الدرس في التبيان في شرح فضائل الصيام 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الحديث النبوي حول تصفيد الشياطين في رمضان ويتناول مسائل متعلقة بهذا التصرف مثل الألفاظ الواردة في الحديث والفرق بينها. يناقش حقيقة الشيطان وكيفية تعذيبه بالنار.
يناقش حقيقة تصفيد الشياطين في رمضان ويستعرض أقوال العلماء في تحديد الشياطين المصفدة. يرى بعضهم أن المقصود هم مسترقو السمع بينما يرى آخرون أنهم المردة أو جميع الشياطين باستثناء القرين.
يتناول الرد على من يستدل بوجود المعاصي في رمضان على عدم تصفيد الشياطين. يوضح أن هناك عوامل أخرى للشر غير الشيطان وأن تصفيد الشياطين يعني تقييد المردة منهم وليس جميعهم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا في هذه المجالس والموسومة بعنوان التبيان في شرح فضائل رمضان، لازلنا في ذكر تلكم الفضيلة، بل قل والخصيصة من خصائص رمضان، أنه شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وذكرنا المسائل التي تتعلق بهاتين الفقرتين، وها نحن نواصل في ذكر المنقبة الثالثة من مناقب رمضان، والتي جاء ذكرها في نفس الحديث، ويصفد فيها الشياطين. نبقى في هذا المجلس، إخواني في الله، في ذكر مسائل سريعة متعلقة بهذه الفقرة، تصفيد الشيطان. أولى مسائل هذه الفقرة: أولا، ما هي الألفاظ التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام لهذه المسألة؟ جاءت رواية: «وسلسلة الشياطين»، هذه جاءت في البخاري ومسلم، وجاءت رواية: «وصفدت الشياطين»، هذه جاءت في صحيح مسلم، وجاءت رواية: «وصفدت مردة الشياطين»، هذه جاءت في السنن، والرواية الرابعة: «وصفدت الشياطين ومردة الجن»، وهذه رواها الترمذي وابن ماجة، وحسنها العلامة الألباني. هذه الروايات جاءت في بيان من الذي يفعل بالشيطان، ويهمني في هذا المقام الإشارة إلى هاتين الكلمتين: «صفدت» و«سلسلت»، ما الفرق بينهما؟ قال علماء: التصفيد من الصفد، والصفد هو القيد، وهذا يكون في العنق، ومنه الأغلال، ولهذا جاءت رواية: «وغلت الشياطين»، هي بمعنى التصفيد، التصفيد والإغلال يكون في العنق، أي تجعل عليه السلسلة في العنق. وأما لفظ: «وسلسلة»، فإن السلسلة تكون في الأيدي وفي الأرجل، تكون في الأيدي وفي الأرجل، فهذا الذي يفعل بالشيطان، التصفيد والسلسلة في الأعناق وفي الأعضاء، متى يكون هذا؟ جاءت روايات: إذا كانت أول ليلة من رمضان، أول ليلة من رمضان تصفد الشياطين، على ما سمعنا من هذه القيود التي في الأعناق وفي الأعضاء. المسألة الثانية: يستفاد من ذلكم، إخواني في الله، التعرف على حقيقة الشيطان، وأنه كائن حي أوجده الله، خلقه الله عز وجل بكيانه، بذاته، وليس ما يدعيه أهل العقلانيين وما يدعيه الماديون، حينما يزعمون أن ما عندي شيطان، شيطان بمعنى تريدونه أنه كائن حي، لا ما عندي كائن حي. فإذا سألناهم: إذن ما الشيطان عندكم؟ قالوا: الشيطان عبارة عن رمز، رمز للشر، أو ما يعبر عندهم بمكام الشر، فلما يقول هذا إنسان يلعب عليه شيطانه، إذن شيطانه بمعنى مكام الشر، وهكذا يعبرون، مع الملائكة يقول: الملائكة ما عندي شيء اسمه ملائكة، أي كوائن كائنات ملكية ما عندي، وإنما الملك هو عبارة عن مكام الخير في الإنسان، وهذا أخوانا في الحقيقة هو كفر بعالم الشياطين وبعالم الملائكة، والذي يعتقده أهل الإسلام من أن الله عز وجل خلق الشيطان ككائن حي، وهكذا خلق الملائكة، وكل له عالمه. فالشيطان خلقه الله عز وجل من نار، والأدلة كثيرة جدا، وناسب هنا أن أستطرد في هذه المسألة، قد يقول قائل: إذا كان الشيطان خلق من نار، إذن كيف سيعذب بالنار؟ لن يشعر بها؛ لأنه سيرجع إلى بيئته وسيتلاءم معها، إذن كيف سيعذب بالنار وهو من نار؟ الجواب، إخواني في الله، ينبغي أن نفقه مسألة وهي حين أن نقول أن الشيطان من نار، بمعنى أصله من نار، أصله، أصل خلقته من نار، ثم بعد ذلك خلقه الله عز وجل ككائن حي، أوجد له الأعضاء، أوجد له الأجساد، أعطاه جسم يليق بقبحه وخبثه، فيه من الأعضاء، بل فيه من البرودة، فيه من البرودة، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما تمكن من أن يخلق شيطانا بيده عليه الصلاة والسلام، وضيق عليه الخناق، حتى قال عليه الصلاة والسلام: حتى وجدت برد لعابه على يدي، برد لعاب سال من هذا الشيطان اللئيم الذي أراد الإضرار برسول الأنام عليه الصلاة والسلام. فالشيطان هذا، كما نقول، من النار، أي أصله، وهذا مثله حينما يتحدث عن أنفسنا معاشر البشر، فبن آدم أو خلقهم الله عز وجل من ماذا؟ من تراب، هل معنى ذلك أننا نتلاءم مع التراب، وأن التراب لا يؤذينا؟ لا، معنى أننا خلقنا من تراب، أي أن أصل خلقتنا من تراب، ثم بعد ذلك تغيرت الطبيعة، وأوجد الله لنا الدماء والأعضاء والأشياء الرطبة والأشياء الصلبة، بل نتأذى من التراب، لو أن ذرة من التراب دخلت في عينك لربما آذتك، وأنت من التراب تتأذى من التراب، وهكذا الشيطان خلق، أي أصله من النار، لكنه يعذب بالنار ويتأذى من النار. المسألة الثالثة، إخواني في الله، هل هذا التصفيد حقيقي على ظاهره أم لا؟ إذا علمنا أن الشيطان كائن حي، وأخبرنا ربنا عز وجل بأن الشيطان يصفد في رمضان، هنا اختلف العلماء في هذه المسألة، في مسألة تصفيد الشيطان في رمضان، كيف هي؟ على قولين اثنين، من أهل العلم قال: أن تصفيد الشيطان هو تعبير مجازي، تعبير مجازي، وأن الشيطان حقيقة لا يصفد، بل هو مطلق، متروك، متروك، وإنما أراد الشرع من تصفيد الشيطان ما عليه أهل الإسلام في أيام رمضان من كثرة فعل الخيرات والإقبال على الطاعات، ومن تركهم للمنكرات والمحرمات، وي كأن الشيطان بينهم مصفد، وي كأنه مصفد، هو ليس مصفد، لكن لما كانت الشعوب المسلمة في هذا الشهر الفضيل مندفعة للطاعة والعبادة، كأن الشيطان ما صنع معهم شيئا، وكأنهم مصفد، هذا نعم، قال به جماعة من أهل العلم، باعتبار أن لفظ التصفيد لفظ مجازي. والقول الآخر، وهو الأوضح والأصرح، وهو الأصح، بأن التصفيد حقيقي، بأن الله عز وجل وضع الأغلال والسلاسل على رقابي وعلى أيدي وأرجل الشياطين، فهي مقيدة، فهي مقيدة؛ لأن الأصل في الكلام أن يحمل على حقيقته. المبحث الرابع من مباحث تصفيد الشيطان: من هم الشياطين الذين صفدوا؟ لا شك ولا ريب أن عالم الشياطين كبير، فهو عالم متنوع، متعدد في أشكاله، في أحجامه، في وظائفه، في أعماله، فمن المعني بالتصفيد؟ على أقوال عند أهل العلم، من أهل العلم من ذهب إلى أن التصفيد إنما هو خاص بمسترقي السمع، مسترقوا السمع، وهم طائفة من الشياطين، عندهم قدرة على الطيران إلى الأعلى، هذا كان صنيعهم في أيام الوحي، أنهم يسترقوا السمع من السماء في أيام نزول القرآن، هؤلاء منعهم الله عز وجل من استراق السمع، ولزال المنع قائم، إلا أنهم في رمضان يشدد عليهم حتى لا يتجرأوا على أن يلبسوا الوحي الشيطاني بالوحي القرآني، هذا قول. القول الثاني: من قال على أن الذي يصفد في رمضان هم المردة، المردة بمعنى الكبار، بمعنى العظام، والذين قد بلغوا في الشر مبلغا عظيما، هؤلاء هم الذين صفدوا، أخذا ببعض الروايات الحديث: «وصفدت مردة الشياطين»، قالوا: المردة هم الذين تصفد. والقول الثالث: قول من يقول أن التصفيد يكون لجميع الشياطين، لجميع الشياطين، ما عند استثناء لأحد، لا من كبير ولا من صغير، لا من قريب ولا من بعيد، لا الذي يطير والذي لا يطير، كل الشياطين تصفد، إلا إلا نوع واحد منهم، قالوا: القرين، القرين هذا لا يصفد، والفرق بين هذا وذاك أن القرين هو ممن هو فيك أنت، وأما بقية الشياطين المنفصلة عنك، هذه كلها تسلسل، كلها تسلسل، ما عدا القرين الذي بين جنبيك، والذي في صدرك، هذا ما يسلسل. وهؤلاء استدلوا، نعم، بأدلة من ذلك ما جاء في الصحيحين حينما خرج نبينا أو أراد أن يخرج من المسجد عليه الصلاة والسلام، وكانت معه إحدى زوجاته، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأوا نبينا مع امرأة ما عرفوها، أسرع في المشي، فدعاهما نبينا قائلا: «على رسلكما، إنها صفية»، ثم قال: «فخشيت أن يقذف الشيطان أو أن يلقي الشيطان في نفوسكما شيئا»، قد يقول قائل: ويش في هذا الحديث؟ هذا الحديث متى كان هذا؟ في رمضان، هذا كان في رمضان؛ لأن النبي خرج من معتكفه، أراد أن يوصل أهله، فأخبر نبينا هذه العبارة: «إني خشيت أن يلقي الشيطان»، إذن شيطان موجود يعمل، يوسوس، يضل، لكن من هذا الشيطان؟ القرين، هذا الذي عناه نبينا بقوله: «إني خشيت أن يلقي الشيطان في نفوسكما شيئا»، وفي لفظه: «شرا». فالحاصل أن هذه الرواية تدل على أن الشيطان كان حاضرا في رمضان، كذلك استدلوا بأن الصائم يحتلم في نهار رمضان، والاحتلام من الشيطان، والاحتلام من الشيطان، فأثبتوا على أن الشيطان وهو من نوع القرين هذا ما يصفد، وأما بقية الشياطين عن بكرة أبيها تصفد، لعموم الأحاديث: «وصفدت الشياطين». هل معنى ذلكم أن الشيطان القرين الذي ما صفد لا بالسلاسل ولا بالأغلال أنه كما هو بقوته؟ الجواب: لا؛ لأن الشيطان القريني الذي خرج وهرب من السلسلة والأغلال موجه بأمر آخر، بماذا؟ بالصوم، الصوم، الصوم يضعفه، يؤذيه، وهو أشد عليه من السلسلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»، هو يسير، القرين يسير في عروقنا، في دمائنا، لكن عندما تصوم، ما الذي يكون في العروق؟ تجف، في الينابيع تجف، لا طعام، لا ماء، لا زاد، فتجف العرو، تجف في العروق، هي في الحقيقة تجف، وتضييق على الشيطان، ولهذا يقل الشيطان القريني عن دوره، وعن فعله، وعن وسطه، فهذا إخواني في الله هي أقوال العلماء في مسألة تصفيد الشياطين. تأتي المسألة التي بعد هذه، وهي المسألة الرابعة: ما الحكمة من تصفيد الشياطين؟ الحكمة، إخواني في الله، كما قال العلماء: فيها إشارة إلى أن الله عز وجل فتح أبواب الخير لعباده الصالحين، وذلك أن صفد الشياطين، فأضعفت، وضعفت في وسوستها، وإغوائها، وإغرائها، فيرى المسلم من نفسه في رمضان من حب الطاعة والإقبال ما لا يجده في أي شهر من الشهور. وانظر، يا عبد الله، في هذا الشهر الفضيل، لربما أناس ما كانوا على صلاة، ولا كانوا على صلاح، ولا كانوا على فلاح، ولا كانوا على تقى، ولا يعرفون بيوت الله، إذ بهم في رمضان أقبلوا، فرادى وجماعات، وهذا من توفيق الله، أن الله عز وجل عندما صفد الشياطين، كان في ذلك الخير لهذه الأمة المحمدية، بأن تستغل هذا الموسم العظيم بما أعده الله لأهله من خير الدنيا والآخرة. هنا تتفرع مسألة أشار إليها الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: على أن من حكمة تصفيد الشيطان في رمضان: أنه لا يبقى لأحد مننا عذر في ترك الطاعة والعبادة، بالأمس عندما كان الناس يتواصون بالخير، منهم المعرض، منهم المدبر، بحجة ماذا؟ «الشيطان، الشيطان لاعب علينا، الشيطان الذي أغواني، أخزاه الله، ضيعني عن الصلاة»، هذا حجتك ما قبل رمضان، لكن في رمضان ما هي حجتك؟ هو الشيطان قد صفد، ابحث عن علة أخرى. ولهذا قال حافظ بن حجر رحمه الله تعالى: أن في ذلك الرد، وماذا؟ وإزالة عذر من احتج بالشيطان في ترك الطاعة والعبادة، كذلك، إخواني في الله، مما يذكر من مسائل هذه الفقرة: «وصفدت الشياطين»، مسألة وهي: إذا كان الشيطان مصفد، فعلى ما نجد الشر لا زال في الأمة؟ نجد الشر لا زال موجودا بكثرة، نجد من بعض الناس للأسف من يقع في الفجور، بل من الناس من يترك رمضان، ما يصوم رمضان، هذا من أعظم الشر، من أعظم الشر. فيقول بعض الناس: إذن كيف نجمع بين أن الناس قد منعوا من الشياطين، وهاهم يقعون في المعاصي والآثام؟ الجواب، إخواني في الله، ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم: أن هذا يعود لعدة أمور، أولا ما ذكرنا: أنه على القول الصحيح أن الذي يصفد هم المردة، المردة، إذن غير المردة، وهم صغار الشياطين، هؤلاء لا زالوا طلقا، وهؤلاء الذين يفعلون بنا الأفاعيل، يفعلون بنا الوسوسة، ويؤذوننا بإغرائهم وإغوائهم. القول الثاني: قال العلماء في مسألة وجود الشر والمعاصي في رمضان: أن هذا يعود إلى طبيعة الإنسان، أو قل ما كان عليه الشيطان قبل رمضان، الشيطان يعلم أنه إذا جاء رمضان سيصفد، فما الذي يفعل؟ فهو قبل رمضان يحاول أن يشحن المسلم بالشر، يشحن المسلم بالشر والشرور، ويعب قلبه ورأسه وشهوته بالشيء الكثير، فإذا مسك الشيطان أصبح ما عند الإنسان من الشحن يبقى معه، يبقى معه، هكذا قال العلماء، فهي من آثار وساوس الشيطان قبل رمضان. الأمر الثالث: قال العلماء: أن الشيطان ولو صفد، فليس هو كل الشر، هو نعم هو الجانب الأكبر من الشر، لكن هناك وسائل للشر غير الشيطان، فهناك الرفق السيئة، كم من إنسان لربما على خير، وقد منع عنه شيطانه، شيطان الجن، لكن لا زال شيطان الإنس طليق، من أهل الفجور والمجون، ممن لا يرفع للدين رأسا، هؤلاء لربما جرجروك إلى المعاصي والذنوب، واغمسوك في الرذائل، فهذا عامل من عوامل الفساد لا زال طليقا. كذلكم النفس الأمارة بالسوء، وما أبرئ نفسي، «إن النفس لأمارة بالسوء»، فلا زال الإنسان في رمضان نفسه تحدثه بفعل الشر والخنى، وكذلك ما يكون من الركون إلى الدنيا والانبطاح إليها والانغماس فيها، فالدنيا كذلك تصد عن طاعة الله، تلهيك عن عبوديتك لربك جل وعلا. فالشاهد: الفقرة الثالثة أن عندي الكثير من العوامل تصدك عن طاعة الله جل وعلا، ولو صفد الشيطان، ولهذا لا نرى، لا زلنا نرى من الشر ما هو موجود في أيام رمضان. والأمر الرابع في الرد على من يقول: كيف المعاصي تنتشر في رمضان والشياطين صفدت؟ ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم: من أن الشيطان ينبغي أن نفهم: الشيطان في رمضان لا يقتل، لا يموت، وإنما يسلسل، عملية السلسلة هذه ما فائدتها؟ تخيل إنسان ركب بالسلاسل والأغلال، من رأسه، من عنقه، إلى سائر أعضائه، تكون حركته ماذا؟ عسيرة، فهو يتحرك، يتحرك، لا نقول: ما يتحرك، يتحرك، لكن بعسر، يتحرك بعسر. فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن الشيطان لا يموت ولا يقتل في رمضان، بل يبقى، لكن يتحرك بعسر، فتبقى وسوسته موجودة، لكن قليلة، ضعيفة، ثم هذا يعتمد على حال الصائم، على حال الصائم، فقال: فمن كان صومه أكمل، كان دفعه للشيطان أقوى، ومن كان في صومه ضعف، فهو في رده أضعف، وهذا هو الصحيح. فالشيطان يأتيه، وهو مثقل بالحديد، مثقل بالأغلال، يوسوس له على ترك الصلاة، على التواني على الطاعات، عن الدخول في الغيبة، عن يأخذ بنفسه إلى القطيعة لفلان، إذا تزاعل معه مثلا، يأتيه بأشياء، وهو في غاية من الضعف؛ لأنه محمل، فيأتي الدور عندي أنا، أنا كيف لي بهذه الوسوسة الضعيفة؟ يرجع إلى صومي، فإن كان صومي قوي، ردت، وإن كان صومي ضعيف، استقبلت، فحصل الشر بين الناس. فهذه، إخواني في الله، الفقرة السادسة من هذه الفقرات، ثم تأتي الفقرة السابعة والأخيرة في هذا المبحث، وهي مسألة: هل معنى هذا بتصفيد الشيطان أنه لا يصيب الناس بالمس والصرع؟ قد يقول قائل: نحن نرى في نهار رمضان، نسمع أن فلان أصيب بمس، وصرع، صرع شيطاني، ليس صرع عضوي، من آثار الحالات النفسية، لا، لكن صرع شيطاني، فهذا الإنسان أصيب بصرع، بصرع شيطاني، إذن شيطان دخله، طيب كيف الشيطان دخله وهو مصفد؟ طبعا تنوعت عبارات العلماء لهذه المسألة. من أهل العلم من توقف، ولا يحب الخوض في هذا الباب، كالإمام أحمد رحمه الله تعالى، حين سئل: كيف أن الشيطان تصفد، وأن من الناس من يصرع؟ قال: «لا نتكلم في هذا، دع هذا الكلام، لا تتكلم، تحدث إشكاليات في هذه المسائل، الله عز وجل أخبرنا أنه تصفد، تصفد، تصفد، وهذا قد أصيب بصرع، يعالج، وانتهى، لا تخوض هذا في ذاك»، فكان إمام أحمد ينهى، ولا يحب الاسترسال في وضع مثل هذه الإشكاليات، هذا قول. القول الثاني: من خلال ما قد مضى، ستعلم من حيث التصفيد: أن المصفد هم المردة، بقي من دونهم، فهؤلاء لا زالوا طلقا، فهؤلاء يعملون هذه الأعمال من إصابة أهل الإسلام بالصرع، ولو في نهار رمضان، هذا قول ثاني. القول الثالث: قال جماعة من أهل العلم: أو يحمل أن تصفيد الشياطين في مسألة الإغواء فقط، أن الشيطان يصفد، «وصفدت الشياطين»، قال: هذا إنما يكون في مسألة الإغواء، أما في مسألة الإيذاء، لا، قد أوتيح لهم هذا الباب من باب الفتنة والابتلاء، فهذه أقوال العلماء في هذه المسألة الأخيرة من وجود المس الشيطاني مع وجود تصفيد الشياطين. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.