التعليق على كتاب التوحيد 84

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 84، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الصبر على أقدار الله من شعب الإيمان بتوحيد الربوبية

الصبر على أقدار الله يُعد نوعاً من الصبر الثلاثة ويرتبط بتوحيد الربوبية لأن التقدير من أفعال الله. الإيمان بالقدر يورث الطمأنينة والسكينة فيتحول البلاء إلى نعمة وراحة نفسية.

تفسير حديث «إثنتان في الناس هما بهم كفر» وبيان معنى الكفر فيه

يشرح الحديث أن الطعن في النسب والنياحة على الميت هما خصلتان تُوصفان بالكفر، وهو كفر نعمة لا كفر أكبر مخرج من الملة. يستدل بتنكير لفظ «كفر» وأقوال ابن تيمية وابن عثيمين لردّ تأويل الخوارج والمعتزلة.

أحكام النياحة ومراتب الصبر عند المصيبة

يُبيّن المقطع أن الطعن في النسب والنياحة من خصال الجاهلية والكفر، ثم يقسم ردود الأفعال عند المصيبة إلى أربع مراتب: التسخط (محرم)، الصبر (واجب)، الرضا (مستحب)، والشكر (مستحب وأعلى). تُوضّح الفروق والأحكام لكل مرتبة.

شكر الله عند المصائب وقيام الليل

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ويقول: «أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا»، مبيناً أن الشكر الحقيقي هو الصبر على المصائب وهونُها ورجاء ما عند الله. كما أشار إلى النهي عن النياحة على الميت وأُجِّلت بقية الأحاديث لدرس قادم.

  • 11 جمادى الآخرة 1438هـ - 09/03/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب من الإيمان بالله: الصبر على أقدار الله". والصبر في اللغة معناه الحبس، وفي الاصطلاح هو الحبس عن أشياء وعلى أشياء. ولذلك قسم العلماء الصبر إلى ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله. وخص هنا المؤلف رحمه الله نوعاً واحداً من أنواع الصبر، وهو الصبر على أقدار الله؛ لأن الصبر على أقدار الله يتعلق بتوحيد الربوبية. يتعلق بتوحيد الربوبية؛ لأن تدبير الخلق والتقدير عليهم هذا من مقتضيات ربوبية الله، يعني من أفعال الله عز وجل، وما كان من أفعال الله فهو من توحيد الربوبية. فأراد من هذا الباب أن يبين رحمه الله أن من الإيمان بتوحيد الربوبية - وهو قسم من أقسام الإيمان بالله، فإن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بألوهية الله وربوبية الله وأسماء وصفاته - وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية. فقوله: "باب من الإيمان بالله" يعني إيمان الربوبية الذي يستلزم الإيمان بالألوهية: الصبر على أقدار الله؛ لأن أقدار الله من أفعال الله، ومن ربوبية الله. فأراد هنا أن يبين أن من رزق الصبر على أقدار الله فقد رزق الإيمان والطمأنينة والسكينة والراحة، فكل ذلك من معاني الإيمان. وسيأتي في الأدلة التي ذكرها ما يبين ذلك. قال: وقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ ﴾. قوله: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ المراد بالإيمان هنا الإيمان بالقدر، بدليل قوله: ﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾. ومعنى يهدي قلبه: يعني يرزقه الطمأنينة، يرزقه الطمأنينة والراحة. وهذا يدل على أن الإيمان يتعلق بالقلب، فإذا اهتدى القلب اهتدت الجوارح. فمن أكبر الراحة والطمأنينة الإيمان بقضاء الله وقدره. وقلنا ذلك أيضاً بما جاء عن المفسرين، فسروا ذلك بالإيمان بالقدر، كما ذكر ذلك الشيخ رحمه الله في أثر علقمة، وهو من كبار التابعين. قال علقمة: "الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم". فيرضى ويسلم. فهذا دليل على أن المراد بالإيمان هنا الإيمان بالقدر. ومعنى يهدي قلبه: يعني يرزقه الطمأنينة والراحة. وهذا فيه ثمرة عظيمة من ثمار الإيمان بالقدر، ما هي هذه الثمرة؟ الطمأنينة والراحة. فمن آمن بالقدر لا يبالي بالمصائب، بل تتحول هذه المصيبة إلى نعمة، إلى راحة، إلى طمأنينة. فمن يؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، اطمأن قلبه وارتاحت نفسه، فلا يقلق ولا يتبرم ولا ينزعج أبداً، بل يبقى في سكينة وفي طمأنينة. فهذا هو المراد بقوله: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ ﴾ هذا فيه دليل على أن أقدار الله عز وجل في الحقيقة هي خير للعبد، وإن كان في ظاهره شر له، لكن في علم الله عز وجل هي خير له. ولذلك ختم الآية بعلمه سبحانه وتعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ ﴾، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. فما تدري لعل موت قريب لك رحمة بك، لعل أخذ شيء من مال أو من قريب أو من نعمة دنيوية هو خير لك، كما قال الله عز وجل: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في آية أخرى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. فرب إنسان كان سبب هدايته مصيبة حلت به، يموت له قريب فيتأثر فيستقيم، يرى مصيبة في نفسه وفي أهله وفي ماله فيرجع وينتبه، ويكون سبباً في هدايته. فلذلك ختمت هذه الآية بكمال علم الله: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ ﴾، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. قال: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إِثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمَا كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ». قوله: "إثنتان في الناس"، "إثنتان" مبتدأ، وهنا ابتدأت به بالنكرة، "إثنتان" نكرة، ولا يبتدأ بالنكرة عادة، وقال: المسوغ لها فيها شيء من التخصيص فهو كالتعريف، ويقيد بـ "اثنتان" يعني شيء محصور أو مخصوص. وقوله: "هما بهم كفر"، قيل: الباء هنا بمعنى "في" أي فيهم، وقيل بمعنى "من" أي هما منهم كفر، وهذا من باب تناوب حروف الجر تتناوب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ ﴾ يعني من على السماء، والباء هنا بمعنى العلو بمعنى "على". وقولهما: "بهما كفر"، اتفق العلماء أن الكفر المراد به في هذا الحديث ليس الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإنما هو الكفر الأصغر؛ لأن "كفر" هنا جاء نكرة ولم يعرف حتى يخص بالكفر المخرج من الملة، كما جاء في قول عليه الصلاة والسلام: « بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ ». فحمل العلماء الكفر في هذا الحديث على الكفر الأكبر على قول لمن قال أن تارك الصلاة كافر؛ لأن الكفر هنا أتى معرفاً. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله عند شرح "إثنتان في الناس هما بهم كفر": "أن كفر هنا ليس كفر أكبر، بخلاف قول رسول صلى الله عليه وسلم: بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة، فإنه هنا أتى بـ (أل) يعني الكفر الدال على الحقيقة، فالمراد بالكفر هنا الكفر المخرج من الملة أو عن الملة، بخلاف مجيء كفر بدون (أل) فلا يدل على الخروج من الإسلام". هذا ذكره في اقتضاء الصراط المستقيم. ونحو هذا ذكر الشيخ ابن عثيمين في شرحه لهذا الحديث، فقال: "أي هاتان الخصلتان كفر، ولا يلزم من وجود خصلتين من الكفر في المؤمن أن يكون كافراً، يعني كفر أكبر؛ فقد يتصف ببعض خصال الكفر لكنها غير مخرجة من الملة". وقال الشيخ ابن عثيمين أيضاً: "كما لا يلزم من وجود خصلتين في الكافر من خصال الإيمان كالحياء والشجاعة والكرم أن يكون مؤمناً، لو أن كافراً لا يؤمن بالله ولا بيوم الآخر لكن عنده كرم، عنده شجاعة، هذا من خصال الإيمان، أو عنده حياء، هذا من خصال الإيمان، أن نقول أن هذا مؤمن؟ لا، ما نقول أن هذا مؤمن. وهكذا المؤمن كان عنده أصل الإيمان ووقع في شيء من خصال الكفر لا نقول أنه كافر خارج من الإسلام، خلافاً للمعتزلة وهكذا الخوارج، فإنهم يكفرون بالمعصية، وهذا الأحاديث رد عليهم". فإذا قيل: "هما بهم كفر" يعني كفر دون كفر. وقوله: "الطعن في النسب" أي العيب والقدح فيه، أو بنفيه، تقول: فلان ليس من آل فلان، تنفي نسبة هذا، طعن في نسبة، أو تقدح فيه: فلان ضعيف، فلان من قبيلة كذا، فلان من باب العيب والطعن والقدح، فهذا من خصال الجاهلية ومن خصال الكفر. والنياحة على الميت، والمراد بالنياحة من نوح الحمام يعني إصدار الصوت عند البكاء. أما البكاء بدون إخراج صوت فهذا لا شيء فيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام دمعت عيناه لما مات ولده إبراهيم، فقال: « إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَإِنَّا عَلَى فِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ». ولكن المذموم والذي هو من الكفر رفع الصوت عند المصيبة مع البكاء، هذه هي النياحة. وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث. فكما أن الصبر على أقدار الله من الإيمان، فالجزع من أقدار الله من كفر، واضح؛ لأن قال: "هما بهم كفر". ولذلك ذهب العلماء أن الصبر عند المصيبة واجب. وقسم العلماء رحمهم الله الناس حال المصيبة على مراتب أربع. إذا نزلت مصيبة في إنسان لا يخلو أن يكون إحدى هذه المراتب الأربع: المرتبة الأولى: التسخط، والتسخط هو عدم ضبط النفس عند المصيبة، فإما أن ينوح، وإما أن يشق جيبه كما سيأتي في حديث ابن مسعود، أو يضرب خده، أو يكسر باباً، أو يكسر زجاجاً، أو كذلك يهدم بيتاً، أو نحو ذلك، فهذا كله من التسخط وهو حرام، كما في هذا الحديث، وكما سيأتي معنا في حديث ابن مسعود. هذه الحال الأولى. الحال الثانية: الصبر، ومعنى الصبر هو حبس النفس عن التسخط. فالصابر يكره المصيبة لكنه يتحمل ويضبط نفسه، فلا يصدر منه شيء يدل على التسخط مع كراهيته لهذا المقدور الذي قدره الله عز وجل عليه، لكنه ماسك نفسه، حابس نفسه، هذا يسمى صبراً، وهو واجب. فإذا لم يتحل بذلك انتقل إلى الساخط. المرتبة الثالثة: الرضا، والرضا أعلى من الصبر. وما الفرق بينه وبين الصبر؟ الفرق أن الصبر كما تقدم يكره الصابر تلك المصيبة لكنه يتحمل ويصبر، وأما الراضي فليس بكاره لهذه المصيبة، وقوعها وعدمه عنده سواء، الأمران عنده سواء بالنسبة لقضاء الله وقدره، فتجده مطمئناً، تجده كذلك مبتسماً منشرحاً، ما هو كاره لهذه المصيبة، عنده سواء وقعت أو لم تقع. فهذا هو الفرق بين الراضي والصابر. واختلف العلماء في حكم الرضا، والصحيح أنه مستحب، الواجب هو الصبر أن تنحبس نفسك عن التسخط، أما الرضا فهو مستحب وليس بواجب. المرتبة الرابعة: الشكر، وهي أعلى المراتب، والشكر هو رضا وزيادة، فيستوي عنده الأمران، ومع هذا فإنه يكثر من طاعة الله ومن التقرب إلى الله، ومن كذلك تعداد نعم الله التي أنعم الله بها عليه، فيقول مثلاً: إن أخذ الله عليّ مالاً فالدنيا أهون من الآخرة، شاكر شكر الله، أو وقع له ألم أو مرض فيقول: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، شاكر شكر الله. فهو رضا وزيادة. عرفتم الآن الفرق بين المراتب الأربع: الساخط، الصابر، الراضي، الشاكر. الساخط هذا آثم، لا يجوز. الصبر واجب. الرضا مستحب. الشكر كذلك مستحب. واضح هذا الآن. لكن الشكر بمعنى ليس المعاصي والذنوب، هذا يجب أن يمتنع عنها، لكن الشكر بمعنى الزيادة في الطاعة، وكذلك مقارنة ما نزل به من البلاء بما عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، هذا شيء زائد، فتشفق عليه عائشة فتقول: "لما تصنع ذلك وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟" فيجيبها: « أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا ». فهذا هو الشكر. كلما أحدث الله له مصيبة لا يبالي بذلك، ويهون هذه المصيبة، ويرجو ما عند الله عز وجل، بل ويزيد من شكر الله عز وجل، فهذا يسمى شاكراً. ووجه الشاهد كما تقدم من الحديث: والنياحة على الميت. وبقية الأحاديث إن شاء الله نؤجلها إلى درس قادم.