الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يذكر المؤلف ثلاث فوائد رئيسية لمعرفة المكي والمدني، منها إظهار بلاغة القرآن في مخاطبة كل قوم بما يناسب حالهم، وبيان حكمة التشريع بالتدرج، وتربية الدعاة على مراعاة حال المخاطبين. كما تبين أن نزول القرآن مفرقاً على مدى ثلاث وعشرين سنة يميز الناسخ من المنسوخ ويثبت قلب النبي ويسهل على الأمة الحفظ والفهم والتطبيق التدريجي.
يضرب المثال بتحريم الخمر الذي جاء على ثلاث مراحل: التنفير بذكر إثمها، منع الصلاة حال السكر، ثم التحريم البات. هذا التدرج هيأ النفوس ومكنها من الامتثال التدريجي للأحكام الشرعية.
يختتم المتحدث الحديث عن حكمة نزول القرآن مفرقاً معلناً الاكتفاء بما ذُكر في هذا المحور. ويختم بالبسملة والتسليم للعلم لله تعالى، مشيراً إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، بعدما ذكر رحمه الله الفرق بين القرآن المكي والقرآن المدني، وذكر ما يتميز به المدني عن المكي من حيث الأسلوب والموضوع، سيتكلم في هذا -أي بعد هذا- عن فوائد معرفة المكي والمدني. فقال رحمه الله: «فوائد معرفة المدني والمكي». قال: معرفة المكي والمدني نوع من أنواع علوم القرآن المهمة، فالقرآن له علوم كثيرة، ومنها علم معرفة المكي والمدني. لماذا؟ قال: لأن فيها فوائد. منها: أولاً، ظهور بلاغة القرآن في أعلى مراتبها، حيث يخاطب كل قوم بما تقتضيه حالهم من قوة وشدة أو لين وسهولة. تقدم معنا أن الغالب في المكي قوة الأسلوب وشدة الخطاب، وهذا من بلاغة القرآن؛ لأن الكفار يحتاجون إلى مثل هذا الأسلوب. الكفار يحتاجون إلى مثل هذا الأسلوب، فهذا يبين لك بلاغة القرآن. بخلاف الآيات المدنية، فإن أسلوبها يكون ليناً سهلاً؛ لأنه يخاطب المؤمنين، يخاطب المؤمنين. فهذه فائدة جليلة، ومما يزيد إيمان العبد في هذا القرآن، وهذا من بلاغة القرآن. قال: ثانياً، ظهور حكمة التشريع في أسمى غاياته، حيث يتدرج شيئاً فشيئاً بحسب الأهم، على ما تقتضيه حال المخاطبين واستعدادهم للقبول والتنفيذ. ظهور حكمة التشريع يعني أن الله عز وجل حكيم في شرعه، حكيم في شرعه، فيشرع الأحكام على حسب ما تقتضيه المصلحة، وعلى حسب حال المخاطبين. مثال ذلك: التدرج في تحريم الخمر. التدرج في تحريم الخمر: ما حرم الخمر من أول وهلة، تدرج في تحريمها. كذلك التدرج في الصيام: ما شرع الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من أول فرضيته. لا، أولا فرض على سبيل الاختيار: من شاء صام، ومن شاء أفطر وأفدى في بداية الأمر. تريد تصوم؟ تصوم. لكن إذا لم ترد أن تصوم، يجوز لك ذلك. وهذا أخف، أليس كذلك؟ هذا أخف: تطعم مسكيناً في اليوم فدية، وتأكل وتفطر، ما عليك شيء. لماذا؟ لأنه قد إذا فرض من أول وهلة الصيام المعروف، ربما تستثقله النفوس. صح؟ تستثقله النفوس، ما يعرفون ذلك من قبل، وما تربوا عليه. بخلاف إنسان تربى عليه من الصغر، سبع سنوات وثماني سنوات، وهو يصوم. هذا الغالب فينا جميعا معاشر المسلمين، صح؟ منذ طفولتنا ونحن نصوم ونعتاد. لكن لما أول ما فرض، الصحابة كبار منهم: ستين سنة، منهم أربعين سنة، منهم ثلاثين سنة، وما يعرفون الصيام من قبل. فلو فرض عليهم الصيام مباشرة، ربما يثقل عليهم. صح؟ لكن أولاً على سبيل التخيير، فتمرنوا على ذلك. إنسان يوم يصوم يوم يفدي، وربما شهر كامل يصوم لأنه يرى من نفسه استطاعة، وربما ما عنده ما يفدي به فيصوم. يتمرنوا على ذلك. فلما تعودوا عليه، جاء فيما بعد الأمر بالصيام وعدم إجزاء الفدية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. صح؟ فإذن معرفة المكي والمدني تفيدنا هذه الفائدة: ظهور حكمة التشريع. وآيات الصيام مدنية. قال: ثالثاً، تربية الدعاة إلى الله تعالى وتوجيههم إلى أن يتبعوا ما سلكه القرآن في الأسلوب والموضوع. فكما يقال: لكل مقام مقال. أن تدعو إلى الله عز وجل، لا تخاطب الناس جميعاً بخطاب واحد، لا تخاطب الناس جميعاً بخطاب واحد. راعِ حال المخاطبين. فمثلا: موعظة وخطاب عامة الناس، ليس كموعظة وخطاب مثلا طلاب العلم، صح؟ أو المحبين للدعوة. فالمحب للدعوة ربما إذا أخطأ، ترى من الحكمة أنك تشد عليه في الأسلوب؛ لأنك تضمن أنه ما سينفر وما سيترك دعوتك، إنه معاك على الخط. لكن إنسان عامي أخطأ، لا تعامله بنفس الأسلوب الذي عاملت به من معك على هذه الدعوة. فرق، أليس كذلك؟ لا. فالعامي يحتاج إلى كلمات سهلة ولطيفة، بخلاف طالب العلم أو المحب لدعوة أهل السنة أو نحو ذلك. من أين استفدنا هذا؟ من أسلوب المكي والمدني. فالكفار لما كانوا أهل عناد وكفر وشرك، كان الأسلوب معهم شديداً، والأسلوب معهم كذلك فيه شيء من الشدة. أما المؤمنون، فكان الأسلوب معهم سهلاً ليناً؛ لأنهم قد قبلوا الحق، فبقي أن يخبروا بهذا الحق فيعملوا وينفذوا. فإذن: تختار الحال والمقام في دعوتك، ولا تجعل خطابك للناس سواء، لا تجعل خطابك للناس سواء. فهذا معنى قوله: «تربية الدعاة إلى الله تعالى وتوجيههم إلى أن يتبعوا ما سلكه القرآن في الأسلوب والموضوع» من حيث المخاطبين، بحيث يبدأ بالأهم فالأهم، تستعمل الشدة في موضعها والسهولة في موضعها. وهذا واضح. قال: رابعاً، من فوائد معرفة المكي من المدني: قال: تمييز الناسخ من المنسوخ فيما لو وردت آيتان مكية ومدنية. معنى تمييز الناسخ من المنسوخ: لأن المكية المتقدمة، الآية المتقدمة، لأن كما تقدم: القرآن المكي هو الذي نزل قبل ماذا؟ قبل الهجرة. فإذا قيل، أو فإذا وردت مثلا آية نزلت في العهد المكي، وآية أخرى نزلت بعد الهجرة، وتحققت فيها شروط النسخ، فنعرف ما هي الآية الناسخة وما هي الآية المنسوخة. فالمتقدم هو ماذا؟ المنسوخ. صح. والمتأخر هو ماذا؟ الناسخ. فإذا هذا من فوائد ماذا؟ من فوائد معرفة المكي والمدني: أنك تميز بين الناسخ من المنسوخ. قال: «فيما لو وردت آيتان مكية ومدنية يتحقق فيه شروط النسخ». يعني: ليس أي آية متقدمة متأخرة يدعى فيها النسخ، لا، لابد من توفر بقية شروط النسخ، وهذا سيأتي معنا لعله إن شاء الله. قال: «فإن المدنية ناسخة للمكية لتأخر المدنية عنها». فقلنا: هذا ليس دائماً، بل يرجع في ذلك إلى الشروط الأخرى مما ذكره العلماء من شروط النسخ، من شروط النسخ. قال: الحكم من نزول القرآن مفرقاً. ومعنى مفرقاً: يعني ليس دفع واحدة أو جملة واحدة، وإنما على حسب الحوادث والمواقف. فما هو الحكم من ذلك؟ في ذلك حكم، في ذلك حكم. سينبه على بعضها المؤلف. وهذا أمر مجمع عليه عند أهل العلم: أن القرآن نزل مفرقاً. لقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. يعني: ما نزلناه جملة واحدة. في القرآن دل على ذلك. قال: من تقسيم القرآن إلى مكي ومدني يتبين أنه نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً؛ لأنه قلنا: نزل خلال كم؟ ثلاثة وعشرين سنة، منذ أن أوحي إليه عليه الصلاة والسلام إلى أن توفاه الله. قال: ولنزوله على هذا الوجه حكم كثيرة. قال: منها أولاً: تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما معنى التثبيت؟ معنى التثبيت: حفظه، حفظ هذا القرآن. فإنه لما ينزل شيئاً فشيئاً، يكون أدعى لحفظه. هذا من معاني التثبيت، كما جاء في قول الله عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۖ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. ومن معاني التثبيت: العمل بهذا القرآن. وكذلك عندما ينزل مفرقاً على حسب الحوادث، يكون أدعى لي الحفظ. وهذا حتى في المواقف الخاصة: أحياناً بعض المواقف يقال لا تنسى، لماذا؟ لأنها تقع في أمر حادث. ها؟ يقول لك: أنا ما نسيت موقف كذا وكذا، لأنه وقع له فيه ماذا؟ مناسبة. أليس كذلك؟ أليس كذلك؟ فكذلك في نزول القرآن مفرقاً. فمن حكمه: التثبيت على العمل، كما أيضاً التثبيت على الحفظ، التثبيت على الحفظ. الحفظ. فهذا معنى تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. يعني: كذلك نزلناه مفرقاً، والسبب في ذلك: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. لتحفظه وتعمل به. ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. فينزل القرآن يرد على هؤلاء. لو نزل القرآن جملة واحدة، كيف سترد شبه هؤلاء؟ لكن يأتي هؤلاء بشبهة، فيرد عليهم القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لِهَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾. ماذا رد الله عليه؟ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. فرد عليهم الله عز وجل. فما أن يوردوا شبهة إلا ويأتي القرآن بالرد عليها. فهذا أيضاً من هذا المعنى. قال: ثانياً: أن يسهل على الناس حفظه وفهمه والعمل به، حيث يقرأ عليهم شيئاً فشيئاً. وهذا بمعنى التثبيت أيضاً، وهذا بمعنى التثبيت وهو الحفظ والعمل والفهم. وهذا حتى في حفظ القرآن لطلاب العلم. فطالب العلم لما يحفظ القرآن شيئاً فشيئاً، ويتقن الشيء القليل الذي حفظه، هذا أقوى في الحفظ وأرسخ من ذاك الذي ربما يحفظ في اليوم ورقة أو ورقتين، لكنه حفظ هش، حفظ ضعيف، فسرعان ما يتطاير عليه. صح؟ سرعان ما يتطاير. فإذا أخذ العلم والقرآن شيئاً فشيئاً، وهذا من حكم نزول القرآن مفرقاً. أي نعم، المراجعة تكون بعد الحفظ، لكن نحن نتكلم على الحفظ. أما المراجعة: لو كلما راجعت كثيراً، كلما كان أدعى للرسوخ؛ لأنك ستمر عليه بعد فترة يسيرة. صح؟ لكن الكلام هنا على الحفظ. بعضهم ربما يحفظ كثيراً، لكنه سرعان ما ينساه؛ لأنه ما يراجع. وأيضاً أثقل على نفسه بكثرة المحفوظ، بكثرة المحفوظ. فهمت هذا الآن؟ كنت إذا كان ورقة ورقة، لأنه ربما يشق عليه. لماذا ما يراجع؟ يشق عليه. فلان يحفظ ورقة، لكن ما يشق عليه. نعم، هذه حالة. لكن ما رأيك لو واحد حفظ جزء كامل في اليوم، هل يستطيع؟ ها؟ انظر. لكن مثلا: نصف صفحة، صفحة، ورقة، على حسب حفظ الحافظ. هذا بعضهم يسهل على حفظ ورقة بإتقان؛ لأنه عنده ذاكرة طيبة. وبعضهم لا، ربما نصف صفحة بالشدة. فاضح. قال: لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾، ﴿عَلَىٰ مُكْثٍ﴾ يعني: شيئاً فشيئاً، ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾. قال: ثالثاً: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القرآن وتنفيذه، حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية، ينتظر. كم من مواضع مرت معنا وسينبع عليها، لا سيما عند اشتداد الحاجة إليك. ما في آيات الإفك واللعان. فهم ينتظرون الفرج من الله. وهذا تشوق، أو ليس بتشوق؟ فإذا نزلت الآية، فرح المسلمون بها فرحاً شديداً. لكن لو أنزل القرآن جملة واحدة، ستفوت هذه الفائدة. صح؟ ستفوت هذه الفائدة. قرآن قد أنزل، لكن إذا حصلت واقعة، وانتظر المسلمون الفرج، ونزل الفرج، هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى إلى تنشيط الهمة ونحو ذلك. فهمتم هذا؟ هذا أيضاً من الحكم. قال: رابعاً: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال. فلو أنزل القرآن جملة واحدة، ستفوت هذه الفائدة. كيف ستنزل الآية الأولى ثم بعد فترة الآية الثانية؟ ما سيكون هناك تدرج في التشريع، سيكون مباشرة الحكم. صح؟ فإذا من فوائد منزل القرآن مفرقاً: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال. خلاص، ما يكون كمالاً في هذا التشريع. ومثلنا قال: كما في آيات الخمر، الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابه بالمنع منه منعاً باتاً. انظر: إنسان منذ صغر وهو يشرب الخمر، فبلغ سنه الأربعين والخمسين والستين وأكثر من ذلك، مباشرة قيل له: حرام. هذا يشق عليه. صح؟ فتدرج الشرع في تحريم الخمر. ما هو هذا التدرج؟ قال: فنزل في شأنه أولاً قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾. أليس هذا فيه يعني تقليل وتنفير من شرب الخمر؟ نعم. المسلم إذا سمع أن ضر الخمر أكثر من نفعه، ينزجر، يقول: أي شيء الفائدة؟ أنا أشربه؟ أقل شيء يقلل منه. صح؟ إذن هذا أول ما نزل في شأن الخمر، ما حرمت تحريماً صريحاً. صح؟ ما حرمت تحريماً صريحاً. قال: فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمها، أنه ما حرم بهذه الآية، حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئاً إثمه أكبر من نفعه. وهذا واضح. قال: ثم نزل ثانياً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. انظر: الخمر تذهب بالعقل. فكان بعضهم إذا جاء إلى الصلاة وهو شارب، يخرج عن معنى الصلاة، ما أدري ما يقول، وربما يعمل حركات تنافي الصلاة. فجاء أن تحريم إتيان الصلاة والمصلي شارب الخمر، جاء تحريم في هذا الموضع فقط. وهذا فيه تدرج؛ لأن هذا الفعل سيقلل من شرب الخمر، سيقلل من شرب الخمر. فما يستطيع أن يشرب إلا قبل الصلاة بساعات، حتى لا يأتي إلى الصلاة وهو ماذا؟ سكران. صح؟ فهذا فيه تدرج، فيه تدرج. قال: فكان في هذه الآية مرين على تركه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات. حتى الآن، قال بعضهم: الشعب اليمني مبتلى بماذا؟ بالقات. وقال: الدولة إذا أرادت منعه، ينبغي أن تتدرج مع هؤلاء القوم. يمنعونه أولاً مثلا في الدوائر الحكومية. ها، ثم مثلا في الأماكن العامة، أو مثلا في الأسبوع يومين فقط، يقللون من شأنه، ثم بعد ذلك تستطيع تمنعه نهائياً، والناس قد تهيأت. ها، وقد يعني صارت غير مدمنة. أما تأتي دفع واحد وتمنعه، فهذا فشل واضح، كما فعل بعضهم في حكمهم، ولكن ما نجحوا. قال: ثم نزل ثالثاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾. هذه الآية فيها تحريم ماذا؟ الخمر. ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ يعني: انتهوا عن ذلك، انتهوا عن ذلك. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. قال: فكان في هذه الآية المنع من الخمر منعاً باتاً في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات. فهذا مما يكون من حكم نزول القرآن مفرقاً. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.