شرح منظومة الألبيري  12

شرح منظومة الألبيري 12

الدرس في شرح منظومة الألبيري 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح أبيات الإلبيري في محاسبة النفس والتحذير من الاغترار بالطاعات

يستعرض المقطع أبياتاً للإلبيري يرد فيها على لسان شاب ينتقده، موضحاً أن عيب الشيخ الذي يتصابي أقبح من عيب الفتى، وأن الواجب محاسبة النفس قبل لوم الغير. كما يحذر من الاغترار بالطاعات الظاهرة مع إهمال حقوق الله وحقوق العباد مستشهداً بآيات الموازين يوم القيامة.

لوم النفس على التقصير وخطورة الرجوع القهقرة ويوم الحساب

يعاتب الناظم نفسه على التراجع عن الطاعة (الرجوع القهقرة) والتخبط بلا علم (خبط عشوى)، مبيناً أن من نوقش الحساب هلك لعجزه عن أداء الأمانة العظمى. ويصور هول يوم القيامة حيث يأتي الناس فرادى وتتباين منازلهم، فيندم المفرط حين لا ينفع الندم.

التحذير من التفريط في الطاعة ووصف شدة عذاب جهنم

يحذر المقطع من إضاعة العمر في المعاصي ويبين أن التفريط يؤدي إلى الندامة يوم القيامة، بينما الاستقامة بالعلم والعمل ترفع الدرجات. كما يقارن بين حر الدنيا ونار الآخرة موضحاً شدة عذاب جهنم حتى في أهونه، مستدلاً بالآيات والأحاديث، ويحث على الخوف من النار واتخاذ أسباب النجاة.

خاتمة الدرس والتحذير من الاستهانة بالأمر

يؤكد المتحدث أن الأمر جدّي وليس للهو، ويحث على الاتعاظ والأخذ به بجد وحزم. ثم يختم الدرس على أن يكمل الباقي في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإلبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية: «ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفتا» كما تقدم أن الإلبيري رحمه الله يقول هذه الأبيات على لسان من كان يعاتبه، وقد مر معنا أن ظاهر الأبيات أن الذي انتقد الإلبيري وعاتبه شاب، وأنه أصغر منه سنًا، فكأن هذا الفتى الشاب يقول للإلبيري: «ويقبح بالفتى فعل التصابي»، يعني: أنت يا أيها الإلبيري تلومني على ما أفعل في زمن الصبا، كما تقدم معنا، فهذا نعم أمر قبيح، لكن أقبح منه شيخ قد تفت. ما معنى «تفت»؟ معنى «تفت»: عمل عمل الفتيان، هو شيخ كبير لكنه عمل عمل الفتيان والتصرفات الصغار، فلا يراعي فارق السن الذي وصل إليه. فكأن هذا المنتقد يقول للإلبيري: نعم أنا أتصابي في وقت صباي، وهذا أمر قبيح، لكن أشد منه قبحًا يوم أن تجد شيخًا كبيرًا في السن وهو يعمل عمل الصبيان، يعمل عمل الصبيان والفتيان الصغار. فمثلا: يمشط مشط الصغار، أو يلعب كلعب الصغار، ويلهو لهو الصغار، ففعله فعل التصابي، يعني: فعله الفتيان الصغار. فكأنه يقول: أنت تعمل تصابي، وأنا أيضًا مع كبر سني، ها كأنني كذلك أعمل عمل الصبيان. فهذا معنى قوله: «ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفتا». ثم قال له: «ونفسك ذم لا تذم سواها لعيب فهي أجذر من دممتي». يقول له: أنت من أول النظم تذمني وتعيبني. يعني هذا المنتقد كأنه يقول للألبيري: أنت من أول النظم تعيبني وتذمني وتنتقدني، والواجب أن تذم نفسك، فأنت لا تخلو من العيوب، ولا تخلو من التقصير والتفريط. فنفسك ذم، لا تذم سواها، لا تعيب سواها، فأنت أجدر، يعني: أحرى وأولى من أن تذم نفسك. نعم، هذا هو معنى قوله: «ونفسك ذم لا تذم سواها لعيب فهي أجذر من دممتي»، يعني: هي أجدر من اتجهت إليه بالذم والمعاتبة. كل ذلك يقوله على لسان ذلك الشاب الذي كان يعاتبه. ثم قال له بعد ذلك: «وأنت أحق بالتفنيد مني، ولو كنت اللبيب لما نطقت». فقوله: «وأنت أحق بالتفنيد مني»، التفنيد يعني: التخطئة، التفنيد: التخطئة والنقد. فكأن هذا الشاب يقول للألبيري: أنت أحق بأن تُخطأ، بأن تُخطأ لا أن تخطئ غيرك وتنتقد غيرك، بل أنت أحق بالتخطئة. «ولو كنت اللبيب لما نطقت»، أي: لو كنت صاحب لب وصاحب عقل وصاحب رزانة لما نطقت بذمي، لما نطقت بذمي وعيبي. وهذا فيه كأنه يقول للناظم: لا تخطئ غيرك، فعندك أخطاء، فأنت أحق من أن تنظر إلى هذه الأخطاء. ثم قال له: «ولو بكت الدماء عيناك خوفا لذنبك لم أقل لك قد أمنت». يعني: لو بكت عينك دماء من الذنوب، ليس دموعًا، ليس دموعًا كما هو معتاد لما يبكي الإنسان، بل بكت عيناك دماء، وهذا البكاء خوفًا من الذنوب. «ولو بكت الدماء عيناك خوفا لذنبك»، أي: بسبب ما عندك من ذنوب، ما أستطيع أن أقول لك: إنك قد أمنت، أي: من العذاب، من العذاب. وكل ذلك يتضمن الحث على التوبة والإنابة، وقوة الإقبال على الله سبحانه وتعالى. فهو يقول له: مهما ندمت، ومهما كذلك بكيت على ذنوبك، فلا تأمن عذاب الله، لا تأمن عذاب الله، ولا يغرّك ذلك البكاء. ثم قال له: «ومن لك بالأمان وأنت عبد أمرت فلا أتمرت ولا أطعت». يعني يقول له: كيف تأمن وأنت عبد؟ لأنه قال له: «لم أقل لك قد أمنت». لماذا قال: «ومن لك بالأمان وأنت عبد»؟ كيف تأمن وأنت عبد أمرك الله بطاعته ونهاك عن معصيته، فلا شك أنه يحصل منك التقصير والتفريط في كثير مما أمرك الله سبحانه وتعالى به. فمن لك بالأمان وأنت عبد أمرت فلا أتمرت ولا أطعت؟ يعني: عندك تقصير، وعندك كذلك تفريط في أداء الواجب، وفي ارتكاب المنهي، وفي ارتكاب المنهي. ثم قال له: «ثقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت». يعني: أن الذنوب التي فعلتها ذنوب كثيرة أثقلتك، ومع هذه الذنوب لست تخشى، لجهلك، أن تخف إذا وزنت. انظروا كيف يعاتب الصالحون أنفسهم. ربما بعضنا يقول: أنا إيش عندي من الذنوب؟ الحمد لله جالس في المسجد، وأهو صلي، ويهون أمر المعاصي التي ربما يرتكبها وهو غافل عنها. فلو سأل كل واحد منا: هل أدى ما أمر الله به كما أراد الله؟ وهل ابتعد واجتنب كل ما نهى الله عنه كما أراد الله؟ كم نحن نفرط في أداء الصلاة، كم نحن نفرط في بر الوالدين، كم نحن نفرط ربما في إضاعة بعض الصلوات والعياذ بالله، كم نحن نفرط في اقتحام بعض المحرمات، لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن والمغريات، وابتلي فيه الناس بأدوات وأجهزة ربما تكون سببًا في تساهلهم في المعاصي والمنكرات. كم نحن ربما نغتاب ونجلس في مجالس الغيبة، وكم ربما نقع في السب والشتم، وكم نحن كذلك مقصرون في بر الوالدين، أو في حسن الجوار، أو في صلة الرحم. لا تغتر، لا تقل: أنا ما عندي شيء، أنا صافي، أنا ما عندي ذنوب. ارجع إلى نفسك باللوم والعتب والمحاسبة، وهكذا كان الصالحون. فقوله: «ومن لك بالأمان وأنت عبد»، أو قال له بعد ذلك: «ثقلت من الذنوب ولست تخشى»، أي: أن ذنوبك كثيرة، ذنوبك كثيرة، وأنت ما تخشى بسبب جهلك أن تخف إذا وزنت. وهذا يشير إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 102-103]. فيوم القيامة ينقسم الناس إلى فريقين: فريق ثقلت موازينهم فهم أهل السعادة وأهل الجنة، وفريق خفت موازينهم فهم أهل الشقاوة والنار، والعياذ بالله. ثم قال له: «وتشفق للمصر على المعاصي وترحمه ونفسك ما رحمت». «تشفق»: أي أشفقت علي ورحمتني، وأخذت تبين لي أخطائي. ما زال الكلام على لسان المنتقد، ومن الذي نظم هذه الأبيات؟ المنتقد أو الناظم الذي أراد أن ينصح المنتقد، فيقول على لسانه: يا أيها الإلبيري، أنت تشفق علي لأن عندي معاصي، وترحمني بترغيبك وترهيبك وبيان تلك المواعظ والمذكرات، لكن هل رحمت نفسك أنت؟ هل أخذت بهذه النصائح؟ هل أشفقت على نفسك؟ فهذا معنى قوله: «أشفقت وتشفق للمصر على المعاصي وترحمه ونفسك ما رحمت»، فأولى أن ترحم نفسك وذلك بالبعد عن المعاصي. هذا المعنى. ثم قال له: «رجعت القهقرة وخبطت عشوى، لعمرك لو وصلت لما رجعت». معنى «رجعت القهقرة»: يعني مشيت إلى الخلف وإلى الوراء، فهذا معنى القهقرة. لما لا يستقيم الشخص وما يمشي أمامه، يمشي خلف على ظهره، هذا يسمى ماذا؟ القهقرة. يعني: رجعت إلى الوراء وإلى الخلف. «وخبطت عشوى»: قالوا: خبط العشوى وهو الذي لا يبصر ولا يرى، فيخبط دون أن يميز، دون أن يميز. إنسان ما يرى أين سيمشي، يخبط خبط عشوى، ربما يقع فوق جدار، وحيان فوق باب، وحيان في حفرة، لأنه ما يرى، ما يرى. وهكذا خبط العشوى قد يكون في الأشياء المعنوية، فالذي ما عنده علم يخبط خبط عشوى، فتجده يوم يعتقد اعتقاد الروافض، ويوم الجهمية، ويوم الحزبية، ويوم التبليغ، ويوم الإخوان المسلمين، يخبط خبط عشوى لأن ما عنده علم وبصيرة، ما عنده علم وبصيرة. فهو يقول له: «رجعت القهقرة» يعني: رجعت إلى الوراء، «وخبطت عشوى» يعني: لم تميز بين هدى من ضلال، ولا بين حق من باطل، ولا بين صحيح من سقيم، ولا بين صالح من فاسد، وهكذا حرمت التمييز. ثم قال له: «لعمرك لو وصلت لما رجعت». يعني يقول له: لو كنت حقًا قد وصلت وبلغت المنازل العالية الرفيعة في العبودية والطاعة، لما رجعت، يعني: لما حصل لك هذا الرجوع القهقرة. كأنه يقول: أنه في آخر وقته أصبح يعني على غير الاستقامة والهدى الذي كان عليه من قبل. وهذا حال بعض الناس، تجده في حال شبابه وفي حال قوته مستقيما طائعا وبعيدا عن المعاصي والذنوب والمخالفات، فلما كبر وبلغ من العمر عتيًا، فإذا به يرجع إلى المعاصي والذنوب والفتور والبعد عن الخير والعلم والطاعة. فهذا هو الذي يرجع القهقرة، وربما ينتكس، والعياذ بالله. نعم، نحن قد ذكرنا، بارك الله فيك، أن الشيخ حماد الأنصاري له رسالة في ذلك. طيب، ويقول: إن «لعمرك» هذه لفظة استخدمها العرب ولا يريدون بها القسم، وإنما جرت على ألسنتهم، فلا يكون معناها معنى القسم، فلا يكون معناها معنى القسم. هذا قد مرت في بعض الأبيات معنا، لو تذكرون، ونبهنا على ذلك، فلم ننبه مرة أخرى اكتفاء بما ذكر من قبل. فقوله: «لعمرك لو وصلت لما رجعت»، يعني: لو كنت حقًا قد وصلت إلى كمال العبودية وإلى كذلك المنزلة العالية الرفيعة، لما رجعت، يعني: لما حصل لك هذا الرجوع. وهذا كله من لوم الناظم لنفسه ومعاتبته لها، وهذا بخلاف من هو مقصر في العمل ويرى نفسه أنه قد أكمل الأمور. فأهل الاستقامة كما تقدم حقًا وصدقًا يجدون ويجتهدون في تكميل الأعمال وفي تتميمها، ومع هذا يرون أنفسهم مقصرين، يرون أنفسهم مقصرين مفرطين. ثم قال: «ولو وافيت ربك دون ذنب ونوقشت الحساب إذا هلكت». يشير إلى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كما في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب هلك، من نوقش الحساب هلك». وهذا يحمل على من يستحق هذه المناقشة، من يستحق هذه المناقشة، أما أهل الطاعة والاستقامة فإنهم لا يكون هذا الوصف في حقهم، وهو النقاش في الحساب. فقوله: «ولو وافيت ربك دون ذنب ونوقشت الحساب إذا هلكت»، لأنه من نوقش الحساب هلك، وفي لفظ: «عذب»، وفي لفظ: «عذب». لماذا يعني لو نوقش الحساب هلك؟ قال: «ولم يظلمك في عمل ولكن عسير أن تقوم بما حملت أو حملت». نعم، الضمير صواب: «حملت». ماذا عنده؟ «حملت». ومعنى هذا البيت: أن الإنسان حمل أمانة عظيمة، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. فهذه أمانة عظيمة، فلو أنك وفيت ربك دون ذنب، فلا تأمن أنك تناقش الحساب، لماذا؟ لأنك حملت أمانة عظيمة، وهل تأمن أو هل تضمن أنك أديت الأمانة على الوفاء والتمام؟ من ذا الذي يدعي هذا، أنه أدى الأمانة التي حملها على الوفاء والتمام والكمال؟ لا يستطيع أحد أن يقول ذلك. فإذن: «لم يظلمك في عمل ولكن عسير»، ومعنى «عسير»: يعني شديد، أن تقوم بحمل هذه الأمانة والقيام بها، إذ أن السماوات والأرض والجبال أشفقنا، خفنا، من حمل هذه الأمانة، لماذا؟ لأنها ثقيلة وعظيمة، فعسير أن يقوم بحملها، فأشفقنا منها، فحملها الإنسان. فهذا معنى قوله: «ولم يظلمك في عمل ولكن عسير أن تقوم بما حملت»، أي: عسير أن تقوم بحملها. ثم قال له: «ولو قد جئت يوم الحشر فردا وأبصرت المنازل فيه شتى». يقول له: يوم القيامة يأتي كل إنسان فردًا، يوم الحشر يعني يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]، كل إنسان يحشر وحده. وكما قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ۝ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]. كل واحد يأتي فردًا وحده، لا يكون معه أحد، ولو كان أقرب قريب، أو ولو كان أحب حبيب، ما ينفعك أحد في ذلك اليوم. ثم قال: «وأبصرت المنازل فيه شتى»، يعني: في ذلك اليوم أبصرت منازل الناس، أبصرت منازل الناس، فتختلف منازل الناس في ذلك اليوم، فهي شتى. ومعنى «شتى»: أي متفاوت ومتباينة، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: 19]. فعندما تبصر ذلك، وتبصر تلك المنازل المتباينة، ثم وجدت نفسك في ذلك الوقت مفرطًا مضيعًا مقصرًا، ولم يكن ذلك، ولم يكن لك منها حظ أو نصيب، أي: تلك المنازل العالية، فحينئذ تندم، ولا يفيدك الندم. إذن متى ينفع الندم؟ في هذه الحياة، في هذه الحياة، ولا تزال أنفاسك بين جنبيك، أما في ذلك اليوم فلا تنفع الندامة. لذلك ماذا قال بعد هذا البيت؟ قال: «لأعظمت الندامة فيه لهفا على ما في حياتك قد أضعت». وهذان البيتان مرتبطان: «أعظمت» وإنه «أعظمت»، «لأعظمت الندامة فيه لهفا على ما في حياتك قد أضعت». بمعنى: أنك إذا ضيعت وفرطت، أين ستكون منزلتك؟ في أسفل سافلين، بينما الطائع المستقيم في أعلى المنازل وفي أرفع الدرجات. فإذا كنت من أولئك الذين ينالون هذه الرفعة، وكيف تنال ذلك؟ بالعلم والعمل والاستقامة والطاعة والامتثال واجتناب ما نهى الله عنه وزجر. بهذا تكون من أهل المنازل العالية في ذلك اليوم، أما إن كنت مفرطًا مضيعًا ففي ذلك اليوم تعض على أصابع الندم، ولا ساعة مندم. ولذلك قال: «لأعظمت الندامة»، وكما قال الله عز وجل: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56]، أي: في طاعة الله. متى تقول ذلك؟ عندما ترى أهل الصلاح وأهل الخير وأهل الاستقامة قد ارتفعت منازلهم وعلت كذلك درجاتهم، فيقول: يا حسرة، يتحسر ويندم. فإذا العاقل الذي من يندم في هذه الحياة ويسعى لينال تلك المنازل، يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع بآخرين»، القرآن. فمن قرأه وعمل به وامتثل أمره وابتعد عن نهيه، فإن الله عز وجل يرفعه. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37]. بماذا نالوا هذه المنازل العالية؟ بالإيمان والعمل الصالح: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فإذا التفاوت بين العباد إنما يكون بحسب الأعمال الصالحة في هذه الدنيا. هذا معنى قوله: «لأعظمت الندامة فيه لهفا على ما في حياتك قد أضعت». فاحذر من الضياع والتفريط، من الضياع والتفريط. ثم قال له: «تفر من الهجير وتتقيه، فهلا من جهنم قد فررت». فيقول له: أنت في هذه الدنيا تفر من الهجير، والهجير هو حرارة الشمس، الهجير هو حرارة الشمس. فكل واحد إذا اشتدت حرارة الشمس يهرب من هذه الحرارة، صح؟ يفر، فإن وجد ظلا دخل تحت هذا الظل، بيتًا أو شجرة، أو لبس حداء، يفر من هذه الحرارة، وأكثر ما يكون ذلك في الصيف عند حرارة الشمس، فالإنسان يتحاشى هذه الحرارة ويفر منها، ويفر منها. فقال له: أنت تفر من هذه الحرارة حتى لا تؤذيك وتحرقك، صح؟ فهلا من جهنم قد فررت؟ جهنم أعظم من الهجير، وحرها أشد، فكيف أنت تفر من حرارة هذه الدنيا، هذه الدنيا، ولا تفر من نار جهنم، والعياذ بالله؟ وكيف تفر من نار جهنم؟ هل إذا شفتها تهرب منها؟ لا، إذا كنت من أهلها تطرح فيها لا محالة، ولكن كيف تفر من هذه النار؟ باتخاذ الأسباب المنجية منها: بالطاعات والقربات والأعمال الصالحات، والبعد عن المعاصي والمنكرات. فهو يدعوه إلى الاستقامة، ويدعوه إلى الطاعة، ويذكره بجهنم. ولذلك كان بعض الصالحين إذا أراد أن، أو سولت له نفسه أن يرتكب منكرًا أو معصية، تذكر نار الدنيا، فأتى عند هذه النار ووقف أمامها، ويخاطب هذه النفس، فلربما قرب أصبعه عند هذه النار، هل يستطيع أحدنا أن يدخل أصبعه في نار الدنيا؟ هل أحد مننا يستطيع أن يدخل أصبعه في نار الدنيا؟ لا يستطيع. فكيف، كيف، كيف يتهاون أحدنا بعمل الأسباب التي تدخله نار جهنم، والعياذ بالله؟ التي قال الله عز وجل في وصفها: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]، وكما قال الله عز وجل: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: 97]، ﴿زِدْنَاهُم﴾، ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. فهذه النار، نار الآخرة، عظيمة، وكذلك عظيم حرها وشديد حرقها. فأولى للعبد أن يفر من نار الآخرة كما أنه يفر من حرارة الدنيا، من حرارة الدنيا. ولذلك قال بعدها: «ولست تطيق أهونها عذابا، ولو كنت الحديد بها لذبت». يصف هذه النار فيقول له: «ولست تطيق أهونها عذابا»، أي: هذه النار لا تطيق أهونها، يعني: أقل النار عذابا لا تطيق. فإن النار دركات، فأشدها عذابا أسفل هذه الدركات، فأنت أيها العاصي المفرط المضيع لا تطيق عذابًا أقل وأخفي. نار جهنم، نار جهنم، ولا تحتمله. وقد جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه». هذا أقل أهل النار عذابا، يوضع تحت قدميه جمرتان، لكن ليست كجمر الدنيا، جمر الدنيا ربما تحرق قدمك وانتهى الأمر، لكن هاتان الجمرتان يغلي منهما دماغه. انتبه إلى التعبير النبوي: تنظر إلى الماء إذا يغلي يفور، ها، فهاتان الجمرتان يغلي منهما دماغ هذا المعذب، والعياذ بالله. هذا أقل لهم عذابا، أقل لهم عذابا. فصدق رحمه الله إذ يقول: «ولست تطيق أهونها عذابا»، يعني: أقلها عذابا. «ولو كنت الحديد بها لذبت»، يعني: لو كان جسمك حديدًا وأدخل في هذه النار لذاب في النار، فكيف بهذا الجسد الذي هو لحم وعظم وعصب ودم ونحو ذلك؟ فهو أقرب إلى الذوبان، والعياذ بالله. فينبغي للمسلم أن يخاف النار، وكما قال الله عز وجل بعدما ذكر عذاب النار: ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]. لماذا ربنا عز وجل يذكر لنا من أوصاف النار، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام؟ من أجل أن نخاف هذه النار. فكلما حدثتك نفسك وسولت لك أن تنتهك حرمات الله سبحانه وتعالى، فتذكر هذه النار، قل لها: يا نفس، هل تطيقين عذاب جهنم؟ فلعل هذا الذنب يكون سببًا لعذابك. ذكرها: هل تأمنين أن تعمل هذا الذنب ثم يأتيك الموت وأنت على هذا الذنب من غير توبة ولا رجوع إلى الله؟ هكذا كان السلف رحمهم الله يؤنبون أنفسهم ويذكرون أنفسهم بذلك. ثم قال له: «ولا تنكر فإن الأمر جد وليس كما حسبت ولا ظننت». يعني: هذه الأوصاف التي ذكرت لك، هذه الأوصاف التي ذكرت لك من أوصاف جهنم، ومن كذلك شدة حرها، جد، ليس بالهزل، وليس بالضحك واللعب، فلا تنكر شيئًا مما ذكر، فإن الأمر جد، وليس بالهزل. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في سورة الطارق، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ۝ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: 13-14]. فالأمر جد، وليس كما حسبت ولا ظننت، أي: باللعب والهزل. فهو يحث على الاتعاظ بما ذكر، والأخذ به مأخذ الجد والحزم، ونحو ذلك. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.