شرح منظومة الألبيري  2

شرح منظومة الألبيري 2

الدرس في شرح منظومة الألبيري 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة شرح المنظومة التائية وترجمة الألبيري

يستهل المحاضر بشرح المنظومة التائية للألبيري مبينًا سبب نظمها ومترجمًا لناظمها إبراهيم بن مسعود الألبيري ومكانته العلمية. ثم يشرع في شرح الأبيات الافتتاحية التي تذكر بمرور الأيام ونحت الساعات لأجساد البشر محذرًا من الغفلة.

حتمية الموت وضرب المثل بالدنيا كعروس

يذكر الناظم بأن عمر الإنسان ينقضي يومًا فيومًا والموت يدعو كل إنسان دعوة حق لا ريب فيها فيجب الاستعداد له. ثم يضرب مثلًا للدنيا بعروس جميلة طلقها العقلاء طلاقًا بائنًا فلم تغرهم زينتها عن طاعة الله.

تفسير طلاق الدنيا والتحذير من الغفلة

يشرح المقطع أن طلاق الدنيا ليس تركها بالكلية بل عدم إيثارها على الآخرة مستشهداً بكلام علي بن أبي طالب في زهده. ويبين أن النوم كناية عن الاستغراق في الغفلة داعياً إلى اليقظة والتوبة قبل فوات الأوان.

ختام الدرس والإشارة لاستكمال الشرح

يعلن المتحدث عن انتهاء الدرس الحالي ويشير إلى أنه سيكمل الموضوع في درس قادم إن شاء الله. مختتماً بقوله والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد تقدم في الدرس الماضي مقدمة عن سبب نظم هذه المنظومة، وبينا أن الصحيح أن المؤلفة نظمها ردًا على من عابه ولمزه وذكر عيوبه، فرد عليه بهذه المنظومة، ولم يسلك مسلك ذلك الملمز، ولم يدافع عن نفسه، بل سلك فيها مسلك الوعظ والنصيحة، وهذا ما تقدم في الدرس الماضي. وقبل الشروع في أول هذه المنظومة، نأخذ ترجمة موجزة عن الناظم: فنظم هذه المنظومة يُكنى بأبي إسحاق، واسمه إبراهيم بن مسعود بن سعد التجيبي الألبيري الأندلسي، فهو منسوب إلى إلبيرة، وهي منطقة في الأندلس، ويقال له التجيبي لأنه يرجع إلى قبيلة التجيب من اليمن. وقد قيل فيه: فقيه، ومقرئ، وعالم في زمانه، أخذ القراءات وعرف بها، ولم تذكر له كثير مؤلفات، وهذا لا يحط من شأنه، فإن كثيرًا من أهل العلم لربما من تواضعه يرى نفسه غير أهل للتأليف، ولكنه عرف بالشعر، وشعره يغلب عليه الزهد والوعظ، فله ديوان في الشعر تداوله العلماء. وولد رحمه الله ما يقرب من سنة خمس وسبعين وثلاثمئة، يعني في القرن الرابع، خمس وسبعين وثلاثمئة من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وتوفي في سنة ستين وأربعمئة، وكان معاصرًا لأبي محمد بن حزم الأندلسي الظاهري رحمه الله. وهذه المنظومة كان لها شأن عند أهل العلم، فكان بعض أهل العلم لا يقرئ بعض طلابه العلم حتى يحفظ المنظومة التائية، أي حتى يحفظ هذه المنظومة، لما اجتمعت عليه من الآداب والأخلاق، والحث على العلم والعمل به، والزهد في الدنيا، ونحو ذلك من المعاني التي ستعرفها عند شرحنا لهذه المنظومة. وقال أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي في كتابه «ألف باء»: قال إن أبا عبد الله بن سودة كان يحمل طلبته على حفظها لجودتها، يحمل يعني يلزم طلبته على حفظها، وهذا يدلك على اعتناء السلف بهذه المنظومة، فهي منظومة لها قيمتها ولها أهميتها عند أهل العلم. ويقال لها التائية نسبة إلى آخر حرف من أبياتها، كما يقال لمنظومة ابن تيمية التي تقدمت معنا اللامية لأن آخر حرف من أبياتها اللام، في قوله: «يسائل عن مذhabi وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل» إلى آخر الأبيات، آخرها لام سميت اللامية، وهذا آخرها تاء سميت التائية: «تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا»، فلما كان آخرها تاء سميت كذلك بالمنظومة التائية. ويقال لها منظومة الألبيري نسبة إلى ناظمها، ولماذا لم يقل منظومة الأندلسي؟ لأن الأندلسي نسبة واسعة، وكثير من أهل العلم من الأندلس، لكن الألبيري هذا اسم نادر لأنه من قرية يقال لها كما تقدم إلبيرة، فقيل له الألبيري نسبة إلى هذه البلد، فيقال لها المنظومة التائية، ويقال لها منظومة الألبيري. وهي في الآداب كما تقدم، والأخلاق، والحث على العلم، والزهد في الدنيا، ونحو ذلك. ونبدأ إن شاء الله في أول أبياتها. وهذا الكتاب فيه هذا النظم، والحمد لله، يعني هذا النظم مشكل ومضبوط بالحركات في أغلب كلماته، فلا يحتاج أن نقرأ المنظومة كاملة لأنها طويلة وتأخذ وقتًا، فإن شاء الله عند القراءة نضغط هذه المنظومة. النطق الصحيح، ويا حبذا لو تحفظ، فكما تقدم أن بعض العلماء كان يحمل طلبته على حفظها لجودتها، وكان بعضهم لا يقرأ طلابه العلم حتى يحفظ المنظومة التائية. قال في أولها: «تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاح أنت أريد أنت» أراك تحب عرسا ذات خدر أبت طلاقها الأكياس بتا تنام الدهر ويحك في غطيط بها حتى إذا ميت انتبهت فكم ذا أنت مخدوع وحتى متى لا ترعوي عنها». وبدأ الناظم رحمه الله تعالى هذه المنظومة بتذكير المنصوح، وذكره بموعظة بليغة، هذه الموعظة هي مرور الأيام وفجأة الموت، وكفى بالموت واعظة، وكفى بالموت واعظة. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكثروا ذكر هادم اللذات»، لأن ذكر الموت سبب لخشوع القلب ورجوع النفس والتوبة والإنابة، وترك الزخرف في هذه الدنيا. فذكره بهذه الموعظة البليغة من مرور الأيام الذي يترتب عليها ضعف الإنسان، فالإنسان كلما مر عليه يوم مضى من عمره يومًا حتى يصل إلى مرحلة الشيخوخة والضعف، كما قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: 54]، يعني في مرحلة الطفولة ثم جعل من بعد ضعف قوة يعني مرحلة الشباب ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة يعني مرحلة الكبر والشيخوخة. فبمرور الأيام يضعف الإنسان ويتقادم به العمر، يتقادم به العمر. فقوله هنا: «تفت فؤادك الأيام فتا»، فت الشيء: تكسيره، فت الشيء: تكسيره، يعني هذه الأيام تضعفك شيئًا فشيئًا، «تفت فؤادك»، والفؤاد هو القلب، يعني تضعفه شيئًا فشيئًا، وإذا ضعف القلب ضعفت الجوارح. «وتنحت جسمك الساعات نحتا»، النحت: أخذ من الإزالة، أي إزالة الحديد مثلا للخشب فيسمى عمل النجار نحتًا، إذا معك لوح يأتي بالفارة وينحت من هذا الخشب، هذا يسمى نحتًا، يسمى نحتًا. ومعنى ذلك أن الأيام تنحت في جسم الإنسان، «وتنحت جسمك الساعات»، وما الأيام إلا بضع ساعات، والمعنى كما تقدم: مرور الأيام وانقضاء السنين والأعوام والأعوام يترتب عليه ضعف بنية الإنسان، فهي موعظة له بأن الوقت يمضي وأنت تقرب إلى الآخرة وتدنو منها. ولذلك يقول الحسن البصري: «يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك»، مثل التقويم الآن، كل يوم تؤخذ منه ورقة، ٣٦٠ ورقة التقويم سنة كاملة، صح؟ ٣٦٠ يوم، كل يوم تأخذ منه ورقة، وهكذا كل يوم ورقة إلى أن تنتهي السنة، فإذا انتهت السنة انتهت جميع الأوراق، صح؟ وعمر الإنسان كذلك، لو قدر لك أنك تعيش ٦٠ سنة أو ٧٠ سنة أو ١٠٠ سنة، كل يوم يمضي مثل الورقة ينقص من يوم، كم ذا من عمر، كم ذا يوم، وهكذا يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم منها ذهب بعضك، قال: ويوشك إذا ذهب بعضك أن يذهب كلك، خلاص وصلت إلى سنك المعين ٦٠ سنة ٧٠ سنة انتهت هذه الأيام تموت، صح؟ وهكذا كلما مر يوم فهو من عمرك ومن حياتك، فإذا خذ العبرة والعضة وتذكر، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل. فهذا موعظة من الناظم رحمه الله إلى المنصوح. ثم قال له: «وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاح أنت أريد أنت»، تدعوك أي تناديك المنون، والمراد بالمنون هنا الموت، المراد بالمنون ماذا؟ الموت، يعني يدعوك الموت دعاء صدق، ومعنى دعاء صدق يعني دعاء لا شك ولا ريب فيه، فإن الموت حق كما قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، هل حد يشك في هذا؟ ما حد يشك في هذا، كل إنسان ميت، فالمنية لابد منها وهي داخلة إلى كل إنسان. «وتدعوك المنون دعاء صدق»، وهنا ينبه على ماذا؟ على الموت، ويقول: لو تدارك نفسك قبل أن يفجأك الموت، «ألا يا صاح»، وألا هنا أداة تنبيه، «ألا يا صاح»، وصاح هنا منادى بمعنى يا صاحبي، ولكن هنا يسمى منادى مرخم، حذف منه الحرفان الأخيران، أصله يا صاحبي، فحذف الباء والياء فصار يا صاح، يعني يا صاحبي. «ألا يا صاح أنت أريد أنت»، يعني أنت المقصود اليوم لا غيرك، سيأتي هذا الوقت الذي يناديك، يناديك الموت، وأنت لا زلت في غفلة، فوعظه هنا وذكره بالموت، وكما تقدم: كفى بالموت واعظة، وكما جاء عند البخاري من حديث ابن عمر قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، ثم ماذا كان يقول ابن عمر؟ «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح»، أي كن مستعدًا للموت، لو كل واحد منا استشعر هذا الشعور لما قصر وفرط في طاعة الله، لو كل واحد تذكر الموت في كل يوم يمر عليه وأنه قد يفجأه الموت الآن، فكم من ناس نشاهد ميتتهم، نشاهد ميتتهم ماتوا فجأة، ذاك في حادث، وذاك نام فلم يستيقظ، وليس بهم مرض ولا شي، وليس هم شيوخًا كبارًا، فاجأهم الموت، أليس من المتوقع أن تكون مثلهم؟ بلى، ما ندري، لعلنا ننام فلا نقوم، أو الكهرباء واللات، أو يحصل لنا أي شيء فيفاجئنا الموت، فإذا نستعد، هذا موعظة من الناظم إلى المنصوح. «وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاح أنت أريد أنت»، لا أريد غيرك بل أنت المعني بالموت اليوم، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. ثم قال: «أراك تحب عرسا ذات خدر أبدت طلاقها الأكياس بتا»، يقول لذلك المنصوح: أراك تحب عرسا، أي أراك منشغل بهذا الأمر وهو العرس، وهي الزوجة، ذات خدر، أي البكر التي لا تزال في خدرها، يعني تحب تلك العروس الصغيرة التي لا تزال في خدرها، ويضرب بها المثل في الحياء، إذن قالت عائشة: «كان حياء النبي صلى الله عليه وسلم أشد من العذراء في خدرها»، والخدر هو المخبأ التي تكون مختبئة فيه تلك البكر وتلك العذراء. ولكن يريد هنا بالعرس ليست الزوجة حقيقة، إنما يريد بالعرس هنا الدنيا، فشبهها في جمالها وزينتها وزخرفها والافتتان بها بالعروسة الجميلة العذراء التي تكون في خدرها، ومعنى ذلك يقول له: أنك منشغل وأنك محب لهذه الدنيا، لهذه الدنيا، «أراك تحب عرسا ذات خدر» يعني تحب هذه الدنيا والافتتان بها والانشغال بملهياتها. «أبت طلاقها الأكياس بتا»، أبت: أبدت، بمعنى طلقوها، يعني أبت طلاقها هو الطلاق الذي يكون طلاقًا باتًا، أي بائنًا، لأن الطلاق ينقسم إلى طلاق رجعي وطلاق بائن، صح؟ الطلاق الرجعي: تطلق زوجتك طلقة واحدة أو طلقة ثانية ولا تزال في العدة، فهذا يسمى طلاقًا رجعيًا، تستطيع ترجع هذه الزوجة، لكن إذا طلقتها ثلاثًا خلاص هذا يسمى طلاقًا بائنًا، لا تستطيع أن ترجعها، أو طلقتها الطلقة الأولى والثانية ثم انتهت عدتها، انتهت عدتها، فهذا يسمى طلاقًا بائنًا، لكن البينونة قد تكون صغرى وقد تكون كبرى، فأنت تستطيع أن ترد هذه المرأة لكن بعقد جديد إذا في الأولى والثانية وقد انتهت عدتها، لكن إذا طلقتها الطلقة الثالثة ما تستطيع أن تردها إلا أن تنكح زوجًا غيرك، صح؟ فهنا يقول: هذه الدنيا طلقها الأكياس طلاقًا بائنًا باتًا لا رجعة فيه، والمراد بالأكياس هنا هم الفطناء، هم الفطناء، والكيس هو النبه الفطن، وجاء حديث لكنه لا يصح، ومنهم من صححه، ووقوفًا على عمر وهو قولهم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت»، فالمراد بالكيس أي الفطن. فمراد هذا البيت أن الفطناء العقلاء طلقوا هذه الدنيا ولم يرجعوا إليها ولم يفتتنوا بها، فلم تغرهم ولم تشغلهم ولم تلههم عن طاعة الله عز وجل. وقال الآخر: «إن لله عبادًا فطنًا طلقوا الدنيا وخافوا الفتن، نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطن جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنًا»، هؤلاء هم العقلاء الفطناء الأكياس، لا ينشغلون بالدنيا ولا يجعلونها في قلوبهم بل يجعلونها في أيديهم، لا تسيرهم ولا تتحكم فيهم بل هم الذين يتحكمون فيها، لا يضيعون الصلاة من أجلها، ولا يتركون العلم من أجلها، ولا يتركون ما أوجب الله عز وجل عليهم من أجلها، ولا يعصون الله من أجلها، هذا هو معنى طلاق الدنيا. ليس معنى طلاق الدنيا أن تترك الدنيا بالكلية، فهذا لا يستطيعه أحد، لا أنا ولا أنت ولا غيرنا، لأن الإنسان لا بد له من أن يعف نفسه وأن يعف أهله ومن يعول، ولكن المراد بطلاق الدنيا هنا عدم الاشتغال بها وعدم إيثارها على الآخرة، هذا معنى قوله: «أبت طلاقها الأكياس بتا»، يعني لا ينشغلون بها ولا يلتهون بها عما هو أعظم، من أمور الآخرة، من أمور الآخرة، فلم تغرهم الحياة الدنيا ولم يغتروا بها. وقد جاء عن علي بن أبي طالب، ورواه أبو نعيم في الحلية، وهو أثر إن شاء الله ثابت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال وهو يخاطب الدنيا: «يا دنيا غري غيري، يا دنيا غري غيري، إلي تعرّضي أو إلي تشوّفي، هيهات هيهات، غري غيري، قد بتّك ثلاثًا»، يعني طلقتك ثلاثًا، «ثم قال: فعمرك قصير، ومجلسك حقير»، إلى آخر ما جاء في هذا الأثر. هكذا هو حال العقلاء، إذا رأيت الدنيا... نعيده طيب. قال علي رضي الله تعالى عنه: «يا دنيا غري غيري، إلي تعرّضي أو إلي تشوّفي، هيهات هيهات، غري غيري، قد بتّك ثلاثًا، قد بتّك ثلاثًا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير»، إلى آخر ما ذكر رحمه الله. فهكذا كان السلف رحمهم الله تعالى، إرادتهم عالية ومقاصدهم سامية، لم تغرهم هذه الدنيا. ثم قال رحمه الله تعالى: «تنام الدهر ويحك في غطيط بها حتى إذا ميت انتبهت». قوله: «تنام الدهر ويحك في غطيط»، المراد بالنوم هنا الاستمرار في الغفلة، الاستمرار، الاستمرار في الغفلة، ولهذا تسمى الاستقامة بعد الغفلة ماذا؟ يقظة، قال فلان: كان في غفلة ثم الآن صار في يقظة، ها ثم صار في يقظة، وخطأ العلماء أن تقول في صحوة، لماذا الصحوة الإسلامية؟ لأنك كأنك تقول كان هناك ماذا؟ كان هناك لا يوجد من هو صاح، وهذا منافٍ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق»، لكن يمكن تقول: فلان فقط، فلان كان في غفلة فصار في يقظة أو في صحوة لا بأس، أما تقول: الصحوة الإسلامية، فهذا العلماء أنكروه، لأن الصحوة موجودة سواء كان اليوم أو قبل اليوم، فالمهم. قوله: «تنام الدهر»، المراد بالنوم هنا الاستمرار في الغفلة، يعني أنت مستمر على الغفلة، «ويحك»، وويح تستعمل لشيء من التهديد مع التخويف، ففيها نوع من الإشفاق، يعني تهدده وتخوفه لكن تريد له الإشفاق والرحمة، بخلاف «ويل»، «ويل» كلمة تهديد لكنه لا إشفاق فيها، ما قال: «تنام الدهر ويلك»، قال: «ويحك»، لأن «ويح» نعم تفيد التهديد مع التخويف لكن فيها نوع من الرحمة، وهذا ورد حتى في بعض الأحاديث. فقوله: «تنام الدهر ويحك»، يعني يهدده، «في غطيط»، والغطيط هو صوت النائم، الغطيط صوت نائم، يقال له غطيط، خصوصًا النائم المستغرق في النوم، يقال له غطيط، ويقال له شخير، ويقال له خرير، ويقال له نخير، لما ينام يسمع الصوت عند الاستغراق في النوم، هذا يسمى الغطيط. فهو يقول: «تنام الدهر ويحك في غطيط»، يعني في نوم مستغرق وغفلة شديدة، هذا الآن يصور مدى شدة غفلة، أن غفلة هذا المنصوح غفلة شديدة، «بها حتى إذا ميت انتبهت»، يعني تنام الدهر في غطيط، يعني أنت في غفلة، حتى إذا ميت انتبهت، «بها» يعني في هذه الدنيا، حتى إذا ميت انتبهت، أي انتبهت أنك مخطئ وأنك في غفلة، فعندئذ لا يفيدك الندم، لا يفيدك الندم. فهذا معنى قوله: «تنام الدهر ويحك في غطيط بها حتى إذا ميت انتبهت»، فلذلك يقول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ١٩-٢٢]، يعني من هذا الموت، فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد، يعني الآن تشاهد الحق، وهل ينفع هذا؟ ما ينفع، ما ينفع، عند الموت تطلب ماذا؟ الرجوع والانتباه، هل ينفع الانتباه عند الموت؟ ما ينفع، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠]، ما ينفع الآن. فإذن متى ينفع الانتباه؟ قبل الموت في وقت الإمكان، وكأنه يقول له: أنت الآن في غفلة، متى ستنتبه؟ هل ستنتبه إذا جاءك الموت؟ وهل إذا جاء الموت ينفع هذا، ينفع هذا الانتباه؟ ما ينفع، إذن من الآن انتبه في وقت الإمكان قبل أن يفجأك الموت. هذا هو المعنى. ثم قال له: «فكم ذا أنت مخدوع وحتى متى لا ترعوي عنها»، وحتى، يقول له يعني: يقول الناظم للمنصوح: إلى متى وأنت مخدوع بهذه الدنيا؟ ومن علامات ودلائل خداعك بها الغفلة التي تعيشها، «فكم ذا أنت مخدوع»، وحتى متى ستخدع؟ إلى متى ستخدع بهذه الدنيا؟ و«كم» هنا للتكثير، «كم» هنا للتكثير، فإلى متى هذا التمادي في الغفلة؟ «متى لا ترعوي»، ومعنى ترعوي يعني تكف، متى لا تكف عن هذه الدنيا؟ فترعوي بمعنى تكف عنها، يعني إلى متى وأنت مستمر على انكبابك عليها وانشغالك بها دون أن تكف عن ذلك وتستيقظ عن هذه الغفلة والرقدة؟ فهو يدعوه إلى ماذا؟ إلى أن يصحو وأن يستيقظ من غفلته، وأن لا ينخدع بهذه الدنيا. فهذه الأبيات كما سمعت فيها تذكير للمنصوح بهذه المواعظ العظيمة، من التذكير بمرور الأيام والأعوام، ومن التذكير كذلك بالموت، وعدم الافتتان بهذه الدنيا، والصحو واليقظة من الغفلة، والاستعداد للقاء الله عز وجل، ونحو ذلك من المواعظ. مكتفي في هذا الدرس في ذلك، ونكمل إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.