الدرس في شرح القواعد المثلى 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشيخ ردًا على شبهة أهل التحريف الذين يزعمون أن أهل السنة حرفوا النصوص، مستدلين بثلاثة آثار نسبت للإمام أحمد، ويبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية كذب هذه النسبة، ثم يشرع في تفنيد دلالات هذه الآثار الظاهرية.
يبيّن المقطع أن حديث «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» حديث باطل لا يثبت عن النبي ﷺ، وقد حكم بوضعه أئمة كابن الجوزي وابن العربي وابن تيمية والألباني، ويوضح أن الاستدلال به فرع عن ثبوته، مع ذكر تفسير ابن تيمية وابن عثيمين بأن معناه عهد وميثاق عند الحجر لا صفة حقيقية، وأن التشبيه في «كأنما صافح الله» إنما هو تشبيه لتجديد العهد لا حقيقة.
أشار المتحدث إلى أن الشبهات المطروحة تحتاج إلى تركيز ودراسة متأنية، لذا تقرر تأجيلها إلى درس قادم إن شاء الله، واكتفى بهذا القدر في جلسة الليلة مختتماً بالقول: والله تعالى أعلم.
الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا في أول الفصل الرابع الذي يتعلق بالشبهات والجواب عنها، فذكر الشيخ أن أهل التحريف أوردوا على أهل السنة شبهة، ومن ذلك يزعمون أن أهل السنة حرفوا في بعض النصوص. وهم يقولون: يا أهل السنة، إما أن توافقوا على ما أولناه فتؤولوا جميع النصوص، وإما أن تسكتوا عنا تداهنون وتسكتوا عنا لأنكم وقعتم فيما وقعنا فيه. والشيخ رد على هذه الشبهة بجوابين: جواب مجمل، وجواب مفصل على كل نص زعموا أن أهل السنة حرفوه. فذكر من الجواب المجمل: أننا لا نسلم أن تفسير السلف لهذه النصوص صرف عن ظاهرها، بل فسروها بظاهرها الذي يتبادر منه المعنى، وذلك باختلاف السياق وما يضاف إليه الكلام، كما تقدم معنا في قواعد متقدمة. هذا الرد الأول المجمل: أننا لا نسلم ولا نوافق أهل التحريف أن أهل السنة عندهم تحريف كتحريفهم. والجواب الثاني: أن أهل السنة وإن صرفوا اللفظ عن ظاهره، فلهم في ذلك أدلة، إما متصلة وإما منفصلة. وعرفنا ما معنى متصلة: أنها تأخذ من نفس الدليل، مثل قوله تعالى: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، فأهل السنة يقولون: إن الباء هنا ليست للمعية، وإنما هي للمصاحبة، وفرق بين المعنيين. وأما المنفصل: فقوله الله عز وجل: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴾، والسفينة في الأرض، فكيف نفسر الآية على ما أرادوا هؤلاء بأن السفينة في أعين الله عز وجل؟ الذين يزعمون أن هذا ظاهر الآية. فأنتم هذا الآن، هذا هو الرد المجمل. ثم انتقل الشيخ رحمه الله إلى الرد المفصل، وذكر الأمثلة على ذلك. قال رحمه الله: «ولنمثل بالأمثلة التالية». ف نبدأ بما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية أنه قال: «إن أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أشياء: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، وإني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن». نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى، وقال: «هذه الحكاية كذب على أحمد». أراد بهذا النقل الشيخ رحمه الله أن يبين ما هي النصوص التي يحتج بها أهل التحريف على أن أهل السنة حرفوا في النصوص كما حرف المحرفة. فذكر الشيخ هذا الأثر الذي نقله الغزالي عن بعض الحنبلية بقوله: «أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء»، ويريد بالتأويل يعني التحريف، تحريف اللفظ عن ظاهره. ولكن نبه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أن هذه الحكاية كذب على أحمد، أنها كذب على أحمد، وأنه لم يرد عنه ذلك. ولكن مع هذا، فإن هذه شبه المخالفين لأهل السنة، فهذه أمثلة ثلاثة نسبت إلى الإمام أحمد ولم تصح عنه. في قوله: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، فقال أهل التحريف: لو أخذتم يا أهل السنة بظاهر هذا الحديث، لكان المعنى أن الله عز وجل بجانب الحجر الأسود، فيقع الحجر الأسود عن يمين الله، عن يمين الله. فهذا يزعمون أنه ظاهر النص، ومعنى ذلك أن الله في الأرض، تعالى الله عن ذلك، وأن الحجر الأسود عن يمينه. والحجر الأسود معروف أينه في الكعبة. فهمتم هذا الآن؟ هؤلاء يزعمون أن ظاهر الحديث هذا، وسيأتي الرد عليه. والحديث الثاني: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن». قالوا: ظاهر الحديث أن قلوب العباد مماثلة لأصابع الرحمن، لأصابع الرحمن. طيب، فأصابع الرحمن في الأرض، قلوب العباد في الأرض، فزعموا أن الله سبحانه وتعالى في الأرض. يعني يقولون: هذا يلزم منه هذا الحديث. فهل أنتم يا أهل السنة تقولون بهذا؟ فإنتم... الشبهة الآن هذه هي شبهتهم. والشبهة الثالثة: «وإني أجد نفس الرحمن قبل اليمن». وقالوا: إذن ظاهر الحديث أن نفس الرحمن في الأرض، لأن اليمن في الأرض. واضح هذا الآن. وهم يقولون: هذا ظاهر الحديث. فالشيخ تناول هذه الشبه ورد عليها بالرد المجمل أولاً كما تقدم. فنقول: أولاً، لا نسلم لكم أن هذا الذي ذهب إليه أهل السنة من عدم شرح أو تفسير هذه الأحاديث كما فسره المعطلة، وألزموا أهل السنة بهذا التفسير. بل السياق يدل على معنى آخر تدل عليه الأدلة. فمثلاً في الحديث الأول: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، على فرضية صحته، وإلا فالحديث كما سيأتي في متن هذا الكتاب عن الشيخ ابن عثيمين أن هذا الحديث لا يثبت. لكن على فرضية صحته، طيب، كما ذكر ذلك أيضاً شيخ الإسلام، أن معنى هذا الحديث: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، انظر إلى لفظة «في الأرض»، إلى لفظة «في الأرض». فأول نرد رداً مجملاً، فنقول: لا نسلم لكم أن هذا تأويل أو تحريف مما سيذكره أهل السنة. والشيء الثاني: أن عليكم الدليل أن شرح أهل السنة لهذا الحديث لا يخرج عن ظاهر المعنى أو ظاهر لفظ هذا الحديث. فمثلاً: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، انظر إلى لفظة «في الأرض»، انظر إلى لفظة «في الأرض». فهناك معنى، أدل أن الله عز وجل في السماء، فمعنى دليل منفصل يدل على أن المراد ليس كما فهمه هؤلاء وألزموا أهل السنة به. فإذا، ما معنى هذا الحديث؟ معنى هذا الحديث: أن من أراد أن يعاهد الله، أن يعاهد الله، وأن يأخذ بهذا الميثاق، فأقوى ما يكون عند الحجر الأسود. فإن هذا البيت بيت معظّم، بيت معظّم. ولذلك كان حتى أهل الجاهلية إذا أرادوا أن يوثقوا أمراً أتوا إلى موضع البيت، أتوا إلى موضع البيت. فشيخ الإسلام فسر الحديث بهذا المعنى، كما نقل ذلك عنه الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله في متن هذا الحديث، كما سيأتي معنا. فيكون المراد بذلك: «يمين الله في الأرض»، يعني لا يجوز أبداً أن يفسر بما فسره به أهل التحريف، وإنما المراد كما قال شيخ الإسلام: «فمن صافح هذا الحجر وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه»، وهو من باب التوثيق في أخذ العهد والميثاق. ولذلك جاء في الحديث: «يشهد لمن استلمه بحق»، هذا الحجر يشهد لمن استلمه بماذا؟ بحق. مع أن الحديث لا يثبت، ومعروف عند أهل السنة أن الاستدلال بالحديث فرع عن ماذا؟ عن صحته. طيب، فإذا استدل عليك أهل الباطل بحديث لا يثبت، فتكفيهم المؤنة وتقول لهم: «ثبت عرشك ثم ماذا؟ ثم انقش». ثبت عرشك ثم انقش. أما تستدل علي بحديث لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلا نتعب أنفسنا في تأويل أو في الاستدلال بهذا الحديث. فهمتم هذا الآن؟ ولذلك قال الشيخ ها هنا بعدما ذكر هذه الأمثلة الثلاثة: «والجواب عنه» يعني عن هذا الحديث الأول، وهو «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، «الحجر الأسود يمين الله في الأرض». قال: «قال الشيخ: والجواب عنه أنه حديث باطل، ليس ضعيفاً فقط أو ضعيفاً جداً، بل حديث باطل لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال ابن الجوزي في العلل المتناهي، وهو كتاب فيه ذكر علل الحديث: «قال: هذا حديث لا يصح». وقال ابن العربي: «حديث باطل، فلا يلتفت إليه». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله بإسناد لا يثبت». وعلى هذا، فلا حاجة للخوض في معنى، لأن القاعدة: الاستدلال فرع عن ثبوت الحديث. فطالما أن الحديث لا يثبت، فإذن لماذا يلزمنا أهل التحريف بهذا الحديث وبتفسير وتأويل هذا الحديث؟ والحديث كما ذكر هؤلاء الأئمة أنه حديث باطل. وهكذا ذكر الشيخ الألباني في الضعيفة برقم مئتين وثلاثة وعشرين أنه متروك، حديث متروك. نعم، هذا أولاً. ومع هذا، على فرضية إلزام أهل التحريف لنا بهذا الحديث، فقد رد أهل العلم قول المحرفة باستدلالهم علينا بهذا الحديث على التحريف. فقال: «ولو قلنا بخلاف ما قال هؤلاء، فإن قولنا هذا ليس بتحريف، بل له دليل منفصل، كما سيأتي من كلام شيخ الإسلام». قال: «لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هو المشهور، يعني في هذا الأثر، إنما هو عن ابن عباس، قال: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه»». هذا هو اللفظ جاء عن ابن عباس. وفرق بين أن ينسب هذا القول إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فهو وحي وحق وصدق، وفرق بين أن يأتي الكلام عن صحابي، فقوله دون قول النبي عليه الصلاة والسلام، إلا إذا كان له حكم رفع. فبعضهم حكم عليه بأنه مرفوع حكماً، أنه مرفوع حكماً. وهل هذا منه؟ قالوا: لهذا ليس منه، لأنه يحتمل أن يكون قد أخذه من بني إسرائيل، من بني إسرائيل. لأن يشترط في الحديث الذي له حكم رفع إذا قاله الصحابي: ألا يكون ممن يؤخذ عن بني إسرائيل. وابن عباس يأخذ عن بني إسرائيل، وإن كان أخذه عن بني إسرائيل ليس كثيراً، ولكن يأخذ من بني إسرائيل، وقد روى بعض الآثار عنهم، فلعل هذا منه، فلعل هذا منه. فلذلك لا يكون له حكم رفع، والله تعالى أعلم. ومع هذا، على فرضية أن لو كان له حكم رفع، فسيأتي من كلام شيخ الإسلام المعنى الصحيح لهذا الأثر، المعنى الصحيح لهذا الأثر. فقال الشيخ ابن عثيمين: «قال: ومن تدبر اللفظ المنقول، يعني عن ابن عباس، تبين له أنه لا إشكال فيه، ليس فيه تأويل كما يزعم أهل التحريف. قال: فإنه قال: يمين الله في الأرض، ما قال: الحجر الأسود يمين الله. لو قال: يمين الله، يمكن يكون فيه إشكال، لأنه ما قيدت بالأرض. طيب، ما قيدت بالأرض. فقوله: فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه، هذا قد يكون فيه شيء من الإشكال. لكن لما قال: يمين الله في الأرض، فهل الله في الأرض؟ معنى دليل منفصل كما تقدم في الرد المجمل يدل على أن الله في السماء. فكيف الجمع؟ الجمع يقال كما سيأتي في كلام الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله». قال: «ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه، فإنه قال: يمين الله في الأرض، ولم يطلق، يعني ما قال: يمين الله فقط، فيقول: يمين الله. قال: وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم المطلق. ثم قال: فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه. وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلاً، ولكن شبهاً بمن يصافح الله، كما في قول الله عز وجل في بيعة الرضوان: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾، بمعنى ماذا؟ أن الله عز وجل أخذ عليهم هذا العهد والميثاق وهذه البيعة، فكأنه صافحهم، وكأن يعني وثق هذه البيعة بالمصافحة، وليس الأمر كذلك. فالله عز وجل في علوه سبحانه وتعالى. فهمتم هذا الآن؟». فكما قال هنا: «فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح»، يعني من صافح الحجر وقبل الحجر، فكأنما صافح الله وقبل يمينه. وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلاً، ولكن شبهاً بمن يصافح الله. فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله تعالى، الحجر ليس من صفات الله تعالى، كما هو معلوم عند كل عاقل. وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فإذا، معنى «الحجر الأسود يمين الله» يكون المعنى: يمين الله التي هي يده لا تكون في الأرض، لا تكون في الأرض. فيكون المعنى أنه... يعني المراد به العهد والميثاق، ومن قبل الحجر فكأنما... يعني أو صافح الحجر فكأنما، كما قال شيخ الإسلام، صافح يمين الله سبحانه وتعالى، وليس المراد بذلك حقيقة، كما تقدم معنا. وهذا ليس من التأويل أو التحريف. وهذا على فرضية صحة الحديث. وهذا هذا الآن، وبهذا تندفع هذه الشبهة بهذا الحديث، بهذا الحديث. يعني بعد قوله: ماذا؟ «كما هو معلوم، ومعلوم أن المشبه غير المشبه به». «كأنما صافح الله وقبل يمينه»، ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، يعني معلوم أن الله عز وجل... طيب، يقول هنا: «فمن صافحه، يعني صافح الحجر وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه، ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، يعني الحجر ليس هو الله، وليس صفة من صفات الله». فهمتم هذا الآن؟ فالمشبه غير المشبه به. شبه، يعني في هذا الحديث، تقبيل الحجر أو مصافحة الحجر بمصافحة الله عز وجل. وهل الحجر هو الله سبحانه وتعالى؟ لا. فهذا معنى قول: أن المشبه غير المشبه به. المشبه غير المشبه به. وهذا شيء معلوم. فكيف هؤلاء يلزمون أن المراد حقيقة: «كأنما صافح الله»؟ وإلا يعني: إما أن تقولوا بهذا، وإما أنكم تكونون ممن دخلتم في باب التحريف، في باب ماذا؟ التحريف. المشبه... ها؟ من المشبه؟ المشبه غير المشبه به. المشبه: الحجر، والمشبه به: الله عز وجل. المشبه غير المشبه به. لأن قال هنا ماذا؟ «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه». فشبه مصافحة الحجر بمصافحة الله. ها؟ واضح هذا الآن؟ هذا هو المشبه والمشبه منه؟ طيب. لأن الشبه هذه تحتاج إلى تركيز، وذلك نؤجل بغية الأحاديث إن شاء الله في درس قادم. نكتفي الليلة بهذا، والله تعالى أعلم.