر جمهور أهل اللغة- أنها تطلق على الإبل الواحدة من الإبل والبقر والغنم، يقال لها بدنة. والمراد بها هنا الإبل؛ المراد بها هنا الإبل باتفاق أهل العلم؛ لأنه ذكر بعدها البقر والغنم، فجعل في أوائل هذه الأجور فيمن بكر في أول ساعات يوم الجمعة كمن تصدق بماذا؟ بناقة، كمن تصدق بناقة وبإبل. ومعروف أن الإبل من أثمن بهيمة الأنعام، أغلى بهيمة الأنعام ثمنا هي الإبل. قال: «ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة»؛ من ذهب في الساعة الثانية كأنما تقرب إلى الله جل وعلا ببقرة؛ أي تصدق بقيمة بقرة أو ببقرة كاملة تصدق بها. والبقرة سميت بذلك؛ قيل لأنها تحرث وتبقر الأرض بالحرث وتشقها بحرثها. قال: «ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن»؛ من ذهب في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن؛ الكبش الفحل من الضأن، وأقرن أي ذا قرون؛ أن يكون له قرون، وهذا أكمل ما يكون في هيئته وفي أوصافه. والنبي عليه الصلاة والسلام لما ضحى ضحى بكبشين أملحين أقرنين؛ أملحين يعني يميل لونهما إلى السواد الذي يخلطه شيء من البياض، وأقرنين أي ذا قرون. وهذا أكمل ما يكون عليه الكبش. وفي بعض الروايات: «كأنما قرب شاة». والشاة في اللغة تطلق على الذكر والأنثى من الغنم؛ سواء كان من المعز أو كان من الضأن. قال: «ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة»؛ انظروا كلما تأخرت الساعات كلما نقصت الصدقات وقلت الصدقات؛ في الأول بدنة، والثانية بقرة، في الثالث كبش، في الرابعة دجاجة. فكأنما قرب دجاجة؛ تصدق بدجاجة. والدجاجة يعني رخيصة ليست كالكبش وكالبقر والإبل ربما يصل ثمنها إلى ألف ريال أو نحوها. قال: «ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة»؛ آخر واحد يأتي في آخر ساعة كأنما تصدق ببيضة. البيضة الآن تساوي 35 هللة؛ فكأنما تصدق بمثل هذا الثمن. قال: «فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»؛ إذا خرج الإمام يعني للخطبة. في بعض الروايات: «فإذا صعد المنبر طوت الملائكة الصحف ولم تكتب من دخل بعد ذلك». ومعنى هذا أنه من تأخر إلى أن صعد الإمام فإنه لا ينال أجر هذا التبكير. وابتداء هذه الساعات اختلف أهل العلم؛ منهم من قال: بعد الفجر، ومنهم من قال: بعد طلوع الشمس. والصحيح أنه من بعد الفجر كما قال الإمام النووي رحمه الله؛ تبتدأ هذه الساعات من بعد الفجر، فيقسم الوقت من بعد الفجر إلى وقت الخطبة إلى خمس ساعات، فيكون فيمن أتى في الساعة الأولى له هذا الأجر، والثانية كذا، والثالثة كذا، والرابعة كذا، وهكذا إلى انتهاء هذه الساعات. وهذا لا شك أنه يعني أجر يحث المسلم ويرغبه في التبكير في الذهاب إلى الجمعة. قال: «من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها». قيل: غسل رأسه واغتسل أي جسده. وقيل: هذا من باب التوكيد؛ أنه يعني تغسل. وهذا حث وترغيب على الاغتسال في يوم الجمعة. قال: «وبكر وابتكر»؛ هذا أيضا من باب التأكيد. بكر في الذهاب إلى الجمعة. «كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها». كل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها؛ لكن هذا لمن بكر؛ لأنه قال: «وبكر وابتكر». بكر جاء مبكرا فينال هذا الأجر العظيم. نقف هنا إن شاء الله إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.