الدرس في القواعد والأصول الجامعة 41، ألقاها
يشرح العلامة السعدي أهمية العدل والفضل في مختلف جوانب الحياة، مؤكدا على وجوب العدل واستحباب الفضل في المعاملات.
يتناول المقطع تطبيق العدل والفضل في مخالطة اليتيم والعفو عن المعتدي، مشيرا إلى ضرورة العدل في كل شيء والفضل في بعض المواضع.
يشرح كيفية تطبيق العدل والفضل في العبادات مثل الطهارة والصلاة والصوم والحج، ويوضح أحكام الواجبات والمستحبات فيها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة". قال رحمه الله في شرحه للقاعدة السادسة عشرة: "العدل واجب في كل شيء، والفضل مسنون". قال: وأباح مخالطة اليتيم في الطعام والشراب وتوابعها على وجه العدل، وندب إلى الفضل والاحتياط، فقال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. فأباح الله جل وعلا مخالطة اليتيم -يعني مخالطته في ماله في الطعام والشراب وتوابع ذلك من أمور اللباس أو نحوها- على وجه العدل ومما فيه حفظ لماله وعدم ذهاب لماله، وما يكون فيه إصلاح له. فإن كان على هذا الوجه فهو جائز، ومن العدل أن يعامل بمثل هذه المعاملة. قال: وندب إلى الفضل والاحتياط، فقال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. وإن تخالطوهم فإخوانكم، أي: فهم إخوانكم لكم أن تخالطوهم وأن تضعوا أموالكم مع أموالهم مع قصد الإصلاح لا لأجل إفساد ماله. والله عز وجل يعلم من نيته الإصلاح ومن نيته الإفساد الذي -مثلا- يخالط مال اليتيم من أجل أن يفسد ماله ويستعمل ماله حتى يذهبه وينهيه. الله عز وجل يعلم نيته ومن يريد إصلاح مال اليتيم وإبقاء ماله وما يكون فيه يعني مصلحة له، فالله عز وجل يعلم ما في قلبه. قال: وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِنَّ بِالسِنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. فهذا العدل، العدل أن من اعتدى على أخيه فإنه يعتدى عليه بمثله ما اعتدى به عليه. فإن قتله فإنه يقتل، النفس بالنفس. إن فقأ عينه فقئت عينه، العين بالعين. وإن كسر أنفه كسرت أنفه. قطع أذنه قطعت أذنه. هذا هو العدل. والسن بالسن والجروح قصاص. قال: فهذا العدل، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. فهذا الفضل، هذا الفضل أنه يعفو، إن يعني وقع من أخيه أن اعتدى عليه بشيء من هذه الجروح، فإذا تصدق بذلك وعفا فهو كفارة له، ولو في ذلك الأجر والثواب. وهذا كما مر معنا أنه يكون محمودا إذا كان المجني لم يكن معروفا بالشر، لكن حصلت منه زلة فاعتدى على أخيه المسلم بنحو هذه الاعتداءات، فمثل هذا لا بأس أن يعفى عنه، ويؤجر المجني عليه إذا تنازل عن حقه، ويكون التنازل في مثل هذه الحالة ممدوحا. أما إذا كان المجني قد عرف بالأذية والشر والاعتداء على الناس بمثل هذه الأفعال والاعتداءات، فمثل هذا ليس من الحكمة وليس من المعروف أن يعفى عنه؛ لأن العفو عنه مما يزيده شرا، مما يزيده شرا وظلما وتجرؤا على الناس. فمثل هذا ينبغي أن يأخذ وأن يطالب بالقصاص ولا يتنازل له. قال: وقال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، أي: فهو مباح له على وجه القصاص والعدل. لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، يعني إذا ظلم الإنسان لا بأس أن يجهر بشيء من السوء على من ظلمه، وليس عليه في ذلك شيء. ليس عليه في ذلك شيء. وإن كان الله لا يحب الجهر بمثل ذلك، لكن إذا ظلم فمن العدل أنه يأخذ بحقه ويدعو على من ظلمه، لكن من غير أيضا اعتداء. فإذا دعا عليه يدعو بأن -مثلا- أن الله عز وجل يأخذ حقه له حقه من، أو أن الله يزله على، يجازيه بما فعل، أو يستخرج حقه من، أو نحو ذلك من الدعاء الذي ليس فيه اعتداء. قال: ومع هذا فقد حث فيه على الفضل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، يعني: الحسنة لا تساويها سيئة، بل حسنة أفضل وأحسن وأعظم. وكما قال البغوي رحمه الله: "الصبر والغضب لا يستويان". الصبر والغضب لا يستويان، فلو صبرت فهو أحسن من الغضب. والقول الطيب والقول الحسن هذا من الحسنة. ومقابلة المسيء بالإحسان هذا من الحسنة. ادفع بالتي هي أحسن، ادفع بالتي هي أحسن، يعني: أن تقابل الغضب بالصبر والجهل بالحلم والإساءة بالعفو. فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، يعني: الذي بينك وبينه عداوة وبغضاء وشحناء إذا قابلته بهذه المقابلة وعاملته بهذه المعاملة كسرته، فتذهب عنه ما في قلبه من الشحناء والبغضاء، وتنقل العداوة إلى صحبة ومحبة ومودة. وهذا من الفضل. مع أنه يجوز أن تدعو عليه، هذا جائز لك إذا ظلمك جاز لك أن تدعو عليه وليس عليك شيء، لكن إن عفوت وقابلت السيئة بالإحسان فهذا أفضل. قال: فالعدل والفضل مقامان للمنصفين والسابقين، ومن قصر دونهما فهو من الظالمين. من قصر دونهما؛ لأن من قصر عن العدل وقع في الظلم، وقع في الظلم. قال: ومن فروع هذا الأصل العبادات كالطهارة والصلاة والصوم والحج وغيرها، منها مجزء وهو الذي يقتصر فيه على ما يجب في العبادة ويلزم وهو العدل، ومنها كامل وهو الإتيان بمستحبات العبادة بعد تكميل الواجبات وهو الفضل. وكل ما أشبه هذه المسائل يجري هذا المجرى. يقول: من فروع هذا الأصل -العدل واجب والفضل مسنون- ما يتعلق بالعبادات كالطهارة والصلاة والصوم والحج، فإنها تنقسم إلى قسمين: مجزء وكامل. المجزء مقتصر فيه على الواجب، مقتصر فيه على الواجب. فإذا توضأ الإنسان وضوءا اقتصر فيه على الواجب مع ترك المستحبات، فوضوه مجزء صحيح يجزئه ويرتفع به الحدث، وله أن يصلي ويقرأ القرآن، وغير ذلك مما يستباح بالطهارة. وإن أتى بالواجبات وأتبعها بالمستحبات فهذا الأكمل والأفضل، هذا أكمل وأفضل. وهكذا مثلا الغسل، منه غسل مجزء وهو أن يعمم الجسد بالماء مع نية رفع الحدث في الجنابة، هذا مجزء. وهناك غسل أفضل وأكمل أن يغتسل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا أفضل. كذلك أيضا الصلاة، إذا صلى واقتصر في الصلاة على الواجبات مع الأركان فهي صلاة مجزئة، لكنه أخلى -مثلا- بالمستحبات، فالصلاة صحيحة مجزئة. فإذا أتى بالمستحبات مع هذه الواجبات والأركان فهذه أفضل وأكمل. وهكذا الصوم والحج، فإن فيها واجبات ومستحبات، إذا أتى بالواجبات كانت مجزئة، وإن أتى بالمستحبات مع الواجبات فهذا هو الأكمل والأفضل. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.