الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 70، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح كيف أن الناس كانوا أمة واحدة ثم اختلفوا، فأرسل الله الأنبياء والكتب السماوية ليحكموا بينهم بالحق. يُظهر أهمية الكتب السماوية في بيان عناية الله بخلقه وتحذير الناس من اتباع قوانين البشر.
يُظهر الإيمان بالكتب السماوية حكمة الله في تشريع أحكام مختلفة لكل أمة حسب احتياجاتها وظروفها، كما يُعد مصدرًا للفرح والامتنان للمسلمين الذين يهتدون بها. يُبين أن الكتب السماوية تجتمع على أصول مشتركة.
الإيمان بالكتب السماوية له ثمرات عديدة، منها التمييز بين الناس، حيث يصبح الإيمان بالكتب فاصلا بين أهل الإيمان وأهل الكفر، كما يؤدي إلى التعبد لله بما أنزل من كتاب. يحتوي القرآن الكريم على ثمرات وبركات عديدة.
يذكر العلماء العديد من الثمرات للإيمان بالكتب السماوية، ويطلب المتحدث من الله أن ينفعهم بما قاله، ويختم بالصلاة على النبي محمد. يُظهر أهمية الدعاء والصلاة على النبي في ختام الحديث.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: دب فيهم الاختلاف ودب فيهم النزاع، حينها فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. فهكذا تفهم الآية، لأن بعض ما يتضح دلالة الآية: كيف كان الناس أمة، يعني كانوا أمة واحدة، ثم أرسل الله رسل ففرقوهم؟ لا، ليس هكذا المعنى، وإنما هناك تقدير محذوف، وهو أن الناس كانوا أمة واحدة على الخير، ثم اختلفوا، فدب فيهم الشر ودب فيهم الوبال، حينها أرسل الله، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، أتوا بالبشارة وأتوا بالنذارة، وأنزل معهم الكتاب، وهي الكتب السماوية. ما الفائدة من الكتب السماوية؟ ما الحكمة منها؟ ليحكم بينهم بالحق. وهذا، أخوانا في الله، من أعظم ثمارات الكتب أنها فيها بيان لعناية الله سبحانه وتعالى بخلقه. وأيضا من ثمرة الإيمان بالكتب: شكر الله، شكر الله على هذه النعمة، أنك يا عبد الله تشكر الله ليل نهار أن الله ما تركنا لأنفسنا، لا ضللنا. ولك إذا أردت أن تعتبر، يا عبد الله، بما مضى من الضلال الذي يصل به الإنسان إذا ترك زمام أمره لنفسه، انظر ما تقوم به الشعوب والدول من وضع ما يسمى بالدساتير، وما يسمى بالقوانين، رأوا أنها تسد مسد الكتب السماوية، رأوا ذلك. فهاهم يسطرون القوانين تلو القوانين، وهي عبارة عن زبالة من أذهان البشر، لكن إلى ماذا آلت إليه قوانينهم؟ الذي آلت إليه: إلى الحضيض. لا يغرنك، يا عبد الله، هذه المظاهر الخارجية التي تعيشها المجتمعات الشرقية والغربية، فإن أمورهم تهوى. انظر إلى المعسكر الروسي قد انهار عن بكرة أبيه، وما بقي منه إلا الفتات، وبقي الآن القوانين الغربية وهي على وشك الانهيار. مهما سنوا من قوانين، لا، ربما ما استطاعوا أن يصلوا إليها. لحد كم أرادوا أن يحدوا من معدل الجريمة الذي يتفاقم يوما بعد يوم، فيسن القوانين، فما استطاعوا. ذكر بعض العلماء، مثلا، في مسألة تحريم الخمر: كيف أنه انتشر في بلاد الغرب انتشارا ذريعا، فسنوا قوانين ودساتير في تحريم الخمر، وضعا ذكر ذلك الشيخ سيد سابق في كتاب فقه السنة، عندما تكلم عن باب الحدود والتعزير، نبه على هذه المسألة، فذكر أن في الغرب حينها أرادوا أن يحدوا من شرب الخمر، فسنوا قوانين، فماذا صار بهذه القوانين التي فيها التحريم لشرب الخمور؟ إذ بالخمور زادت، زادت زيادة فضيعة، فاضطروا إلى إلغاء هذا القانون. بشر البشر ما يعرف بماذا يفعل، إنما عقله يؤدي إلى تحت قدمه، هذا الذي يصل إليه عقله، إدراكه قصير. فمهما سن من قوانين، سن من دساتير، سن من أشياء يراها فاشلة يفشل. وانظروا فيما يتعلق بالزنا والعهر والفساد، ما استطاعوا، كلما حرموا شيئا الغوه، وجددوا التحريم، وفتحوا المجال لفعل الشهوات، إذا سدوا على الناس شهوة من الشهوات، قالوا: هذا التكبيت كبت لعباد الله، ففتحوا المجال، ففتحوا المجال للخنا والزنا. وأصبح القانون المتفق عليه، المتفق عليه بين بلاد الكفر، على أن الزنا لا يعاقب صاحبه إذا تراضى الطرفان، خلاص تراضى الطرفان، لا هناك عقوبة أبدا، زان وزانية اتفقا ما في إشكال. وأما في بلاد أوروبا، قد فتح الأمر إلى زواج المثليين، رجل يتزوج من رجل، وامرأة تتزوج من امرأة، هذا موجود في بعض دول أوروبا، قد قرر هذا قانون جواز، ويكون هذا النكاح في الكنيسة، يتم عقد القران بين رجل ورجل، وبين امرأة وامرأة. هكذا يا أخوان، فيله تضيع العقول. لكن أهل الإسلام، ومن تمسك بالكتب السماوية، يدفع عنهم ربنا عز وجل هذه الضلالات وهذه الشرور، لماذا؟ لأن الله ما سيحيلك إلى نفسك، وإن الله سيتكفل هو بنفسه بوضع أمور هي نائقة للبشر، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ نحمد الله عز وجل على ذلك. فهذا من ثمرة الإيمان بالكتب، الحمد والشكر لله عز وجل لما به أعطى وأزدى، من أن أنزل علينا هذه الكتب التي بها يهتدى العباد. جاء ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج ذات يوم مع مولى من مواليه، حتى مروا إلى إبل الصدقة، مكان يعد لجمع صدقات الإبل، فإذا بعمر يعدها، وجد قد زادت، زادت عن الحد المقرر، فحمد الله على هذه الفضل وعلى هذه النعمة. فإذا بهذا المولى يقول: يا عمر، يا أمير المؤمنين، إن هذا من فضل الله ورحمته، وأراد بذلك ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾، قال المولى: يا عمر، هذا من فضل الله ورحمته، قال عمر: كذبت، كذبت، بل فضل الله ورحمته القرآن والإيمان، هذا هو فضل الله عز وجل، فيفرح المؤمن بكتب الله عز وجل التي أنزلها على عباده. وهذه من الثمرات العظيمة، إخواني في الله، التي يجنيها المسلم من الإيمان بالكتب. وأيضا مما يستفيده المسلم من الإيمان بالكتب: ظهور حكمة الله سبحانه وتعالى، إذ أن من حكمته تتضح لنا جليّة: بأن الله عز وجل جعل لكل أمة ما يناسبها من أحكام، ما يناسبها من أحكام لكل أمة، جعلنا شرعة ومنهاجا لكل أمة. فالتوراة لها أحكام، والإنجيل له أحكام، والقرآن له أحكام، والصعف له أحكام، لها أحكام. فكل كتاب له حكم، وهذا التنوع، إخواني في الله، كما قال العلماء: إنما يعد لحكمة الله. ووجه ذلك أن الله يشرع لعباده ما يتناسب مع بيئتهم، مع أمورهم، مع أحوالهم، وهذا من حكمة الله. وهذا من حكمة الله، وإن كانت الكتب في الأصل تجتمع على أصول، هناك أصول الكتب السماوية جميعا تجتمع عليها: منها وحدة الإنزال، أنها منزلة من عند الله، هذا بالاتفاق، وحدة الهدف والغاية، أن جميع الكتب بالإجماع كلها تدل على ضرورة عبادة الله وحده، لا يتخذ معه شريك، لا ند ولا نظير ولا مثيل، هذا بالاتفاق. كذلك القواعد العامة من الإيمان، مسائل الإيمانيات والعقائد، هذا متفق عليها: الإيمان بالرسل، الإيمان باليوم الآخر، هذا مسائل متفق عليها، لأن لا يدخلها النسخ، لا يدخلها النسخ، كما قال علماء. وأيضا القواعد العامة مثل الحث على الأعمال الصالحة، والتحلي بمكارم الأخلاق والآداب، هذا مما وجد في جميع الكتب: أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى. هذا أين وجد؟ هذا وجد في صحف إبراهيم عليه السلام، ووجد كذلك في قرآننا. فتجد أن القرآن في مثل هذه المسائل، القواعد العامة، يتفق عليها. لكن في باب الأحكام التفصيلية العملية قد يقع فيها خلاف في مسائل التحليل والتحريم، في مسائل أوجه التعبد، أوجه التعبد يختلف هذا من كتاب إلى كتاب. ولهذا مر معنا في قول عيسى عليه السلام: «وأحل لكم بعض الذي حرم عليكم»، أي على بني إسرائيل، جاء التوراة وحرمت على بني إسرائيل أشياء، فلما جاء عيسى عليه السلام بالإنجيل كان فيه التحليل لبعض ما حرم عليهم في التوراة. فإذن يأتي هناك بعض التغيرات، لكن هذه التغيرات تعود إلى ماذا؟ إلى حكمة الله، إذ أن الله يشرع لعباده ما يتناسب مع أحوالهم ومع بيئتهم وظروفهم. وهكذا في شريعتنا، فإن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن علينا، وفيه الملائمة التامة لما يحتاجه الناس وما يحتاجه المسلمون. وأيضا، إخواني في الله، مما تظهر فيه ثمرة الإيمان بالكتب: التمييز بين الناس، إذ أصبح الإيمان بالكتب من الفواصل التي يفصل بها بين أهل الإيمان وبين أهل الكفر والإلحاد. فمن آمن بكتب الله فهو المؤمن، ومن أعرض عنها وأدبر فهو الكافر الملحد. فالناس يتميزون فيما بينهم في كيفية أخذهم لكتاب الله. انظر لبني إسرائيل كيف تلاعبوا في كتاب الله، فكان هذا التلاعب منهم في كتاب الله جل وعلا طريقا إلى معرفة المؤمن منهم من الكافر. قال سبحانه: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض»، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا. فكان هذا أمر يظهر فيه الخلل عند بني إسرائيل، إذ أنهم تلاعبوا كتاب الله، فأصبحت الكتب، إخواني في الله، فيصل بين أهل الإيمان وبين أهل الكفر، بين الذي يستمسك بها ويعمل بما فيها. «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه»، أمرهم ربنا عز وجل بأن يتحاكم إلى كتاب الله. فمن تحاكم إلى كتب الله وكل على دينه، فإن ذلك هو المرضي. وأما من أعرض وأدبر عن كتب الله، فإن ذلك يلحقه الكفر. «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، أي أنه اعتقد أنه غير ملزم بحكم الله جل وعلا، ويرى أن له الخروج عن حكم الله، فهذا من عداد الكفر، لأن الناس يلزمون جميعا بحكم الله جل وعلا. وأيضا، إخواني في الله، مما يذكر، وهذه أشياء كثيرة، لكن كلها تقول إلى هذا المعنى، كذلك التعبد لله، وهذا من ثمرة الإيمان بالكتب: التعبد لله سبحانه وتعالى بما أنزل من كتاب، ويظهر ذلك جليا في كتابنا أو القرآن. فمع أنه فيه هذه الثمرات، وبه فيه من البركة: أنه من قرأ منه حرفا فإن الحرف فيه بعشر حسنات، لا أقول ألف، لا ميم حرف، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف. فجعل ربنا عز وجل هذه الكتب محل تعبد في ألفاظه، فضلا عن تدبر معانيه. وهكذا أشياء كثيرة يذكرها العلماء في هذا المقام، وهي تدل دلالة واضحة على عظيم ثمرة الإيمان بالكتب. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.