شرح كتاب الصلاة 48

الدرس في شرح كتاب الصلاة 48، ألقاها

أحكام تكفين الميت

تكفين الميت واجب على الكفاية، ويجب ستر جميع بدنه بثوب لا يصف البشرة. يختلف حكم تغطية الرأس للمحرم الذكر عن الأنثى.

تفاصيل تكفين الرجل والمرأة

يُكره تكفين الرجل بالحرير ويُشدد على ذلك، بينما يُستحب تكفينه في ثلاث لفائف بيض من قطن. المرأة تُكفن في ثلاثة أثواب أيضاً مع مراعاة أحكام خاصة.

أحكام الصلاة على الميت وختام الوصية

الصلاة على الميت فرض كفاية، ويستحب تكفينه في ثياب بيضاء. يُختتم بالوصية بأهمية الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

  • 26 جمادى الأولى 1438هـ - 22/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مالك: فقه الله المسألة الثالثة: حكم تكفينه وكيفيته. قال: وتكفينه واجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحلته: وكفنوه في ثوبين. والحديث في الصحيحين في الرجل الذي استخطأ من راحلته فمات، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يغسل وأن يكفن في ثوبين. فقوله: وكفنوه، هذا أمر يدل على وجوب تكفين الميت، وهو واجب على الكفاية، فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. والواجب ستر جميع البدن. الواجب ستر جميع البدن، فإن لم يوجد إلا ثوب قصير لا يكفي لجميع البدن، وطئ رأسه، وجعل على رجليه شيء من الإذخر؛ لقول خباب في قصة تكفين مصعب بن عمير رضي الله عنه: فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر. والحديث في الصحيحين حين قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه في أحد، فلم يوجد معه إلا نمرة، إذا غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه، فكانت قصيرة لا تكفي لستر جميع البدن، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يغطى بها رأسه، وأن يجعل على رجليه من الإذخر، وهو نبات طيب الرائحة. إذن، إذا كان عندنا ميت، وليس عندنا من الكفن ما يكفي جميع البدن، فإننا نغطي الرأس إلى الموضع الذي يصل فيه الكفن، وما بقي يستر بشيء آخر من نبات أو شجر أو ما يتيسر. قال: ولا يغطى رأس المحرم الذكر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ولا تخمروا رأسه. ولا تخمروا رأسه في قصة الرجل الذي مات ابن عباس الذي سقط من ناقته أو راحلته فمات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه. يعني: لا تغطوا رأسه؛ لأن المحرم لا يغطي رأسه، وهذا جعله النبي صلى الله عليه وسلم في حكم المحرم؛ لأنه أخبر أنه يأتي يوم القيامة، يبعث يوم القيامة ملبيا. والمحرم لا يغطي رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم تغطية رأسه. وأما رواية: ولا وجه، ولا تخمر رأسه ولا وجه، هذه الرواية حكم عليها العلماء بالشذوذ، رواية ذكر الوجه حكم عليها العلماء بالشذوذ، وهي في مسلم من حديث ابن عباس. قال: ويكون ذلك بثوب لا يصف البشرة. وقوله هنا قبل ذلك: ولا يغطى رأس المحرم الذكر، خرج به الأنثى؛ فالأنثى يغطى رأسها، فيغطى سائر بدنها؛ لأنها مأمورة بالستر، المحرمة في حال إحرامها تغطي سائر بدنها حتى وجهها تغطيه، إلا إذا لم يكن هناك أحد من الأجانب فتكشفه. فهذا الحكم خاص بالمحرم الذكر. قال: ويكون ذلك بثوب لا يصف البشرة، ساترا لا يصف البشرة، يعني: يكون رقيقا حتى لا يصف البشرة، بل يكون فيه شيء من الغلظة التي تستر البدن، ويكون ساترا. ويجب أن يكون من ملبوس مثله؛ لأنه لا إجحاف على الميت ولا على ورثته من ملبوس مثله. يعني: مما يلبس من الثياب، فما يكون من الرباع، الثياب الرديئة التي لا تلبس، لا يلبس مثلها، لا يكون في ذلك إجحاف على الميت، بل يكون مما يلبس. وفي المقابل أيضا لا يكون شيئا ثمينا، لا يكون شيئا ثمينا مما يغالى فيه، فيكون من الإسراف والتبذير؛ لأنه يذهب سريعا ويبلى. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يذهب سريعا. مع أمره عليه الصلاة والسلام بإحسان الكفن: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه. إحسان الكفن بأمرين: الأمر الأول أن يكون -يعني- جديدا أو طيبا، والأمر الثاني أن يكون أبيضا، أن يكون ثوب أبيض. كما سيأتي: أن هذا مما يستحب به تكفين الميت. لكن كما سمعنا أيضا: من غير إسراف وتبذير. ولهذا اختلف أهل العلم في تكفين الميت بالحرير: تكفين الميت بالثوب الحرير. فالصحيح: أنه لا يجوز بالنسبة للرجل أن يكفن بالثوب الحرير؛ لأنه لا يجوز له لبسه. لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب الحرير. وأما بالنسبة للمرأة، فأجاز بعض أهل العلم؛ لأنه يجوز لها أن تلبسه في حال الحياة. وبعضهم كره ذلك، وهو الصحيح: أنه يكره حتى للمرأة. فيكون مكروها في حق الرجل والمرأة؛ لأن هذا يعتبر من التبذير، يعتبر من التبذير. إذن، فالأمر وسط، لا يكون من الثياب التي لا يلبس مثلها، ولا تكون من الثياب الثمينة والباهظة، وإنما من الوسط مما يلبس مثله ويعتاد لبسه. قال: والسنة تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن، تبسط على بعضها. تبسط على بعضها يعني: توضع الثوب الأول، ثم فوقه الثوب الثاني، ثم فوقه الثوب الثالث. ويجعل الحنوط بينها. قال: ويوضع عليها مستلقيا. يعني: يوضع الميت فوق الثوب الثالث مستلقيا على ظهره، ثم تضم يديه، توضع اليمنى على اليسرى. قال: ثم يرد طرف العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، يؤخذ الطرف العلو من الثياب من الجانب الأيسر، ويوضع على الميت، وما زاد من أطرافه يوضع تحت جانبه الأيمن. ثم يؤخذ طرف الأيمن، ويوضع فوقه إلى جهة الطرف الأيسر، ثم الثانية، ثم الثالثة، تفعل في الثانية مثلها: يؤخذ الطرف الأيسر، ويوضع على الميت في الجهة اليمنى، ويؤخذ الطرف الأيمن، ويوضع على الميت في الجهة اليسرى، ثم الثالثة كذلك. قال: ثم يجعل الزائد عند رأسه، ثم يعقد. يعني: ما زاد من الثوب يجعل عند الرأس، فيربط، يجمع ثم يربط برباط. قال: فلو كان الزائد أكثر، جعل عند قدميه كذلك. يعني: إذا كان الزائد كثيرا من جهة الرأس ومن جهة القدم، جمع من جهة القدم وربط، وجمع من جهة الرأس وربط الزائد. قال: فلو -فإن ذلك أثبت للكفن. يعني: جمعه وربطه؛ لقول عائشة: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة، قُدرج فيها إدراجا. والحديث في الصحيحين: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية. سحولية: ذكر بعضهم أنها بالضم، جمع سهل، وهو الثوب الأبيض النقي. قالوا: رواية بالفتح سحولية، نسبة إلى قرية في اليمن يقال لها سحول. ولهذا قال هنا في هذه الرواية: ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد يمانية. عندكم سحولية -عندكم سحولية- بضم السين أو فتحها، بالضم طيب. المعلق هنا نقل من النهاية هذا التفريق بين الضم والفتح: أن بالضم يكون الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن. وبالفتح: نسبة إلى سحول، قرية باليمن. لكن قوله: جدد يمانية، يدعى لأن الرواية صحيحة بالفتح، فيكون سحولية بفتح السين على هذا التفريق. ليس فيها قميص ولا عمامة. يعني: لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة. القميص معروف الذي له أكمام، يوضع، يلبسه الإنسان على بدنه، ويخرج يديه من أكمامه. والعمامة التي توضع على الرأس، فلا يكون في الكفن قميص ولا عمامة. وهذا قول جمهور أهل العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. وذهب المالكية والحنفية إلى أنه يكفن بقميص وعمامة، قالوا: المراد في الحديث: ليس فيها قميص ولا عمامة، يعني: ليس من هذه الثلاث، وإنما هي زائدة، إنما هي زائدة عن الثلاث. لكن الصحيح قول الجمهور: أن المراد ليس في هذه الثلاث قميص ولا عمامة، ولم يكفن عليه الصلاة والسلام بقميص. وورد حديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كفن بقميصه. يعني: ثلاث أثواب منها قميصه الذي مات فيه. لكن لا يصح، فيه زياد بن أبي زياد، متفق على ضعفه. وورد أيضا عند أحمد بن أبي شيبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في سبعة أثواب، أنه كفن في سبعة أثواب. وهذا أيضا ضعيف، من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيء الحفظ. والصحيح ما في الصحيحين: أنه كفن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثواب. قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: إلبسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم. رواه أبو داود والترمذي، الصحيح عند الألباني رحمه الله. هذا فيه استحباب لبس الأبيض من الثياب: إلبسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم. هذا من على جهة الاستحباب، ولا يجوز لبس غير الأبيض. فقد لبس النبي صلى الله عليه وسلم الأخضر والأحمر، نعم، ولبس الأبيض، فهو على جهة الاستحباب. فإنها من خير ثيابكم. يعني: من خير الثياب أن تلبس الثياب البيضاء. وكفنوا فيها موتاكم. يعني: كفنوهم بالثياب البيضاء، في استحباب أيضا تكفين الميت بالثوب الأبيض. وهل يجوز أن يكفن بغير الأبيض؟ الجواب: نعم، يجوز. يجوز أن يكفن بثوب أخضر أو أسود أو غيره، لكن يستحب أن يكون أبيضا؛ لهذا الحديث: وكفنوا فيها موتاكم. قال: والأنثى خمسة أثواب من قطن: إزار وخمار وقميص ولفافتين. الأنثى تكفن في خمسة أثواب: إزار وخمار وقميص ولفافتين. واستدل أهل العلم بأثر ليلة بنت فائق في غسل بنت النبي عليه الصلاة والسلام أم كلثوم. لكن هذا الأثر ضعيف، فيه نوح بن حكيم وهو مجهول، وفيه راو أيضا يقال له داود، وهو مجهول أيضا. وجعل في بعض الروايات غسل ابنة النبي عليه الصلاة والسلام: أنهم قالوا: وكفناها في خمسة أثواب. قال: الرابع: كفناها في خمسة أثواب. وهي رواية شاذة ومنكرة، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله. وعلى هذا، فالراجح: أنه يستحب أن تكفن المرأة بثلاثة أثواب كالرجل، بثلاثة أثواب كالرجل. ورجع إلى هذا العلامة الألباني رحمه الله، والعلامة العثيمين رحمهم الله. لكن إذا احتيج إلى الزيادة، لها مثلا كفنت في ثلاثة أثواب، وما حصل لها الستر الكامل، فلا بأس أن يزاد رابعا وخامسا إذا لم يحصل الستر بثلاثة، فلا بأس أن يزاد إلى خمسة. قال: والصبي في ثوب واحد. يعني: يكفن في ثوب واحد. ويباح في ثلاثة. والصغيرة في قميص ولفافتين. يعني: ثلاثة أثواب. قال: المسألة الرابعة: الصلاة على الميت، حكمها ودليل ذلك. قال: الصلاة على الميت فرض كفاية، إذا فعلها البعض سقط الإثم عن الباقين. فرض كفاية إذا فعلها البعض سقط الإثم عن الباقين. هذا حكم فرض الكفاية: أنه إذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين. فالصلاة على الميت فرض كفاية إذا قام به جماعة من المسلمين كفاية وسقط الإثم عن البقية. قال: ودليلها قوله صلى الله عليه وسلم فيمن مات وعليه دين: صلوا على صاحبكم. الحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الذي عليه دين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر لا يصلي على من مات وعليه دين، ولم يترك ما يسدد به الدين. وهكذا أيضا قاله في الرجل الذي قتل نفسه بمشاقص -أي بحديد- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صلوا على صاحبكم. والشاهد قوله: صلوا على صاحبكم. هذا أمر يدل على وجوب الصلاة على الميت. وقوله صلى الله عليه وسلم يوم مات النجاشي: إن أخا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه. هو الحديث في مسلم. قوله: فقوموا فصلوا عليه، يدل على وجوب الصلاة على الميت. إذا الصلاة على الميت واجب، لكن على الكفاية، فلا يجب على كل المسلمين أن يصلوا على هذا الميت، لا يجب على البعض إذا قام البعض بالصلاة عليه كفاية؛ لأنه يتعذر ويشق على جميع المسلمين أن يصلوا على الميت، على الميت الذي مات، فيصلي عليه جماعة فيكفي. بصلاة عليه السقوط هذا الواجب، ويكفي بهذا القدر. إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على