الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 29، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن تكرار القصص القرآني ليس عبثاً بل يأتي لحاجة ومصلحة كبيان أهمية القصة وتثبيتها في القلوب. كما يراعي التكرار حال المخاطبين من خلال تنويع الأسلوب بين الطول والقصر واللين والشدة مع مراعاة الفرق بين السور المكية والمدنية.
يوضح المقطع أن القصص جاء بأسلوب شديد في العهد المكي ليناسب شدة عداوة المشركين، وبأسلوب لين في العهد المدني لنفوس مؤمنة. ويؤكد أن هذا التكرار يُعد إعجازاً بلاغياً يرد الشبهات ويثبت صدق القرآن بعدم التناقض رغم اختلاف الأسلوب.
يعرّف المقطع الإسرائيليات بأنها أخبار منقولة عن بني إسرائيل من اليهود والنصارى وتنقسم إلى ثلاثة أنواع. ويبين النوع الأول وهو ما أقره الإسلام وشهد بصدقه، مستشهداً بحديث الحبر اليهودي الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عظمة الله فضحك تصديقاً وقرأ آية تؤيد ذلك.
يختتم المتحدث الحديث عن عظمة الله في خلق الماء والتراب وسائر المخلوقات، ثم يعلن الاكتفاء بهذا القدر. ويعد بمواصلة الشرح في درس قادم داعياً الحضور للاستعداد لدرس الشيخ.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا في درس "أصول في التفسير" عند "تكرار القصص". صح، انتهينا من القصص وكذلك الحكم منها، وقفنا عند "تكرار القصص". قال الشيخ رحمه الله تعالى: تكرار القصص: من القصص القرآنية ما لا يأتي إلا مرة واحدة، مثل قصة لقمان، فهذا ذكرت في سورة لقمان فقط، ما ذكر في غيرها من المواضع. وأصحاب الكهف هذا كذلك ذكرت في سورة الكهف فقط، هذه القصة ولم تذكر في غير هذا الموضع. قال: ومنها ما يأتي متكرراً حسب ما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة، ولا يكون هذا المتكرر على وجه واحد. ومعنى قوله: "حسب ما تدعو إليه الحاجة" يعني أن هذا التكرار مقصود، وليس هو من باب التكرار الذي لا فائدة منه أبداً، وإنما تكرر القصص لحكمة سيبين الشيخ هذه الحكمة، أو هذه الحكم من تكرار القصص القرآني. وقوله: "ولا يكون هذا المتكرر على وجه واحد" يعني لا يكون بأسلوب واحد، لا في اللفظ ولا في الطول والقصر، ولا في نحو ذلك، بل يختلف، وهذا يكون كذلك أدعى لعدم الملل والسآمة، إذ القصة الواحدة تذكر في مواضع متفرقة وبأساليب مختلفة. قال: بل يختلف في الطول والقصر، واللين والشدة، وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون آخر. يعني بعض المواضع تذكر القصة بالتفصيل وبجميع مراحلها، وفي بعض المواضع تذكر القصة بشيء من الاختصار، بشيء من الاختصار، فهناك فرق بين موضع وآخر. قال: ومن الحكمة في هذا التكرار: أولاً، بيان أهمية تلك القصة، لأن تكرارها يدل على العناية بها، فهو مثل التوكيد. لما تريد أن تؤكد في شخص ما كلاما ما، تكرره عليه، صح؟ حتى يعتني به، وحتى يأخذه مأخذ الجد، وما أخذ كذلك العمل لا الإهمال والترك. فمن فوائد تكرار القصص القرآني كما تقدم: بيان أهمية تلك القصة. طيب، شيء آخر أيضاً: ثانياً، توكيد تلك القصة لتثبت في قلوب الناس، لأن التكرار يثبت المعلومة، التكرار يثبت المعلومة. فخطأ المثل الذي يقال: "التكرار يعلم الحمار"، هذا خطأ. بل التكرار كما يقال: "يعلم الشطار"، يعني التكرار مفيد في الحفظ وفي الفهم. أو عبارة ما فهمتها، تكررها عدة مرات تفهم هذه العبارة، صح؟ فليس عيباً التكرار. من العلماء من كرر بعض الكتب عشرات المرات دراسة وتفهماً لهذه الكتب، يدرسها عشرات المرات، هذا ليس عيباً. فتكرار القصص القرآني تثبيت لهذه القصة في قلوب الناس وتوكيد لها. قال: ثالثاً، مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها، ولهذا تجد الإيجاز والشدة غالباً فيما أتى من القصص في السور المكية، والعكس فيما أتى في السور المدنية. وهذا أيضاً من فوائد التكرار. فبعض القصص ذكرت في العهد المكي في موضع، ثم ذكرت في موضع آخر في العهد المدني. فتعلمون أن العهد المكي كان فيه من الشدة، وفيه من عداوة المشركين للنبي عليه الصلاة والسلام وأتباعه من الصحابة، فيقتضي مقام ذكر هذه القصص أن يكون بأسلوب فيه شيء من الشدة، لأن المقام يتطلب ذلك. بخلاف ذكر القصة في العهد المدني، فإن النفوس قد تهيأت لقبول الحق، والخطاب للمؤمنين الذين آمنوا واتبعوا الرسول عليه الصلاة والسلام، فلذلك الأسلوب يكون فيه شيء من اللين. وهذا أيضاً من فوائد التكرار، فليس ذكر أسلوب الشدة مناسباً في العهد المدني، والعكس ليس أسلوب اللين مناسباً في العهد المكي، لكل مقام مقال. قال: رابعاً، بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه وذاك الوجه على ما تقتضي الحال. وهذا صعب جداً لأبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء من البشر. لو قيل له: اكتب لنا قصة بأساليب مختلفة، تكتب لنا نفس القصة، نفس مراحلها، نفس أدوارها بأساليب مختلفة، تكتبها بأسلوب، ثم تكتبها مرة ثانية بأسلوب آخر بعبارات أخرى، ثم تكتبها ثالثاً بعبارة تختلف عن الأولى والثانية، هل يستطيع أحد أن يفعل ذلك؟ لربما يعجز أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء عن ذلك. فانظر إلى كلام الله الذي تحدى الله عز وجل فصحاء العرب أن يأتوا بآية من مثله أو بسورة من مثله، فلم يستطيعوا، وهم أهل البلاغة وأهل اللغة. وهكذا تعدد القصص القرآني مع اختلاف الأسلوب، هذا يدل على بلاغة القرآن، على بلاغة القرآن. ولما يذكر العلماء هذا المبحث، مبحث تكرار القصص؟ يذكرون ذلك لأمور ثلاثة: الأمر الأول: رداً لشبهة بعض أعداء هذا الدين الذين يقولون: إن التكرار يدل على الضعف، أو يدل على الملل والسآمة، أو نحو ذلك، عليهم من الله ما يستحقون. فيبين العلماء أن هذا التكرار ليس فيه شيء من الضعف، بل هو كمال للأوجه التي ذكرها الشيخ وغيرها من الأوجه. والأمر الثاني: الذي من أجله يذكر العلماء هذا المبحث، بيان المغزى والهدف الذي جاء من أجله التكرار، وهي تلك الحكم. فالمسلم لما يسمع بالحكم يزداد إيمانه وتطمئن نفسه أكثر وأكثر، أليس كذلك؟ الحكمة في كثير من الأحكام أو من التشريعات هذا مما يزيد المؤمن إيماناً، فالعلماء يذكرون ذلك من أجل ذلك. وهكذا الأمر الثالث: بيان التفصيل، وبيان التفصيل، وبيان كذلك أوجه التكرار التي وردت. فما معنى بيان التفصيل؟ يعني يفصل لك القصص التي ذكرت منفردة، والقصص التي ذكرت متكررة، ويبين، يفصل لك: هذه ذكرت كذا وكذا مرة، وتلك ذكرت كذا وكذا مرة. فهذا فيه شيء من العلم، فيه شيء من العلم الذي يحتاجه المسلم، فمن أجل هذا يذكر العلماء هذه الحكم. قال: خامساً، ظهور صدق القرآن وأنه من عند الله تعالى، حيث تأتي هذه القصص متنوعة في مواضع متنوعة، ولا تجد فيها تناقض، بل تجد فيها توافق، وتجد مراحلها وأدوارها واحدة، وإن اختلف الأسلوب، وإن اختلف الأسلوب. قال: الإسرائيليات. ومعنى الإسرائيليات: يعني ما أخبرنا به عن بني إسرائيل، سميت إسرائيليات لأنها تنقل عن بني إسرائيل، تنقل عن بني إسرائيل. فيذكر العلماء هذا المبحث لأن أهل التفسير يذكرون الإسرائيليات في تفسير بعض الآيات، ونحن في مبحث أو في كتاب "أصول في التفسير"، فلو واجهتك هذه الإسرائيليات في التفسير كيف تتعامل معها؟ فهذا المبحث يتعلق بذلك: كيف تتعامل مع تلك الأخبار الإسرائيلية التي يوردها العلماء في التفسير، في التفسير. قال: الإسرائيليات: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود، وهو الأكثر، أو من النصارى. وذكر العلماء أنها أكثر عن اليهود لأن أمة اليهود أعظم وأكثر من أمة النصارى، كما جاء في حديث ابن عباس: لما رأى النبسة سواداً عظيماً، قال: من هؤلاء؟ قال: هذا موسى وقومه. فلذلك جاءت عنهم الأخبار الكثيرة. اليهود جاءت عنهم الأخبار الكثيرة، والنصارى جاءت عنهم أخبار لكن أقل من أخبار اليهود. قال: وتنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما أقره الإسلام وشهد بصدقه فهو حق. يعني أخبر اليهود به أو النصارى، فأقره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا حق ويجب الأخذ به لأن ديننا أقره وصدقه. وسيمثل الشيخ الشيء. قال: مثاله: ما رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر، يجوز حبر وحبر في فتح الحاء وكسرها، جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، يعني نجد في كتبنا، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، الثرى يعني التراب، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، أو الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. فقول هنا: "تصديقاً لقول الحبر" يعني إقراراً لقوله. فهذا نقر به، هذا نقر به ونؤمن به، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صدق قول هذا الحبر، مع أنه من أخبار بني إسرائيل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم على علم بذلك، فأقر ذلك، بل وقرأ هذه الآية: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. ما أعظم هذا الرب سبحانه وتعالى! انظر: "الأرضين" جمع أرض، يعني الأرضين السبع، لأن الأرضين سبع أيضاً. ها هو الدليل: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾. صح. فانظر هذه الأرض بما فيها من الجبال والبحار والأشجار والأنهار والخلائق العظيمة، كل هذا يضعها الرب سبحانه وتعالى على إصبع. وقال أهل السنة: من هذا الحديث يثبت لله عز وجل الأصابع على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. فنثبت المعنى ولا نكيف ولا نعطل، بل نثبتها كما جاءت كغيرها من الصفات. وهكذا السماوات على إصبع، هذه السماوات العظيمة وما فيها من الأجرام والكواكب والشمس والقمر والملائكة يضعها سبحانه وتعالى على إصبع، ما أعظمه من إله! وهكذا الشجر، كم شجر في هذه الدنيا! وهكذا الماء والثرى التراب، وسائر الخلائق، سائر الخلائق، فما أعظمه من إله سبحانه وتعالى! طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. نتهيأ إن شاء الله لدرس الشيخ.