الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 60، ألقاها
يتناول تورع السلف في رواية الحديث النبوي وتوقيرهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم وتجنبهم الرواية مباشرة خشية الخطأ. يُظهر أمثلة من أقوال وأفعال السلف في هذا السياق.
يذكر تحفظ بعض الصحابة في رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم خشية الخطأ أو الزيادة أو النقصان، مع ذكر أمثلة لآثار صحيحة تبين تحفظهم.
يتناول تحذير السلف من التحدث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم بغير تثبت، ويستشهد بآثار لبعض الصحابة والتابعين الذين كانوا يتورعون عن رواية الحديث خشية الزيادة أو النقصان.
يُظهر المقطع كيف يتعامل الرواة مع الشك في بعض الألفاظ عند رواية الحديث النبوي، حيث يذكرون المعنى ولا ينسبون للنبي ما لم يقل، ويستخدمون عبارات محددة لتحقيق الدقة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب من هاب الكتابة مخافة السقط. قال: أخبرنا أبو النعمان قال: حدثنا ثابت بن يزيد قال: حدثنا عاصم قال: سألت الشعبي عن حديث، فحدثنيه، فقلت: إنه يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لا، على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا، فإن كان فيه زيادة أو نقصان كان على من دون النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الأثر صحيح إلى الشعبي، وهذا من باب التورع أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما يزيد أو ينقص في الرواية، وفي الحديث، فيحب أن ينقل عن من دون النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة فمن دونهم؛ لأن كلام غير النبي صلى الله عليه وسلم لو زاد فيه أو أنقص من غير قصد وتعمد لا يؤخذ عليه، بخلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم، قد مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وقال: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد». فمن هذا الباب تورع كثير من السلف رضوان الله عليهم ورحمهم الله من التحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا سيأتي معنا في كثير من الآثار قولهم: إذا حدثوا عن النبي عليه الصلاة والسلام مثله أو شبهه أو كما قال رسول الله، إذا لم يكن متيقنا ومتثبتا ومتأكدا من لفظ الحديث، فرواه مثلا بالمعنى، فيقول: أو كما قال رسول الله. وهذا كما سمعنا من باب التورع في الرواية. قال رحمه الله: أخبرنا إسحاق بن عيسى قال: حدثنا حماد بن زيد عن أبي هاشم عن إبراهيم، أي النخعي، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة. فقيل له: أما تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا غير هذا؟ قال: بلى، ولكن أقول: قال عبد الله، قال: وَأَلْقَمَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وهذا الأثر مرسل صحيح، يعني السند إلى إبراهيم صحيح، لكن قوله: قال رسول الله، هذا مرسل، والمرسل من قسم الضعيف، إلا أن هذا الحديث قد صح رفعه للنبي عليه الصلاة والسلام من طرق كثيرة، كما في الصحيحين، وهو حديث صحيح. لكن قوله: أقول: قال عبد الله، قال: عَلْقَمَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ، يعني كإشارة إلى أن روايته عن غير النبي صلى الله عليه وسلم هذا أحب إليه، ولخطأ فيها، يعني دون الخطأ في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أخبرنا محمد بن كثير، وهو الصنعاني، ضعيف، قال: عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله قال: كان أبو الدرداء إذا حدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا أو نحوه أو شبهه أو شكله. والأثر فيه ضعف. قال: أخبرنا أسد بن موسى قال: حدثنا معاوية عن ربيعة بن يزيد قال: كان أبو الدرداء إذا حدث حديثا قال: اللهم إلا هكذا أو كشكله. وربيعة لم يدرك أبا الدرداء، فهو منقطع. قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا ابن عون عن مسلم أبي عبد الله عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عمر بن ميمون قال: كنت لا تفوتني عشية خميس إلا آتي فيها عبد الله بن مسعود، فما سمعته يقول لشيء قط: قال رسول الله، حتى كانت ذات عشية فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فاغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه، فأنا رأيته محلولة أزراره، وقال: أو مثله أو نحوه أو شبيه به. وهذا الأثر صحيح إلى ابن مسعود، وهذا من تعظيمه للنبي عليه الصلاة والسلام وتوقيره له، وخوفه من التحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن يخطئ فيه أو يزيد أو ينقص، فكان يقل الرواية عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا حدث به أصابه ما أصابه من الخوف من الخطأ في روايته عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه لسنته وحديثه عليه الصلاة والسلام. وقوله: أو مثله أو نحوه أو شبهه، هذا من باب التورع خشية أن يخطئ فيزيد أو ينقص، فيقول: مثله أو شبهه أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أشعث بن سوار، وهو ضعيف، قال: عن الشعبي وابن سيرين أن ابن مسعود كان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأيام تربد وجهه، يعني تغير، وقال: هكذا أو نحوه، هكذا أو نحوه. والأثر يعني صحيح بما قبله. قال: أخبرنا سهل بن حمد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا توبة العنبري قال: قال للشعبي: أرأيت فلانا الذي يقول: قال رسول الله، قال رسول الله؟ قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفا، فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا إلا هذا الحديث. وهذا الأثر صحيح إلى الشعبي. قال: وأخبرنا أسد بن موسى قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي قال: جالست ابن عمر سنة، فلم أسمعه يذكر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا أيضا حسن. قال: وأخبرنا عاصم بن يوسف قال: حدثنا أبو بكر عن أبي حصين عن الشعبي عن ثابت بن قطبة الأنصاري قال: كان عبد الله يحدثنا في الشهر بالحديثين أو الثلاثة. وهذا أيضا صحيح بشواهده. قال: أخبرنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا يونس عن عبد الملك بن عبيد قال: مر بنا أنس بن مالك، فقلنا: حدثنا ببعض ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أَوَ أَتَحَدَّثُ. وهذا أيضا الأثر صحيح، أَوَ أَتَحَدَّثُ، يعني من الوقوع في الخطأ أو المؤاخذة في التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخطأ في ذلك. قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن ابن عون عن محمد قال: كان أنس قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا صحيح. قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: حدثني السائب بن يزيد قال: خرجت مع سعد إلى مكة، فما سمعته يحدث حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رجعنا إلى المدينة. وهذا أيضا الأثر صحيح. قال: وأخبرنا سهل بن حمد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا بيان عن الشعبي عن قرضة بن كعب أن عمر شيع الأنصار حين خرجوا من المدينة، فقال: أتدرون لم شيعتكم؟ قلنا: لحق الأنصار. قال: إنكم تأتون قوما تهتز ألسنتهم بالقرآن اهتزاز النخل، يعني كثير القراءة للقرآن، فلا تصدوهم بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا شريككم. قال: فما حدثت بشيء وقد سمعت كما سمع أصحابي. وهذا الأثر صحيح. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أشعث بن سوار عن الشعبي عن قرضة بن كعب قال: بعث عمر بن الخطاب رهطا من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم، فجعل يمشي معنا حتى أتى صرار، وصرار ماء في طريق المدينة، فجعل ينفض الغبار عن رجليه، ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوما لهم أزيز بالقرآن، يعني صوتا من كثرة قراءتهم، فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد، قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فعلموا أن أسبغ الوضوء ثلاث، وثنتان تجزيان، يعني قلل من التحديث، أقلل، أقللوا من التحديث، فكما أن الثلاث في إسباغ الوضوء أكمله ثلاث، فالثنتين تجزئ إذا كان إسباغه بثلاث، فالوضوء بالمرتين مجزئ، فهكذا مقصوده أنكم إذا كان التحديث بالكثير جائز، فالقليل مجزئ، فعليكم بالقليل. قال: ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوما لهم أزيز بالقرآن، فيقولون: قدم أصحاب محمد، قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا شريككم فيه. قال قرضة: وإن كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لمن أحفظهم له، فإذا ذكرت وصية عمر سكت، يعني عن التحديث، عملا بوصية عمر من التقليل من الرواية. قال أبو محمد، يعني المؤلف رحمه الله الإمام الدارمي: قال: معناه عندي الحديث عن أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس السنن والفرائض، يعني الذي أوصاهم به عمر رضي الله عنه من التخليط في الأحاديث عما كان عن أيام رسول الله وما يتعلق بذلك، يعني من أموره عليه الصلاة والسلام وغزواته نحو ذلك، ليس المقصود بذلك السنن والفرائض والواجبات فيما يتعلق بالصلاة والصيام وغيرها من الأحكام. قال: وأخبرنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا من نمير عن مالك بن مغول عن الشعبي عن علقمة قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتعد، ثم قال: نحو ذلك أو فوق ذلك. وهذا الأثر صحيح، والأثر الذي قبله صحيح بشواهده، وهذا أيضا من تعظيم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لحديث النبي عليه الصلاة والسلام والرواية عنه. قال: أخبرنا بشر بن الحكم قال: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث إلا أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتي بجمار، فقال: «إن من الشجر شجرا مثل الرجل المسلم»، فأردت أن أقول: هي النخلة. قال: فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، فسكت. قال عمر: وددت أنك قلت. وهذا الحديث في الصحيحين. قال: أخبرنا بشر بن الحكم قال: حدثنا خالد بن يزيد الهدادي قال: حدثنا صالح المهان قال: ما سمعت جابر بن زيد يقول: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إعظاما واتقاء أن يكذب عليه. وهذا الأثر حسن. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرنا روح عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن شقيق قال: جاء أبو غريرة رضي الله عنه إلى كعب يسأل عنه، وكعب في القوم، فقال كعب: ما تريد منه؟ قال: أما إني لا أعرف لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون أحفظ لحديثه مني. فقال كعب: أما إنك لن تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوما من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا. فقال: أنت كعب؟ قال: نعم. قال: لمثلي هذا جئت؟ يعني الأجل لقاءك ومجالستك والسماع من أمثالك. وهذا الأثر فيه انقطاع، رواه الإمام الحاكم في المستدرك، وحكم عليه الإمام الذهبي رحمه الله بالانقطاع. وقوله: لن تجد طالب شيء إلا سيشبع يوما من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا، هذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في السنن من حديث أبي هريرة. قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا الشبل عن عمر بن دينار عن طاوس قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أعلم؟ قال: «من جمع علم الناس إلى علمه». وكل طالب علم غرثان إلى علم. وهذا مرسل وضعيف. قال: أخبرنا سعيد بن عامر عن الخليل بن مرة عن معاوية بن قرة قال: كنت في حلقة فيها المشيخة، وهم يتراجعون، فيهم عائذ بن عمر، فقال شاب في ناحية القوم: أفيضوا في ذكر الله، بارك الله فيكم. فنظر القوم بعضهم إلى بعض، في أي شيء رآنا؟ ثم قال بعضهم: من أمرك بهذا؟ فمر، فمر، لئن عدت لنفعلن، ولنفعلن. فهذا الأثر ضعيف. قال: أخبرنا يوسف بن موسى قال: أخبرنا أبو عامر قال: حدثنا قرة بن خالد عن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله: نعم المجلس مجلس ينشر فيه الحكمة، وترجى فيه الرحمة. وعون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود، فهو منقطع، وإن كان معناه صحيح. فأفضل المجالس مجالس العلم التي تنشر فيها الحكمة، وكذلك يسمع فيها كلام الله، كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، وترجى فيها رحمة الله جل وعلا. فخلاصة هذا الباب: تورع السلف رحمهم الله عن التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم خشية الزيادة أو النقصان. وهكذا ينبغي على طالب العلم أن يتورع في التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإقلال إلا عند الحاجة. وإذا حدث وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام، فإن كان متشككا في بعض ألفاظه، فذكره بمعناه ونحو ذلك، فيقول: أو كما قال رسول الله، أو نحوه، أو مثله، تورعا أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل.