شرح كتاب الزكاة 14

الدرس في شرح كتاب الزكاة 14، ألقاها

أهل الزكاة وأصنافهم الأولى

يتناول المقطع بيان أصناف أهل الزكاة الثمانية المذكورة في القرآن الكريم، ويشرح الصنف الأول والثاني والثالث منهم، وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها.

مستحقون الزكاة: العاملون والمؤلفة قلوبهم

يشرح المقطع بعض مستحقي الزكاة، مثل العاملين عليها الذين يعملون في جمعها وحفظها وتوزيعها، والمؤلفة قلوبهم الذين يعطون لتأليفهم على الإسلام، وفي الرقاب والغارمون.

أصناف مستحقي الزكاة الأخيرة

المقطع يشرح الأصناف الثمانية الذين يستحقون الزكاة، ومنهم الغارمون والذين في سبيل الله وابن السبيل. يُفصّل الشرح شروط استحقاق كل صنف من هذه الأصناف.

خاتمة بالدعاء للنبي

المقطع يتضمن الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام، وآله وصحبه أجمعين. يعتبر هذا الدعاء من السنن المستحبة في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال: بل له فقه الله. الباب السادس في أهل الزكاة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: من أهل الزكاة ودليل ذلك، أي من الذي يستحق الزكاة؟ قال: أهل الزكاة هم المستحقون لها، وهم الأصناف الثمانية الذين حصرهم الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. هؤلاء هم أهل الزكاة، هذه الأصناف الثمانية التي يجب صرف الزكاة إليها. فإن الله عز وجل ذكرهم في هذه الآية، وأتى بصيغة الحصر: "إنما الصدقات" إلى آخر الآية، فيدل على أن الصدقات لا تعطى لغيرهم، لا تعطى الزكاة لغير هذه الأصناف الثمانية. فلا يجوز صرف الزكاة لبناء المساجد، أو بناء المدارس، أو إصلاح الطرق، أو بناء مستشفيات، أو غير ذلك من المنافع والمصالح العامة. بل يجب أن تصرف إلى هذه الأصناف الثمانية. قال: وإيضاح هذه الأصناف كما يلي. أولا: الفقراء. قال: جمع فقير، وهو من ليس لديه ما يسد حاجته وحاجة من يعول من طعام وشراب وملبس ومسكن، بأن لا يجد شيئا، أو يجد أقل من نصف الكفاية. ويعطى من الزكاة ما يكفيه سنة كاملة. أول هذه الأصناف الفقير، الفقير سمي بذلك؛ قيل: لأنه خالي اليد. وأصله من القفر، وهي الأرض الخالية، فطابق لفظ الفقير في الاشتقاق -يعني في اشتقاق الحروف- مع اختلاف الترتيب. فالقفر: الأرض الخالية من السكان، والفقير: الذي خلت يده من المال. فقال: هو من ليس لديه ما يسد حاجته وحاجة من يعول -يعني من ينفق عليهم من زوجة وأولاد- فيقول: ليس عنده شيء مما يسد حاجتهم من مأكل أو مشرب أو ملبس أو مسكن، بأن لا يجد شيئا، هذا يسمى فقيرا. أو يجد أقل من نصف الكفاية؛ يجد أقل من نصف الكفاية؛ يعني مثلا يكفيه مئتين، وهو لا يجد إلا خمسين، هذا الآن أقل من النصف، فيسمى فقيرا. فيعطى من الزكاة ما يكفيه سنة كاملة، ما يسد حاجته سنة كاملة. قال: والمساكين الصنف الثاني، المساكين جمع مسكين، وسمي المسكين بذلك؛ قالوا: لأن الفقر أسكنهم -أي أذلهم- والغالب في المساكين الذلة، بخلاف أهل الغنى؛ فإنه يغلب عليهم العزة. قال: جمع مسكين، وهو من يجد نصف كفايته أو أكثر من النصف، كمن معه مئة ويحتاج إلى مئتين. ويعطى من الزكاة ما يكفيه لمدة عام -يعني يستحق من الزكاة ما يسد حاجته لمدة سنة- والفقير أشد حاجة من المسكين. ومما يدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾، فأخبر الله سبحانه وتعالى عن المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وصفوا بوصف الفقراء، وأنهم تركوا ديارهم وأموالهم، فدل أن الفقير في الغالب أنه لا مال له، وربما لا دار له، بخلاف المسكين؛ فربما يكون عنده بيت وعنده مركب، لكن لا يسد حاجته. كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، سمهم مساكين، وعندهم سفينة، عندهم سفينة يعملون بها، ومع ذلك سمهم مساكين؛ لأنها لا تسد حاجتهم. وقد يكون المسكين عنده وظيفة أو نحو ذلك، لكن ما سد حاجته، فيعتبر مسكينا. فالمسكين أحسن حالا من الفقير، الفقير أشد حاجة وأشد فقرا. قال: الثالث: العاملون عليها، الصنف الثالث من أصناف الثمانية: العاملون عليها. قال: لهم جمع عامل، وهو من يبعثه الإمام لجباية الصدقات -يعني لجباية الصدقات أي جمعها- لجمع الصدقات، فهم الذين يأخذون الزكاة من أهلها، الجباة الذين يأخذون الصدقات من أهلها. والزكاة تحتاج إلى ثلاثة أشياء: تحتاج إلى جباية وحفظ وتقسيم، تحتاج إلى جباية وحفظ وتقسيم؛ جباية يعني تأخذ من أهلها، ثم تحفظ، ثم تقسم على المستحقين لها، فتحتاج هذا إلى عمل أناس يقومون ويعملون بهذا العمل من جباية الزكاة وأخذها وحفظها وتقسيمها، هؤلاء يسمون العاملون عليها. قال: فيعطيه الإمام ما يكفيه مدة ذهابه وإيابه، ولو كان غنيا؛ يعطيه مدة ذهابه في جمع الصدقات إلى رجوعه، ولو كان غنيا؛ يعني يستثنى -كما سيأتي- معنى أن الغني لا تحل له الصدقة -لا تحل له الزكاة- لكن يستثنى منه العاملون عليها؛ فإنه يعطى من الزكاة ولو كان غنيا؛ لأنه يعتبر كالأجير، يعتبر كالأجير الذي استؤجر لعمل من الأعمال. قال: لأن العامل قد فرغ نفسه لهذا العمل، والعاملون هم كل من يعمل في جبايتها وكتابتها وحراستها وتفريقها على مستحقها، كل من يعمل في جباية الزكاة في جمعها وفي حفظها وفي تقسيمها، فهؤلاء من العاملين عليها، فيعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء. قال: خامسا: في الرقاب من مستحقين الزكاة، في الرقاب. قال: جمع رقبة، والمراد بها العبد المسلم. الرابع: المؤلفة قلوبهم. قال: وهم قوم يُعطون الزكاة تأليفا لقلوبهم على الإسلام إن كانوا كفارا، وتثبيتا لإيمانهم إن كانوا من ضعاف الإيمان المتهاونين في عباداتهم، أو لترغيب ذويهم في الإسلام، أو طلبا لمعونتهم، أو كف أذاهم. والله عز وجل قال: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال: هم قوم يُعطون الزكاة تأليفا لقلوبهم، من أجل تأليف قلوبهم على الإسلام؛ إما بأن يكونوا مسلمين أسلموا حديثا، فيعطون من الزكاة ترغيبا لهم في الإسلام وتثبيتا لهم على الإسلام، وإما أن يكونوا كفارا، فيعطون من الزكاة ترغيبا لهم في الإسلام حتى يُسلموا. أو يكونوا كذلك من أهل الإسلام ممن فيه شر، فيعطون من الزكاة ما يندفع به شرهم وتندفع به أذيتهم، أو كذلك أيضا يُعطون لقصد ترغيب غيرهم للإسلام، ترغيب غيرهم إلى الإسلام. فالمقصود أن هؤلاء أو هذا الصنف يراد به تأليف قلوبهم على الإسلام؛ إما بأن يكونوا مسلمين، فيعطون تثبيتا لهم على الإسلام وترغيبا لغيرهم في الإسلام، أو كذلك لدفع أذيتهم إن كان منهم أذى، فيعطون لدفع أذيتهم، أو يكونوا كفارا، فيعطون لتأليفهم للإسلام، لأجل تأليفهم حتى يُسلموا. قال: خامسا: في الرقاب. قال: جمع رقبة، والمراد بها العبد المسلم، أو الأمة، يُشترى من مال الزكاة ويُعتق، أو يكون مكاتبا، فيُعطى من الزكاة ما يُسدِّد به نجوم كتابته ليُصبح حرا نافذ التصرف، وعضوا نافعا في المجتمع، ويتمكن من عبادة الله تعالى على الوجه الأكمل. وكذا الأسير المسلم يُفكُّ من الأعداء من مال الزكاة. فالرقاب: جمع رقبة، يعني المراد بها الرقبة المملوكة، سواء كان عبدا أو أمة، العبد المسلم أو الأمة المسلمة تُشترى من مال الزكاة ويُعتق؛ إنسان عنده زكاة يريد أن يُزكيها، فينظر رقبة مملوكة، عبد مسلم، فيُعتقه بمال الزكاة، فيُحرِّره، أو أمة مسلمة، فيشتريها ويُعتقها. أو يكون مكاتبا، يعني يكون هذا العبد المسلم مكاتبا، كاتب سيده على مبلغ معين من المال، إذا وفاه له صار حرا، فيُعطيه من الزكاة ما يعينه على سداد هذه الكتابة. وهكذا الأسير من أنواع الرقاب، الأسير المسلم في يد الكفار؛ إذا أسر المسلم في يد الكفار، فإنه يكون في معنى الرقيق، فيجوز أن يُعطى من الزكاة ما يُفدى به حتى يُفك أسره. قال: سادسا: الغارمون، وهو المدين الذي تحمل دينا من غير معصية الله، سواء لنفسه في أمر مباح، أو لغيره كإصلاح ذات البين، فهذا يُعطى من الزكاة ما يُسدد به دينه. والغارم للإصلاح والغارم للإصلاح بين الناس يُعطى من الزكاة، وإن كان غنيا. هذا الصنف السادس: الغارمون، جمع غارم، والمراد بالغرم: الدين، وهو المدين الذي تحمل دينا من غير معصية الله؛ تحمل دينا من غير معصية الله؛ يعني لا يكون هذا الدين في معصية، شراء خمور أو شراء معازف أو نحو ذلك، لكن في أمور مباحة، تكون في أمور مباحة، تحمل دينا سواء لنفسه أو لغيره. في نفسه -كما سمعنا- في أمر مباح، مثل أن بنى له بيتا وتحمل شيئا من الديون، أو أراد أن يعالج نفسه أو أحد أهله، فتحمل شيئا من الديون، أو نحو ذلك من الأمور المباحة، فإنه يجوز أن يُعطى من الزكاة. أو لغيره، كإصلاح ذات البين؛ وقعت -يعني- خلاف بين قبيلتين أو طائفتين، فجاء يُصلح بينهما، يُصلح بين الطائفتين، وتحمل شيئا من المال، يكون مثل أن يُصلح بينهم، ثار فيأتي يتحمل دية إحدى الطائفتين حتى يسكن -تسكن الحرب- ويوقف القتل، فيتحمل هذه الدية مثلا، ويدفعها، ثم يأتي يطالب -يطالب من الزكاة ما قد دفع- فيعطى، يستحق أن يُعطى من الزكاة، ولو كان غنيا، ولو كان غنيا، ولو كان غنيا. قال: سابعا: في سبيل الله. قال: المراد به الغزاة في سبيل الله، المتطوعون الذين ليس لهم راتب في بيت المال، فيعطون من الزكاة، سواء كانوا أغنياء أم فقراء. هذا الصنف السابع: في سبيل الله، المراد به الغزاة، من يغزو ويذهب للجهاد في سبيل الله، الجهاد الشرعي، يتطوع بذلك، لا يكون له راتب -يعني من بيت المال- أو من ولي الأمر، فيعطى من الزكاة، ولو كان له راتب، لكن هذا الراتب لا يكفي، فإنه يعطى كذلك من الزكاة، سواء كان غنيا أم فقيرا. ولو كان غني ذهب إلى الجهاد في سبيل الله وهو غني، فإنه يستحق أن يعطى من الزكاة. وهذا أيضا مما يستثنى من الأغنياء الذين تحل لهم الزكاة؛ إذا كان مجاهدا في سبيل الله، فإنه يستحق أن يعطى من الزكاة. ولفظ "في سبيل الله" يطلق في القرآن على معنيين: معنى عام، ومعنى خاص. في سبيل الله يطلق على معنى عام، وعلى معنى خاص. أما المعنى العام: كل طريق يوصل إلى الله، كل طريق يوصل إلى الله فهو في سبيل الله، وهذا يشمل كل الأعمال الصالحة، كل الأعمال الصالحة؛ كان قول الله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، إلى غير ذلك من أعمال البر والخير. والمعنى الخاص: الجهاد، المعنى الخاص في سبيل الله: الجهاد في سبيل الله جل وعلا لإعلاء كلمة الله، والمراد به في هذه الآية هو الجهاد في سبيل الله. فيعطى المجاهد -كما قلنا- ما يحتاج، حتى السلاح؛ إذا ما عنده سلاح، يعطى من الزكاة، يشترى من الزكاة سلاح، ويعطى للمجاهد في سبيل الله حتى يجاهد به. وهل يلحق به طلب العلم؟ الجواب: نعم، طلب العلم جهاد في سبيل الله، والله عز وجل يقول: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ أي: بالقرآن. فالجهاد كما يكون بالسيف والسنان، فإنه كذلك يكون بالحجة والبرهان. قال: ثامنا: ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع عن بلده الذي يحتاج إلى مال ليواصل السفر إلى بلده، إذا لم يجد من يقرضه. هذا الصنف الثامن، وهو ابن السبيل، ابن السبيل: المسافر المنقطع عن بلده، إنسان في سفره، نفذ منه المال، أو سرق عنده مال، لكن سرق، بقي ما عنده شيء، فهذا يستفيد من الزكاة، يعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، ولو كان في بلده غنيا، ولو كان في بلده غنيا، فإنه يعطى من الزكاة. هذه الأصناف الثمانية التي أمر الله عز وجل أن تدفع لهم الزكاة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على