التعليق على مقدمة سنن الدارمي 4

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 4، ألقاها

طفولة النبي وبداية علامات النبوة

يروي عتبة بن عبد السلمي قصة طفولة النبي صلى الله عليه وسلم مع حاضنته من بني سعد بن بكر، وقصة شق ملكان بطنه واستخراج قلبه وغسله وختمه بخاتم النبوة. كما يذكر تفوقه على ألف من أمته.

قصة شق الصدر وتفوق النبي على أمته

يروي حديث عن قصة شق صدر النبي عليه الصلاة والسلام ووزنه بالملائكة، حيث رجح النبي صلى الله عليه وسلم برجل ثم بعشرة. كما يذكر قصة ولادته ونور قصور الشام.

فضل النبي ودوره كرحمة مهداة

يذكر المقطع حديثًا يدل على عظيم فضل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه رحمة مهداة للأمة، مبينًا دوره في هداية الناس وإنقاذهم من الضلال.

ختام الحديث وأهمية اتباع سبل السلام

المقطع يشير إلى أهمية اتباع سبل السلام من خلال اتباع رضوان الله، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب كيف كان أول شأن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أخبرنا نعيم بن حمد، وهو الخزاعي، قال: حدثنا بقية وابن الوليد الكلاعي، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، ولهذا إذا روى بالعنعنة لم يقبل حديثه حتى يصرح بالتحديث. وهكذا أيضا فهو ثقة إذا روى عن الثقات. وأما إن قال: عن فلان، فلا يؤخذ منه حتى قال الإمام مسح رحمه الله: «بقية أحاديثه ليست نقية، فكن منها على تقية»، أي كن متحذرا منها. قال: عن بحير، وابن سعد، عن خالد بن معدان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي، أنه حدثهم وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رجل: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: «كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم -يعني غنم- لنا، ولم نأخذ معنا زادا -يعني متزودنا من طعام- قال: فقلت يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا. قال: فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ وهما ملكان، قال الآخر: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني للقفا، فشق بطني، ثم استخرج قلبي، فشقاه، فأخرج منه علقتين سوداوين. قال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج، فغسل به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسل به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذره في قلبي. ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه، فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة. ثم قال أحدهما لصاحبه: اجعلوا في كفة، واجعل ألفا من أمته في كفة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخر علي بعضهم. فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم -أي لمال بهم النبي عليه الصلاة والسلام ولم يساوه ولو كثر عددهم- قال: ثم انطلقا وتركاني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفرقت فرقا شديدا. ثم انطلقت إلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيت». ويريد بأمة أي من الرضاع، أي حليمة السعدية التي أرضعت النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فأشفقت أن يكون قد التبس بي -يعني شيء من المس ودخول الجن- فقال: تعيذك بالله. فرحلت بعيرا لها، فجعلتني على الرحل، وركبت خلفي حتى بلغتنا إلى أمي -يعني إلى أمه الحقيقية- قالت: فقالت أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك. وقالت: إني رأيت حين خرج مني شيئا -يعني نورا أضاءت منه قصور الشام- يعني لما ذكرت لها ما حصل لنبي عليه الصلاة والسلام ما خافت من ذلك، وأخبرت أنها عندما ولدت بالنبي عليه الصلاة والسلام رأت شيئا خرج من النبي صلى الله عليه وسلم من شعاع ونور حتى أضاءت له قصور الشام». وهذا الحديث كما نرى أنه من طريق بقية وقد عنعن، لكن جاء من طرق أخرى عند الحاكم وعند أحمد، وقد صرح بالتحديث، فالحديث صحيح. وقد صحح شيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة قصة شق صدر النبي عليه الصلاة والسلام، وثابتة حتى في الصحيح. نعم، فهي في الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، لكن ليس بهذا التعبير وبهذا اللفظ، لكن أصل القصة ثابتة في الصحيح. قال أخبرنا عبد الله عن ابن عمران، قال: حدثنا أبو داود، وهو الطيالسي، قال: حدثنا جعفر بن عثمان القرشي، عن عثمان بن عروة بن الزبير، عن أبي ذر الغفاري، قال: قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي حتى استيقنت؟ قال: «يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة، فوقع أحدهما على الأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال: نعم. قال: فزنه برجل، فوزنت به، فوزنته. ثم قال: فزنه بعشرة، فوزنت بهم، فرجحتهم. ثم قال: زنه بمئة، فوزنت بهم، فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف، فوزنت بهم، فرجحتهم. كأني أنظر إليهم ينتثرون علي من خفة الميزان. قال: فقال أحدهما لصاحبه لو وزنته بأمته لرجحها». والحديث بهذا السند وهذا اللفظ صحيح، وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وهذا فيه بيان عظيم فضل النبي عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك أنه لا يستطيع أحد من أمته أن يوازيه، وأن يعني ماذا يزيد على النبي عليه الصلاة والسلام لا في العبادة ولا في الأخلاق ولا في المعاملة ولا في يعني كل وسائر الشؤون والأحوال، فلا أحد يساوي النبي عليه الصلاة والسلام، بل وزنت الأمة كلها بكفة والنبي صلى الله عليه وسلم بالكفة الأخرى، فلم يرجح النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الحادثة، حادثة شق الصدر، أراد الله عز وجل أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الأحوال وأشرفها، ولذلك أخرج منه تلك العلقتين، وقال: هذا حظ الشيطان منك. فكان النبي صلى الله عليه وسلم من أكمل الخلق عبادة وطاعة واستقامة، وكذلك أيضا معرفة بالله جل وعلا، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام أشرف الخلق بل أشرف الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: واخبرنا إسماعيل بن خليل، قال: حدثنا علي بن مسهر، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يناديهم: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة». الحديث بهذا السند مرسل، أبو صالح لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، لكن جاء من طرق أخرى موصول عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالحديث صحيح. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا رحمة مهداة»، يعني جعلني الله عز وجل رحمة لهذه الأمة، يعني أبين لهم طرق الهداية والنجاة والسبل إلى الفلاح، وأحذرهم من طرق الغواية والضلال والانحراف والهلاك، وهو هداية للخلق عليه الصلاة والسلام كما وصفه الله عز وجل بهاتين الصفتين، قال الله جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وقال جل وعلا: ﴿يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على