الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 116، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع مفهوم الإقسام على الله بأنه الحلف على الله أن يفعل أو لا يفعل، ويبين إدخاله في كتاب التوحيد لسوء الأدب والتحجير على فضل الله. ثم يقسم الإقسام إلى ثلاثة أنواع، مبيناً جواز النوعين الأولين: الإقسام بما أخبر الله به ورسوله، والإقسام لقوة الرجاء وحسن الظن مستدلاً بقصة الربيع بنت النضر.
يفرق المقطع بين الإقسام الجائز المبني على حسن الظن والتألي المحرم الناشئ عن الإعجاب بالنفس والتحجير على فضل الله في المغفرة. يستدل بحديث جندب بن عبد الله وحديث أبي هريرة عن الرجل الذي قال: والله لا يغفر الله لفلان، فأبطل الله عمله وغفر للآخر، موضحاً معنى التألي كتحجير فضل الله.
يبرز المقطع خطورة التألي على الله من خلال حديث السبع الموبقات، موضحاً كيف أهلكت كلمة واحدة دنيا رجل وآخرته. يستخلص خمس مسائل: التحذير من التألي، وقرب النار والجنة، وأهمية حفظ اللسان، وأن المغفرة قد تأتي بسبب يكرهه الإنسان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب ما جاء في الإقسام على الله". والإقسام هو من القسم، أي الحلف، ويريد بالإقسام على الله أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل. هذا يسمى إقساماً على الله، وهو يسمى كذلك بالتألي على الله، كأن تقول: والله لا يغفر الله لفلان، والله فلان ما سيخرج من النار. هذا تألي على الله، تحلف أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا. هذا من الإقسام على الله. ووجه مناسبة الترجمة لكتاب التوحيد: أن من تألى على الله عز وجل فقد أساء الأدب مع الله، وتحجر فضل الله، وأسأ الظن بالله سبحانه وتعالى، وهذا كله ينافي كمال التوحيد، بل ربما ينافي أصل التوحيد. فالتألي على الله وهو العظيم سبحانه وتعالى يعتبر تنقصاً في حقه، يعتبر تنقصاً في حقه سبحانه وتعالى. فلذلك أدخله المؤلف رحمه الله في كتاب التوحيد، في كتاب التوحيد، لما في ذلك من سوء الأدب، ومن تحجير القاسم لفضل الله عز وجل، وسوء الظن بالله، وهذا كله ينافي التوحيد. والإقسام على الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقسم بما أخبر الله به ورسوله، أن يقسم بما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به. مثلاً يقول: والله ليشفعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة. هذا هذا هذا إقسام على الله، أقسمت على أن الله يفعل ذلك، ولكن هذا يجوز؛ لأن الله أخبر بهذا، أنه سيشفع نبيه في أصحاب الموقف، أهل الموقف. أو تقول مثلاً: لا يغفر الله لمن أشرك به شيئاً، يعني لا يغفر الله لمن مات وقد أشرك بالله؛ لأن هذا ما أخبر به الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾. فإذا أقسمت على شيء أخبر به ربنا عز وجل، أو أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذا لا بأس به. هذا النوع الأول. النوع الثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن ظنه بربه، فهذا جائز. واستدلوا على جواز ذلك بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام ذلك القسم في قصة الربيع بنت النضر. الربيع بنت النضر وهي عمة أنس بن مالك، إذ أن هذه المرأة كسرت ثنية امرأة من الأنصار. ثنية يعني سن امرأة من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. معروف الشرع أن هذا إما فيه عفو وإما فيه قصاص، السن بالسن، السن بالسن. فأبى أولياء هذه المرأة الأنصارية أن يعفوا، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص. فجاء أنس بن النضر أخو الربيع فقال: والله لا تكسر ثنية الربيع، أتكسر ثنية الربيع؟ والله لا تكسر ثنية الربيع. ما قال هذا اعتراضاً لحكم الله أو حكم الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما قال ذلك إحساناً بالظن، إحسان الظن بالله سبحانه وتعالى. فلما رأى أولياء هذه المرأة الأنصارية إصرار أنس، قذف الله عز وجل في قلوبهم الرحمة والعفو، فعفوا عن الربيع بنت النضر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبر». هذا من باب أن يقسم العبد على الله إحساناً منه الظن بالله سبحانه وتعالى، ليس إعجاباً أو تكبراً أو اعتراضاً، وإلا لو أصر أولياء المرأة الأنصارية على القصاص، لاقتص النبي عليه الصلاة والسلام منها، ولكن هم عفوا. الله عز وجل قذف، استجاب لدعوة أنس بن النضر، فاستدل العلماء بهذا على جواز الإقسام في مثل هذا إذا كان من باب حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، والرجاء فيما عند الله عز وجل، وقوة ذلك في قلب القاسم، فهذا لا بأس، جائز. وأما الحالة الثالثة وهي وجه الشاهد من إرادة هذا الباب: أن يكون الحامل الإعجاب بالنفس، فالإعجاب بالنفس، وهكذا التحجير على فضل الله، يريد يحجر فضل الله. سيأتيه الحديث، فهذا هو المحرم ولا يجوز. يقول: والله لا يوفق الله فلان، وما يدريك؟ لا تحجر واسعاً. والله لا يغفر الله لفلان، والله لا يرزق الله فلان. هذا هو التألي على الله، وهذا هو المحرم. قال: عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتأل علي ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحببط عملك». رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته». ومعنى هذا: قال رجل. وهذا في صحيح مسلم، وجاء الحديث بتفصيل زيادة في خارج الصحيح مثل أبي داود وغيره: أن رجلين كانا متوادين، يعني كانا مثل الصديقين، وكان أحدهما عابداً والآخر مسيئاً، يعني عاصياً. فكان يمر العابد على المسيء فيقول: يراه على المعصية، يقول له: اتق الله. فذات مرة رآه على معصية وقال له: والله لا يغفر الله لك. أو قبل ذلك نهاه عن هذه المعصية، فقال له المسيء: أقصر عني، ألقني وربي، أقصر عني رقيباً. فقال له هذا العابد: والله لا يغفر الله لك. فقال الله، وجمعهم الله يوم القيامة، فقال لهذا العابد: من ذا الذي يتأل علي؟ خذوه إلى النار، أي هذا العابد. وادخلوا عبدي هذا الجنة، أي المسيء. هكذا وردت زيادة على متن صحيح مسلم، ويحسنها العلامة الألباني، وهو الذي أشار إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قوله: "وفي حديث أبي هريرة". فقوله: «من ذا الذي يتأل؟» أي: من ذا الذي يتحجر فضلي. التألي هو تحجير فضل الله. فمن ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي ألا أغفر لمن أساء من عبادي؟ والاستفهام هنا للإنكار، هذا استفهام. قال: «من ذا الذي يتأل؟» ينكر عليه ذلك، أي: من ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي على عبادي؟ ومن ذلك غفران الذنوب، ومن ذلك غفران الذنوب. ثم قال: «إني قد غفرت له». وهذا الرجل إما أن يكون قد وجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة، أو أن ذنبه هذا ليس بشرك، وإنما هي معصية، ليس بشرك وإنما هي معصية، والله عز وجل يغفر لما دون الشرك لمن يشاء. فغفر الله لأن ذنبه دون الشرك، ويحتمل أن هذا الرجل قد أتى بأسباب المغفرة، فالله عز وجل يغفر لمن تاب واستغفر وأناب. فلعل هذا الرجل قد استغفر وتاب ورجع، ولعله كان ذنبه ذنباً صغيراً، ذنباً صغيراً، فكان هذا هو السبب في أن الله سبحانه وتعالى غفر له. يحمل على هذا وعلى هذا، سلامة، خلاص، وأصل فيحمل. قلنا: يحمل على هذا أو على هذا. وقوله هنا: «وأحببط عملك». هذا العمل مفرد: «عملك». فبعضهم حمله على أن جميع عمله قد حبط؛ لأن المفرد إذا أضيف أفاد العموم. فمنهم من من الشراح من حمل هذا الإحباط لعمله على جميع العمل، ومنهم من حمله على هذا العمل فقط، يعني ما فعله من التألي ومن كذلك التحجير، فأحبط هذا العمل فقط الذي فعله. احتمل هذا وهذا. وقوله هنا قول أبي هريرة: «تكلم بكلمة أوبقت» يعني أهلكت. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات» يعني المهلكات. فمعنى «أوبقت» هنا يعني ماذا؟ أهلكت دنياه وآخرته. آخرته معلوم: أهلكت آخرته بالنار؛ لأنه جاء في حديث أبي هريرة أن الله عز وجل أدخله النار، أدخل هذا المتأل النار، فهذا لا شك هلاك في الآخرة. طيب، كيف يكون هلاك في الدنيا؟ قال العلماء: يكون هلاك في الدنيا أن دنيا الإنسان الحقيقية هي ما اكتسب فيها عملاً صالحاً، كما قال الله عز وجل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾. فالإنسان إذا حبط عمله في هذه الدنيا، فالإنسان إذا حبط عمله في هذه الدنيا فهو في الحقيقة هالك، وليس في حياة حقيقية، حياة طيبة. هذا معنى قوله: «أوبقت دنياه وآخرته»، أي أهلكت دنياه وآخرته. فهذا فيه خطورة التألي على الله، وخطورة اللسان. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رب كلمة»، أو قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين...» ماذا قال هذا الرجل؟ قال كلمات يسيرة، يسيرة، يمكن لو حسبتها ما تتجاوز خمسة أو ست كلمات: «والله لا يغفر الله لك»، أو «لا يغفر الله لك»، فأوبقت عليه دنياه وآخرته. فهذا فيه خطورة اللسان، والعياذ بالله. قال الشيخ رحمه الله: "فيه مسائل"، أي في هذا الباب: الأولى: التحذير من التألي على الله، فاحذر من هذا. ففي هذا الحديث أن التألي على الله سبب لحبوط الأعمال، بل لدخول النار كما في الرواية الأخرى، رواية أبي هريرة. إذن هذا عمل ليس بالهيّن، ليس بالهيّن. لا تحلف على فعل من أفعال الله أنه لا يفعله، أو أنه يفعله، على سبيل التحجير، وعلى سبيل كذلك الإعجاب. فهذا فيه خطورة التألي على الله. الثاني: أن النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. وشراك النعل هو الخيط الذي بين الإبهام وبقية الأصابع. هذه النعال التي تلبس، صبع واحد ستأخذ الصبع هنا، طيب، فيكون هناك فاصل بين الإبهام هذه وبين بقية الأصابع، هذا الذي في الوسط يسمى شراك. بمعنى أن الموت قريب، النعال قريبة منك، هي جزء منك، فالموت كذلك أقرب، والنار أقرب. فهذا الرجل المتألي، كم بينه وبين دخول النار؟ كلمات يسيرات قالها، كلمات يسيرات قالها، فكانت سبباً في دخوله النار، والعياذ بالله. وكون النار أقرب إلى أحد من شراك نعله يدل عليه هذا الحديث. الثالث: أن الجنة مثل ذلك. انظر هذا الرجل، تألى عليه وعاصم، لكن مع هذا غفر الله له. في الرواية الأخرى: أدخله الجنة، أدخله الجنة. الرابع: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل يتكلم بالكلمة» إلى آخره. بمعنى حفظ اللسان، أن الإنسان يحفظ لسانه. فرب كلمة تكون سبباً، والعياذ بالله، لدخول النار. كلمة واحدة ربما تكون سبباً لدخول النار، والعياذ بالله. قال الخامس: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. ما معنى هذا؟ اضبطوا: «بسبب» بكسرتين. أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. ما هو هذه الأمور الذي هو أكره إليه؟ التألي عليه. هل هذا الرجل الذي غفر له يحب التألي عليه؟ ما يحب هذا، صح. ومع هذا كان هذا التألي من غيره سبباً لدخوله الجنة ولغفران ذنوبه. فما يدريك أنت؟ لعلك تكره شيء وهو الخير. في هذا الشيء الذي تكره، وهذا معنى قوله: ﴿ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. فهذا معنى قوله: أن الرجل قد يغفر له بسبب، بسبب هو من أكره الأمور إليه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.