شرح أعلام السنة المنشورة  1

شرح أعلام السنة المنشورة 1

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حياة حافظ بن أحمد الحكمي ونشأته

ولد حافظ بن أحمد الحكمي في عام 1342 هـ ونشأ في بيئة صالحة وتأثر بعلماء أمثال عبد الله القرعاوي. بدأ تحصيله العلمي منذ صغره وتأثر بمجالسه العلمية.

مسيرة الحكمي العلمية ومؤلفاته

تفرغ الحكمي للعلم بعد وفاة والده وألف العديد من الكتب منها "أرجوزة سلم الوصول" في توحيد الله. توفي في سن 35 وترك مؤلفات عديدة.

خصائص رسالة أعلام السنة المنشورة

تميزت رسالة أعلام السنة بالاعتماد على الكتاب والسنة ومسلك تربوي تعليمي واختصار المسائل. هي خلاصة لكتاب معارج القبول وتتضمن مئتين سؤال.

الدعاء والختام

دعا المتحدث الله أن ييسر قراءة الرسالة ويُنفع بها ويصلي على النبي وآله وصحبه. يتمنى أن تكون الرسالة ذات أثر طيب يوميا.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن شاء الله، إخواني في الله، في مثل هذه المقامات، من بعد صلاة العصر، نقرأ عليكم في هذه الرسالة من رسائل العقيدة التي ألفها علماؤنا من أهل السنة والجماعة، والموسومة بـ«أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة». وهذه الرسالة تكمن أهميتها، إخواني في الله، إذ أنها تتعلق بتعريف المسلم باعتقاده وعقيدته التي ينبغي أن يلقى بها الرب سبحانه وتعالى. وهذه الرسالة، إخواني في الله، من تأليف الإمام العلامة حافظ بن أحمد الحكمي، رحمه الله تعالى. وهذا الإمام هو من أئمة أهل السنة والجماعة، ومن علمائنا الموثوق بعلمهم، والذي قد اشتهر رحمه الله تعالى بحسن تأليفه. فالحافظ بن أحمد الحكمي، رحمه الله تعالى، سمي بالحكمي نسبة إلى أسرته، فهو ينتمي إلى أسرة الحكم بن سعد. وقد كان مولده في الرابع والعشرين من رمضان من عام 1342 للهجرة، لو أردنا أن نحسبها بالميلاد، فيكون في عام 1924. هذا هو ميلاده ومولده، رحمه الله تعالى. وقد نشأ الحافظ الحكمي نشأة صالحة، تربى فيها على العفة والعفاف وعلى الصدق والأمانة. وكان في نشأته وفي صغره يشتغل برعي الماشية، كعادة قومه وكعادة أهل بلده. إلا أنه في صغره امتاز بميزة، وهي ما آتاه الله سبحانه وتعالى من قوة الفهم وسرعة الحفظ. ولدليل على ذلك، أنه قد حفظ القرآن وهو في الثانية عشر من عمره، حفظ القرآن بكماله وتمامه. وفي هذا السن، وهو يرعى الغنم، كان يشتغل بحفظ القرآن حتى أتمه، رحمه الله تعالى. في فترة من الفترات، جاء الإمام عبد الله القرعاوي، والإمام عبد الله القرعاوي، رحمه الله تعالى، أحد المصلحين في بلاد الحجاز، بل يعتبر من أعظم المصلحين، حيث أنه أتى إلى جنوب المملكة واشتغل بالعلم والدعوة، حتى أنه أنشأ آلاف المساجد والمدارس. يذكر في ترجمة القرعاوي، رحمه الله تعالى، أنه أنشأ أكثر من ألفين مدرسة، وقدر عدد الطلاب الذين كانوا يحضرون إلى هذه المدارس بخمس وسبعين ألف طالب. كانوا يتوزعون في هذه المدارس التي كان يشرف عليها القرعاوي. فكان القرعاوي، رحمه الله تعالى، إمامًا وداعيًا من الطراز الأول، يدعو هنا وهناك. فسمع الحافظ الحكمي، رحمه الله تعالى، أن القرعاوي كان يأتي إلى بعض القرى، فأرسل رسالة إلى هذا الإمام، يطلب منه أن يمده بكتب في التوحيد، وطلب منه إن أمكن الزيارة أن يأتي إلى قريته، وهي قرية الجاضع. فلما وصلت الرسالة إلى الإمام القرعاوي، من أعظم ما شد انتباهه ما رأى من حسن الخط، حتى قيل أنه كان أظهر إعجابه عند تلاميذه بهذا الخط الذي جاء به الطلب. فأراد القرعاوي أن يقابل هذا الطالب، فجاء إلى قريته، والتقى بحافظ الحكمي، وكان في سن الصغر، لا زال في شبابه. فأعجب به، وخاصة عند إلقاء الدروس، كان يعجب فهمه وسرعة بديهته وحفظه. حتى أنه أراد أن يأتي به إلى مركزه، وكان القرعاوي قد تمركز في قرية صامطة في جنوب الجزان. فأراد القرعاوي أن يصحب معه الحكمي إلى بلدته ويستقر في المركز حتى يأخذ من علمه. إلى أن أبوي الحافظ الحكمي رفضوا، إذ أنهم كانوا يعولهم مع أخيه، فما استطاعوا أن يتخلوا عنه. إلى أن توفي والده، رحمه الله تعالى، وذلك في عام ألف وثلاثمائة وستين، وكان عمر الحاكمي آنذاك في الثامنة عشر من عمره. عندما توفي والده، حينها استطاع الحاكمي، رحمه الله تعالى، أن يتفرغ للعلم وأن يشتغل في تحصيله. فالتحق بشيخه القرعاوي، رحمه الله تعالى، ولازمه واشتغل بالعلم قراءة ودراسة وحفظًا وكتابة، حتى لمع فيه، بل برز حتى في باب الشعر والنثر. بل أن القرعاوي، رحمه الله تعالى، كان يصرح أنه ما يوجد له نظير كهذا الطالب، لا نظير له من حسن التأليف والبديهة والحفظ. بل من شدة إعجاب القرعاوي بهذا الطالب، أن زوجه أحد بناته، فبارك الله في هذا الزواج، حتى أنجب الحكمي، رحمه الله تعالى، من بنت القرعاوي الذرية الصالحة. مما يذكر في ترجمة الإمام الحكمي، رحمه الله تعالى، أن شيخه القرعاوي طلب منه أن يؤلف رسالة في توحيد الله، تجتمل على العقيدة الصحيحة، بشرط أن تكون هذه الرسالة عبارة عن شعر. فألف الحاكمي، رحمه الله تعالى، الرسالة المعروفة بـ«أرجوزة سلم الوصول إلى علم الوصول»، وتعتبر من أول مؤلفاته، رحمه الله تعالى. وهذه الأرجوزة لا زالت موجودة، بل لا زال الطلاب يحفظونها، لأنها من أروع ما كتب، ومن ألطف ما عبر به عن مسائل التوحيد في أبيات شعرية سهلة سلسة. أما ما يتعلق بوفاته، رحمه الله تعالى، فإنه في عام 1377 للهجرة، أدى الحج، فبعدما أدى مناسك الحج، ألم به مرض، فلا زال المرض به حتى توفاه الله سبحانه وتعالى. وكانت وفاته في هذا العام، في ريعان شبابه، إذ أنه توفي، رحمه الله تعالى، وعمره 35 سنة. لم يطل به العمر، وإنما كان هذا عمره، وقد خلف، رحمه الله تعالى، هذه المؤلفات العديدة، كما سمعتم في فنون شتى. هذا، إخواني في الله، مختصر ما يذكر عن الحكمي، رحمه الله تعالى، من حياته الذاتية، وترجمة حافلة. أما ما يتعلق بالمؤلف، وهي الرسالة التي نحن سنقوم بدراستها بإذن الله، في مثل هذا المقام من كل يوم، من بعد صلاة العصر، والتي سماها المؤلف بـ«أعلام السنة المنشورة»، فهذه الرسالة، إخواني في الله، تمتعت بعدة أمور. الأمر الأول، أن هذه العقيدة التي ألفها المؤلف، رحمه الله تعالى، تعتبر عقيدة سليمة، بإمكانك أن أي شخص يدقق فيها، وأنت مطمئن لحاله، ليس كباقي كتب الاعتقاد التي لربما فيها شيء من التحريف أو فيها شيء من التأويل. فهذه الرسالة، ولله الحمد، كما يقولون، هي صافية، هي على العقيدة السليمة. وقل ما تجد عبد الله من يؤلف على هذا النحو. فهي رسالة، كما سيأتي من أولها إلى آخرها، ذكر وأصل في مسائل الاعتقاد، على وفق ما نهج أهل السنة والجماعة، ما خرج عنها قط. فهذا مما يخول قراءة هذه الرسالة سلامة المعتقد. الأمر الثاني، كذلك، أن هذه الرسالة فيها شمولية لمعظم مسائل الاعتقاد، ذكرت في هذه الرسالة ما من شاردة ولا واردة إلا وتجدها فيها. ومن باب الفائدة، العلماء، رحمهم الله تعالى، إذا أرادوا أن يؤلفوا في كتب الاعتقاد، فإنهم يبدأون بأركان الإيمان، الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، وبالقدر خيره وشره، يعرجون على هذه المسائل، ويذكرون ما يلحق بها من فروع وما يتبعها من مسائل، بلا إسهاب. وقد سار الإمام الحكمي، رحمه الله تعالى، على هذا المنحى، فذكر ما يتعلق بالإيمان بالله، ما يتعلق بالتوحيد والشهادة، ثم عرج على باقي أصول الإيمان، وألحق بها بعض المسائل المتعلقة بالاعتقاد، مثل باب الكرامات، وباب الخلافة، ومسائل متعلقة بالصحابة، إلى غير ذلك. وكذلك، مما يذكر من مميزات هذه الرسالة، ما جعل فيه المؤلف، رحمه الله تعالى، من كثرة الاعتماد بأدلة الكتاب والسنة. فما من مسألة ستمر علينا إلا ويحرص المؤلف، رحمه الله تعالى، على أن يذكر فيها الأدلة القرآنية أولًا، ثم بعد ذلك يتبع الأدلة النبوية. وما ذكر فيها شيء مما يتعلق بعلم الكلام أو بعلم الفلسفة، فأصبح هذا الكتاب مصدرًا من مصادر الاستنباط، وهكذا الاعتماد بالأدلة. وأيضًا، مما يذكر في هذه الرسالة من ميزتها، أن المؤلف، رحمه الله تعالى، سلك فيها مسلكًا تربويًا، مسلكًا من مسالك التعليم. وهي عبارة عن طرح سؤال، ثم الإتيان بالإجابة. وهذا قد لا تجده إلا في بعض الكتب. فالرسالة عبارة عن أسئلة هو الذي يطرحها، ثم هو يجيب عليها. وهذا كما قلنا مسلك التعليم، وقد جاء به القرآن والسنة. فإن ربنا عز وجل يذكر في القرآن عن أسئلة يسأل عنها شرعنا، ثم يجيب عليها ربنا سبحانه وتعالى، كما في قوله: ﴿يسألونك عن الأهلة قل﴾، ﴿يسألونك عن المحيض قل﴾، ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل﴾، ﴿يسألونك عن اليتامى قل﴾. أسئلة ثم يأتي القرآن ويجيب على هذه الأسئلة. فهذا جانب تربوي تعليمي. وهكذا قصر في باب السنة، فتجد أن نبينا عليه الصلاة والسلام، لو ربما إذا أراد أن يلفت أنظار الصحابة إلى مسألة شرعية، لربما كان اللفت عن طريق طرح السؤال: «أتدرون من المفلس؟»، «أتدرون ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟»، «ألا أنبئكم بخياركم؟». فتجد أن من أسلوب النبوة في تعليم الناس وإرشادهم أن يكون على طرح الأسئلة. والمؤلف سار على هذا الأمر، إذ أن رسالته الموسومة بـ«أعلام السنة» عبارة عن أسئلة يطرحها المؤلف، ثم يجيب عليها. وبلغت عدد الأسئلة مئتين سؤال، هذا كما قلنا بدون الكسر. وأيضًا، كذلك، مما يذكر في هذه الرسالة، أن رسالته «أعلام السنة المشهورة» هي عبارة عن خلاصة «معارج القبول». قلنا قبل قليل أن المؤلف، رحمه الله تعالى، في صغره ألف أول رسالة، وهي المنظومة المسماة بـ«سلم الوصول إلى علم الأصول»، ثم قام الحكمي بعد ذلك وشرح هذه المنظومة في مجلدين عظيمين سماها بـ«معارج القبول في شرح سلم الأصول». فهذان المجلدان إذا أردت الخلاصة، خلاصة في هذه الرسالة، كأن المؤلف اختصر هذه الرسالة، وهي «معارج القبول» عبارة عن مجلدين كبيرين، اختصرهما في هذه الرسالة التي ألفها بـ«أعلام السنة المنشورة». كأن خلاصة ما يتعلق بتلك المسائل الكبار العظام. وأيضًا، إخواني في الله، مما يذكر العلماء، أن هذه الرسالة مما تميزت به عن باقي الرسائل، أنها الوضوح في العبارة، التعبير الدقيق، ليس هناك حشو في الكلام، ليس هناك إسهاب لا داعي له، وإنما عبارة عن إجابات كانت واضحة جامعة مانعة، اختصار المسائل، دقة العبارات مع وضوح الكلام. حتى أن العامي الذي ليس من أهل العلم، لو أنه قرأها قراءة المتأني، لفهم ما فيها من عبارات، وذلك لوضوحها. فهذا، إخواني في الله، ما يتعلق بأهم المسائل المتعلقة بالمؤلف والمؤلف. وإن شاء الله، بإذن الله، من يوم غد ندخل في هذه الرسالة، ونقرأ فيها من أسئلة. وإن تيسر الله بقراءة كل يوم سؤال مع إجابته، لكان في ذلك الخير الكثير. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.