الدرس في باب بيان في قيام الليل وفضله 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يذكر المؤلف الأسباب الحسية التي تعين على قيام الليل، كتقليل الأكل، وتجنب الأعمال الشاقة نهاراً، والمداومة على القيلولة والنوم المبكر. ويحذر من السهر لغير مصلحة لكونه يفضي إلى تفويت صلاة الفجر، مستثنياً السهر لطلب العلم أو إكرام الضيف أو المصالح العامة مع الحرص على الفرائض.
يشترط قيام الليل راحة الجسد بالنوم الكافي وتجنب الإرهاق، كما يتطلب الابتعاد عن المعاصي التي تثقل النفس وتمنع التلذذ بالعبادة. ويؤكد ضرورة سلامة القلب من الحقد والحسد والبدع العملية والمنهجية مع الإكثار من التوبة والاستغفار عند الوقوع في الذنوب.
من البواعث الدافعة الزهد في الدنيا، والخوف من الله مع قصر الأمل، ومعرفة فضائل القيام من مغفرة وتقرب، وأهمها الحب لله واستشعار المناجاة. ومن يقوم الليل يدرك الساعة المستجابة في كل ليلة فيدعو بمغفرة الذنب أو الصحة أو الرزق الحلال فيستجيب الله له.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: كان الحديث في الدرس الماضي عن فضل قيام الليل من الكتاب والسنة، مما ذكره المؤلف ومما أضفناه على ما ذكر، رحمه الله. ثم ذكر فصلاً في الأسباب الميسرة لقيام الليل، يعني: ما هي الأسباب التي متى ما عمل بها السائر إلى الله عز وجل أعانه الله على أداء هذه العبادة وهذه الطاعة التي سمعتم فضلها وأجرها؟ قال: اعلم أن قيام الليل صعب إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له، وهذا أمر مشاهد؛ لا يوفق لهذه العبادة خصوصاً في غير رمضان إلا من وفقه الله، وقليل ما هم. ومن وفقهم الله ما وفق لهذا إلا بأسباب، متى ما عمل المسلم بهذه الأسباب وفقه الله لأداء هذه العبادة. قال: فمن الأسباب ظاهر، ومنها باطن. ومعنى ظاهر: يعني مشاهد وملموس ومحسوس. قال: فأما الظاهر فألا يكثر الأكل. كان بعضهم يقول: يا معشر المريدين، لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً، فتناموا كثيراً، فتخسروا كثيراً. وقد تقدم في درس ماضٍ أضرار الأكل الكثير على الجسد، وقبل ذلك على القلب، وأنه يضعف أو يثقل الجسد، ويكون سبباً لكسله وفتوره. فمن أكثر الأكل خمل الجسد، فيصعب ويشق عليه القيام بالعبادة. ويدل على ذلك حديث المقدام بن معدي كرب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن، بحسب امرئ لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». قال: ومنها أن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال الشاقة، فإذا تعب الجسد في النهار فنام بالليل، لا شك أن هذا التعب يقعده ويحجزه عن القيام بهذه العبادة، فيرفق السائر إلى الله عز وجل بنفسه إن أراد أجر هذه العبادة العظيمة. قال: ومنها أن لا يترك القيلولة بالنهار، فإنها تعين على قيام الليل. والقيلولة هي نوم وسط النهار، وأفضل وقتها ما كان قبل الظهر، قبل صلاة الظهر، ولا بأس كذلك أن تكون بعد الظهر. فنوم النهار يعين على النشاط بالليل. قال: ومنها - ولا شك أن مما يكون أولى من ذلك - أن ينام ذلكم السائر إلى الله عز وجل مبكراً، فمن نام مبكراً قام في آخر الليل نشيطاً. ولذلك ذكر العلماء أن السهر ربما يكون سبباً في ضياع الفريضة، فضلاً عن ضياع النافلة. وهذا هو حال المسلمين في هذا الزمن، وللأسف الشديد تجدهم يسهرون بالليل، فإذا جاء وقت صلاة الفجر لا يستطيعون القيام، فيضيعون هذه الفريضة. انظر في غير رمضان: لما يخرج رمضان تجد المصلين في صلاة الفجر يقلون، في رمضان ما شاء الله المساجد ممتلئة لأنهم يتسحرون ويخرجون إلى المسجد، لكن في غير رمضان تجد ربما نصف المصلين قد فقدوا من المسجد. ما هو السبب؟ السبب هو السهر وعدم المبالاة بفرائض الله سبحانه وتعالى. فكذلك السهر الكثير في غير منفعة ولا مصلحة. نعم، إذا كان السهر كما بوب على ذلك الإمام البخاري في صحيحه: إذا كان السهر لطلب علم، أو كذلك لمسامرة ضيف، فهذا من باب إكرام هذا الضيف، فلا بأس به. وقاس العلماء على هذين الأمرين ما كان فيه مصلحة، لا سيما إذا كانت المصلحة متعدية، كالسهر في مصالح المسلمين، السهر في خدمة المسلمين، كأن تكون مسؤولاً أو موظفاً أو نحو ذلك، فلا بأس أن تسهر، ومع هذا احرص على أن تحافظ على الفرائض. وشاهد من هذا أنك إن أردت أن تحظى بهذه العبادة - قيام الليل - فاحرص على أن تريح جسدك، وذلك بأن تعطيه النوم الكافي، وكذلك الراحة الكافية، فلا تتعبه بأعمال شاقة، ولا تتعبه بسهر يقعدك ويمنعك من القيام، فلا إفراط ولا تفريط. قال: ومنها أن يجتنب الأوزار، يعني يبتعد عن المعاصي والآثام، فإن هذه المعاصي لها أثر عظيم على خمول الجسد، وعدم تلذذ هذه النفس بالعبادة والطاعة. قال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته. وقد سئل أحد السلف: ما بالنا نتكاسل عن قيام الليل؟ فرد عليهم بقوله: أثقلتكم المعاصي، أثقلتكم المعاصي. فمن عصى شق عليه أن يقوم من الليل، وأن يتلذذ بمناجاة ربه سبحانه وتعالى. فاحرص أخي المسلم، يا من تريد أن تسعد بهذه العبادة، احرص على أن تبتعد عن المعاصي والذنوب، سواء كانت معاصي البصر، أو معاصي السمع، أو معاصي الأموال، أو نحو ذلك. فكن طاهراً من هذه الذنوب، وأكثر من التوبة والاستغفار. لا أقول لك لا تعصِ مطلقاً، فهذا لا أستطيعه ولا تستطيعه، لأننا بشر، وقد قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم وهو يبين صفات عباد الله المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فهم نعم، قد يرتكبون ويستزلهم الشيطان فيقعون في بعض المعاصي، ولكن سرعان ما يؤوبون، وسرعان ما يتوبون، فيرجعون إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا ينبغي أن يكون حال المسلم. وقيل جاء في الحديث القدسي، حديث أبي ذر، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم». أكثروا من التوبة، وأكثروا من الاستغفار، فالله عز وجل غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى. قال: وأما الميسرات الباطنة، يعني التي تتعلق بالقلب، قال: فمنها سلامة القلب للمسلمين، فلا تحمل عليهم الحقد، ولا الحسد، ولا البغض، ولا الكراهية، وإنما يكون قلبك سليماً إذا سلم قلبك من الشرك والبدع والأهواء والأفكار المنحرفة، وكذلك المستورد على بلاد المسلمين، فإنك تكون سليماً القلب مع الصغير والكبير، ومع عامة الناس، ومع مسؤوليهم وحكامهم، إذا سلم قلبك من الانحرافات والضلالات. أما إذا أنصدت إلى كل من هب ودب، وتعرضت لكل فتنة، فتكون معول هدم للمسلمين، لبلاد المسلمين، ولإخوانك المسلمين، ويمتلئ قلبك حقداً وغلاً وحسداً على المسلمين. فسلامة القلب من أعظم أسباب التوفيق للقيام بهذه العبادة. قال: وخلوه من البدع، والبدع يشمل البدع العملية والبدع كذلك المنهجية. نعم، فمن البدع العملية ما لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فكل ما لم يعمله النبي عليه الصلاة والسلام، أو يحث عليه، أو يأمر به، فلا يعمله المسلمون، كما قال الإمام مالك: ما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً. ما لم يتعبد الصحابة بعبادة، فلا تكونوا في هذا الزمان عبادة، لأنهم أحرص منا على الخير، وهم الذين عايشوا التنزيل، وهم الذين أخذوا العلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا البدع السلوكية والمنهجية التي تخالف سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يعينك على قيام الليل. قال: وإعراض عن فضول الدنيا، الأشياء الزائدة، فلا يكون عنده طمع وجشع، وإنما يكون عنده قناعة، ويعلم أن هذه الدنيا زائلة، وأن الذي يبقى ما يقدم من الأعمال الصالحة. قال: ومنها - أي من تلك الأسباب الباطنة - خوف غالب، خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل، يعني خوف من الله عز وجل، فهذا الخوف يدفعه إلى القيام بعبادة ربه، والإكثار من طاعة الله سبحانه وتعالى، مع قصر الأمل: كم ستعيش في هذه الدنيا حتى تؤثر هذه الدنيا وتقضي جل وقتك في جمعها والحرص عليها؟ كم ستعيش؟ فكن قصير الأمل، وأكثر مما يعمر آخرتك، مما يعمر آخرتك. وما يدل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. هذا من الخوف، يحذر الآخرة، يخاف أن لا يقبل منه، وأن أعماله ستقصر به، فهو يكثر من الأعمال الصالحة. قال: ومنها أن يعرف فضل قيام الليل، وقد تقدم ذلك في الدرس الماضي. لو علمنا أن أعظم فضل لقيام الليل أنه مغفر للسيئات، وأنه منهى عن الإثم، فما جاء في الحديث، وأنه قربة إلى الله عز وجل، وأن قيام الليل شرف للمؤمن، كل ذلك مر معنا في الدرس الماضي في فضل قيام الليل. فمن استشعر هذه الفضائل دفعته إلى الاعتناء بهذه العبادة العظيمة، ألا وهي قيام الليل. قال: ومن أشرف البواعث على ذلك - يعني أشرف الأسباب التي تبعثك وتدفعك إلى القيام بهذه العبادة - الحب لله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه، وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام. وهذا هو السر فيما نقرأ في سيرة السلف من أن أحدهم ربما قام بآية واحدة، وربما قرأ في ليلة واحدة بالمئين، يعني بالسور التي هي أكثر من مئة في آياتها. تتعجب: كيف هؤلاء تحملوا مثل هذا؟ الآن ربما إذا صلى الإمام بورقة، أو قرأ في صلاة التراويح بنصف جزء أو بجزء، يستثقل الكثير منا هذه القراءة، ويقول: أوه، قراءة طويلة. نعم، هذا لا يستغرب، لماذا؟ ربما لضعف إيماننا، ولعدم تلذذنا واستشعارنا بمناجاة ربنا، واستشعار أن الله عز وجل يشاهدنا ويرانا ويناجينا، ونحو ذلك من المعاني التي كان السلف الصالح يتحلون بها. قال أبو سليمان رحمه الله: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. قال: لولا الليل ما أحببت البقاء، ما أحببت أن أبقى في هذه الدنيا. لماذا؟ هل لأنه يلهو بلهو، أو يلعب، أو يسهر في شيء من أمور هذه الدنيا؟ لا، وإنما لأنه يكابد هذا الليل بمناجاة ربه، بالقيام بالصلاة لله سبحانه وتعالى، فأحب أن يبقى في هذه الدنيا من أجل هذا الليل. ولكن حالنا الآن يقول: لولا تجارتي، ولولا سيارتي، ولولا عمارتي، لما أحببت البقاء في الدنيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذا هو الفارق بيننا وبين سلفنا الصالح، رحمهم الله. قال: وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أنه قال: «إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا آتاه إياه، وذلك كل ليلة». والحديث كما سمعت في صحيح مسلم. فمن يقوم الليل فهو أقرب لإدراك هذه الساعة، تقوم الليل فتدرك هذه الساعة، فتوافق هذه الساعة، فتدعو بدعوة من غفران ذنب، أو من كذلك صحة، أو من رزق حلال طيب، أو من غير ذلك مما يحتاجه الإنسان ويأمله، فيستجيب الله عز وجل لك دعوتك لأنك وافقت ساعة مستجابة. فهذه مجمل تلك الأسباب التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، والتي تعين وتيسر للمسلم القيام بهذه العبادة. وبهذا نكتفي، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.