الموجبات لمغفرة الذنوب والسيئات

الخطبة بعنوان الموجبات لمغفرة الذنوب والسيئات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٣٠ ربيع أول ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التوحيد ومغفرة الذنوب

يُشدد على أهمية التوحيد في مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، ويُذكر أعمالًا صالحةً مثل الصلاة والصيام والحج. التوحيد يأتي في مقدمة العبادات التي تكفر الذنوب.

مكفرات الذنوب في العبادات

تُبين الأدلة أن أركان الإسلام، خاصة الصلاة، لها دور كبير في تكفير الذنوب. الأذان والوضوء والصلاة والأذكار بعدها تعتبر مكفرات للذنوب.

أعمال صالحة لمحو السيئات

يُشدد الخطاب الديني على أهمية الصلاة وذكر الله في تكفير الذنوب، ويشير إلى أعمال بسيطة مثل الحمد والذكر والتسبيح التي تغفر الذنوب. المشاركة في حلقات الذكر والعلم تحقق المغفرة.

الحث على اغتنام الفرص

يُحث المسلمون على استغلال الوقت في الأعمال الصالحة التي تمحو السيئات، ويسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه. يُنهي بالصلاة على النبي ودعوة المصلين للقيام إلى الصلاة.

  • 12 جمادى الأولى 1438هـ - 08/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إنهما من شيء أثقل كاهل المُتَّقين والصالحين، وأنقضى ظهر الأولياء والعارفين، وأقضى مضاجع الأولين والآخرين، ما خلى من أعمالهم وما كان من تقصيرهم في حق ربهم. فهذا هو الهاجس الأعظم والهم الأكبر الذي عكر حياة أولئك من أهل البر والتقوى ممن قد علموا علم اليقين بأن المخالفات تجلب على صاحبها الويلات من غضب رب الأرض والسماوات، وأنها توبق على صاحبها في هذه الحياة وبعد الممات. فكان من شأن الصالحين أن ألسنتهم دائماً وأبداً تلهج بسؤال الله جل وعلا أن يكفر عن سيئاتهم، وأن يتجاوز عن خطيئاتهم وعن سائر أعمالهم، كما قال ربنا حاكياً عنهم: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. وإن من نعمة الله على هذه الأمة المحمدية أن من عليها بهذه الشريعة الربانية التي حوت على كل خير، وخلت عن كل سوء وشر وضير. في هذه الشريعة السمحة جعل ربنا عز وجل لعباده أنواعًا وأشكالًا من خزائن رحمته، ومن موجبات مغفرته، ما تفتح أبوابًا وآفاقًا للتائبين، وعظيم الرجاء برب العالمين. وإنني، عباد الله، في هذا المقام لأذكر مما صحت به الأدلة الصحيحة الصريحة في ذكر أهم الطاعات والعبادات التي بها يتحصل العبد على تكفير الذنوب والسيئات، ومحو الخطايا والعيوب والرزايا والرذائل، وسائر الأعمال والمحرمات. فمن هذه الأعمال، وعلى رأس العبادات التي يكفر بها ربنا الخطايا والذنوب والسيئات، ما يكون من توحيدك لله جل في علا. إن العبد متى ما كان موحدًا لربه جل في علا، لم يجعل له شريكًا في ملكه، ولم يجعل له ندًا في عبوديته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا تعلق بحجر ولا بشجر، ولا تعلق بميت ولا بقبر، وإنما عباداته وظاهره وباطنه قد فوض أمره لله جل في علا، فصلاته ورجاءه وقلبه وقالبه قد جعله ملكًا لله، متوجهًا في طاعاته لرب الأرض والسماء. فمن كان هذا حاله، فليبشر بخير عطاء من مغفرة الذنوب والسيئات مهما بلغت. روى أهل السنن عند الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة». الله أكبر، إنه التوحيد، ما هنالك يدانيه ولا يوازيه. وذلك متى ما قام العبد بتحقيق التوحيد حق التحقيق، ثم تأتي بعد ذلك فرائض الإسلام وأركانه العظام، وشعائره الكبار، وأعني بها الأركان الخمسة، إذ أنها قد بلغت مبلغًا عظيمًا في التكفير عن الذنوب والسيئات. يقول عليه الصلاة والسلام، كما جاء في السنن من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «من صلَّى الصلوات الخمس، وحجَّ البيت، وصام رمضان، إلا كان حقًا على الله...». وقد دلت الأدلة الكثيرة المستفيضة على أن أركان الإسلام بلغت مدًا بعيدًا وعظيمًا في التكفير عن الذنوب والسيئات. فالصيام الذي قال عنه نبينا عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». وهذا الحج الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: «من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق غُفر له ما تقدم من ذنبه». وهكذا الصلاة، وما أدراك ما الصلاة، فيا الله كم جعل الله فيها من مكفراتٍ للذنوب وممسحةً للخطايا والعيوبات. فالأذان الذي يُعتبر وسيلةً للصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: «المؤذن يُغفر له مدى صوته». والمردد الذي يُجيب المؤذن، فإن له حظًا من مغفرة الذنب. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ رسولًا، غُفر له ذنبه». ثم بعد ذلك يأتي الوضوء، والذي يُعتبر شرطًا من شروط صحة الصلاة. قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». ثم يأتي بعد ذلك، يا عبد الله، خروجك لتأدية الصلاة في بيتٍ من بيوت الله، يَكُون مَمْحاةً للذنوب والخطايا والسيئات. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه خطيئة». فإذا أتى المسجد، فصلَّى جماعة، غُفر له. ثم بعد ذلك، يا عبد الله، تأتي الصلاة، فإن المصل إذا انتصب لله، فإنه حينها يتقلب بين مكفراتٍ للذنوب ومكفراتٍ للسيئات والخطيئات والعيوب. فإذا أمن المؤذن، إذا أمن المصل، فإن الله يغفر له ذنبه. ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه». ويأتي بعد ذلك التسميع، وقولك: «سمع الله لمن حمده» بعد اعتدالك من الركوع. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه». ثم بعد ذلك، يا عبد الله، تأتي الأوراد وتأتي الأذكار التي تأتي بها بعد الصلوات، فيكون ذلك مثل أخواتها، يغفر الله جل وعلا بها الذنوب. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من قال في دُبر كل صلاة: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين مرة، فتلك تسعةٌ وتسعون، ثم قال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». عباد الله، هذه الأمور إنما يتحصل عليها المصلي إذا كان من المصلين، عند ترديد الأذان، وعند الوضوء، وعند الخروج للصلاة، وعند إقامة الصلاة، والأذكار بعد الصلاة. إنما هذا يكون من أهل الصلاة، أما تارك الصلاة فليس له حظ في ذلك. روى الإمام مسلم في صحيحه قال عليه الصلاة والسلام: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة المكتوبة، فيحافظ على وضوئها وركوعها وخشوعها، إلا كان كفارة لما قبلها من الذنوب، إلا الكبيرة، وذلك الدهر كله». فمتى ما كنت من المصلين، فإنها تعمل عملها في التكفير عن الذنوب والسيئات. وجاء في مسند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من حفظ عليهن، وضوئهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن، وأحسن خشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له ذنبه، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له». فالحرص، عبد الله، على الصلاة، فإنها من أمهات العبادات التي يكفر الله بها الذنوب والسيئات. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فإنا، عباد الله، نستعرض وإياكم أهم الطاعات والعبادات التي تكون سببًا في تكفير الذنوب والسيئات، ما عدى الكبائر، إذ أنها تفتقر إلى التوبة. وكان مما ذكر مما يكفر الله به من السيئات والخطيئات ما كان من عقيدتك، ومن توحيدك لربك، ثم ما كان من حرصك على القيام بأركان الإسلام العظام، وخاصة ما كان من أمر الصلاة، فإن شأنها عظيم. فما من حركة، وما من ذكر وورد يتعلق بأمر الصلاة إلا كان كفيلًا بمسح الذنوب والسيئات. وهكذا، عباد الله، من هذه الأعمال التي جعلها الشرع مُحبطًا للسيئات وممسحًا للذنوب والخطايا والسيئات ما يكون في شؤونك الخاصة، وفي حياتك اليومية، في مطعمك، في مشربك، وفي ملبسك. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». إنها الحمد، والمحمد أن تكون من الحامدين والشاكرين لله في كل أمورك، وفي كل شؤونك، مؤديًا أن الله عز وجل يغفر ذنوبك. فما أيسره من عمل، وما أعظمه من أجر. وهكذا، يا عبد الله، من الأعمال التي يغفر الله جل بها من الذنوب والسيئات ما يكون من عمل لا يحتاج منك إلى جهد، ولا يتطلب منك نفقة ولا مالًا، ما عليك إلا أن تحرك لسانك ببعض كلمات، فبها يجزيك ربنا جل وعلا أن يغفر عنك جميع السيئات. والذي أعنيه هو الإكثار من ذكر الله جل في علاه. قال عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يصبح: سبحان الله وبحمده مئة مرة، وإذا أمسى مئة مرة، غفر له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر». علينا، عباد الله، من ذكر الله، والإكثار من ذكره، من تسبيحه، واستغفاره، وتكبيره، فإن الذنوب تحط حطًا، ويغسلها غسلًا. وأيضًا، عباد الله، من هذه الأعمال الحرص على حلقات الذكر، وعلى حلقات العلم. وللأسف، كم نرى من عزوف لدى كثير من الناس عزف عنها، فما ألقى لها بالا، وما رفع لها رأسًا، وما علم كم من فضائل أعدت لأصحابها، وكم من ذنوب أسقطها الله عن أهلها. قال عليه الصلاة والسلام: «مجتمع قوم على ذكر، فيتفرقون عنه، إلا قيل لعهم: قوموا مغفورًا لكم». إذا كان هذا في حق عبد جلس مجلسًا واحدًا، غُفر الذنب، فما ظنك، يا عبد الله، بالذي وطن نفسه على عدة مجالس يقضيها في حلقات العلم والذكر، في يومه وليلته، هل يبقى من درنه شيء، هل تبقى من سيئاته شيء. وهذا المنادي ينادي: «قوموا مغفورًا لكم». لا، والله، بل أمر، يا عبد الله، إلى فضل الله، وأوسعه. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «مجتمع قوم يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا نادى منادٍ في السماء: قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات». ذاك هو الفضل، ذاك هو العطاء، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. عباد الله، إن الأعمال التي يكفر الله بها الذنوب والسيئات لهي كثيرة، وكثيرة جدًا. وما ذكر إنما من باب الإشارة إليها، وذكر أهمها، وأوضحها. فعلينا، عباد الله، أن نشمر عن ساعد الجد، وأن نستغل العمر في الحرص والتتبع لهذه الأعمال التي تعود على السيئات بالمحو والزوال، حتى نلقى الله، وليس علينا أوزار. فأسأل مولى العلي الغفار أن يجعلنا من عباده الأخيار، وأن يأخذ بنواصينا إلى ما يحبه ويرضاه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.