الدرس في شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس أهمية التواضع لطلبة العلم، حيث يعتبر صفة أساسية لطلب العلم وتحصيله. التواضع يمنع الكبر من قبول العلم ويؤدي إلى الرفعة في الدنيا والآخرة.
يتحدث الدرس عن صفات التواضع مثل عدم الاستنكاف من التعلم من أي أحد، وقبول الحق بشكر الله ومن علمه. كما يشير إلى أن التواضع يقتضي قبول الحق من أي مصدر وعدم الترفع على الآخرين.
تم ختام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين، مع الإشارة إلى استكمال ما تبقى في درس لاحق. الدرس أكد على أهمية التواضع في طلب العلم.
يسر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري رحمه الله تعالى، اختصره فضيلة الشيخ عمر بن مصلح الحسين، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس السابع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس السابق ما ذكره المؤلف رحمه الله مما ختم به الفصل المتعلق بحسن نية وسرير الطالب العلم، وما ذكره رحمه الله من أهمية اعتناء طالب العلم بالصفات الطيبة التي تعينه على تأييد الله عز وجل له، وأن يحرص أن يتحلى بصلاح ظاهره وباطنه، وأن لا تصرفه الدنيا وفتنها. أما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم؟ وختم كما تقدم معنا بأهمية مجالسة من يعينه على طريق العلم، ثم شرع رحمه الله بذكر هذا الفصل الذي يتعلق بصفة عظيمة من أعظم وأهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم وحامل العلم. فـ﴿هو شروع﴾ في ذكر تفصيل بعد إجمال لما ذكر بعض الصفات الحسنة المرغوب فيها والمرغب فيها لمن يريد طلب العلم ومن يحمل العلم، وضد تلك الصفات على وجه الإجمال، ناسب أن يذكر بعض الصفات على وجه التفصيل، وذكر من أهم هذه الصفات صفة التواضع. فقال رحمه الله: «ذكر تواضع العالم والمتعلم»، قال: «اعلم رحمك الله أن الذي يحتاج إليه العالم والمتعلم مما ينبغي لهما أن يتمسكا به للانتفاع هو التواضع». أنه شرعها هنا في ذكر هذه الصفة التي كما تقدم معنا أنها من أهم الصفات، والتي كذلك يحتاجها حامل العلم وطالبه، وذكر هذه الصفة دون غيرها من الصفات، والله أعلم أنها من أعظم وأهم الصفات التي تدل على صلاح طالب العلم حامله في ظاهره وفي باطنه. لأنه كما تقدم معنا أن ما من خير في الباطن إلا ودلت عليه كما تقدم معنا أعماله في الظاهر، وما من خير في الظاهر يداوم عليه إلا ودل على خير في الباطن، ومن أعظم الصفات التي تدل على صلاح حامل العلم في ظاهره وباطنه التواضع. فإنه إذا اتصف بهذه الصفة واجتهد على أن يهذب نفسه على هذه الصفة، فإن ذلك يدل على وجود صفات طيبة في باطنه، وكذلك على غيرها مما يدل هذا ويرشد إلى وجود هذا الغير في ظاهره. ثانيا: لأن التواضع من أهم علامات العمل بالعلم، ومن أهم أسباب تحصيل العلم، فالطالب يحتاج إلى أن يحص العلم، ومن أعظم أسباب تحصيله أن يتواضع، لأنه إذا تواضع أخذ أكثر، ولم يمنعه تواضعه أبدا من تحصيل العلم كما سيأتي معنا ممن فوقه ودونه ومثله. وهكذا كذلك بادل العلم كلما تواضع، دع ذلك إلى قبول العلم الذي يحمله، لأنه يحرصه على العمل به، وعلى لين الجانب مع غيره، فيستدعي ذلك المحبة والقبول في الأرض، فيأخذ العلم عنه، وهذا هو المقصود أن العلم يأخذه الطالب ويعطيه ويعطيه المعلم، فينتفع الجميع. وهكذا كذلك ثالثا: أن التواضع صفة عظيمة تعين طالب العلم وحامله على العمل بالعلم، وهذا هو المقصود من العلم، لأن العلم شجرة والعمل ثمرة، فالمقصود من هذه الشجرة هو هذه الثمرة، والتواضع من أعظم ما يعين ويوصل لهذه الثمرة العظيمة. فلذلك ولغيره من الأمور الأخرى ينبه على هذا الخلق لعموم أهل الإسلام، ولحملة العلم وطالبيه على وجه الخصوص. قال رحمه الله تعالى: «اعلم رحمك الله»، وقد تقدم معنا أن هذه اللفظة يوردها العلماء حثا وتنبيها على ما يأتي ذكره من العلم ومسائل العلم، حتى يتنبه القارئ والسامع ويتشوق لما يأتي. ورحمك الله دعاء فيه إظهار حسن السريرة مع التلطف بالسامع والقارئ، مما يستدعي كذلك حصول المودة والقرب والألفة والرغبة فيما يأتي بعده، حتى ولو كان هذا السامع أو القارئ بعيدا، فإنه بمثل هذه العبارة ونحوها يدعى ويجر جرا أن يسمع ما بعده وفيه خير. وهي طريقة أهل العلم سلفا وخلفا قديما وحديثا، فينبغي لطالب العلم أن يعتني بمثل هذه اللطائف التي هي من الوسائل في التعليم والدعوة إلى الله. وقوله: «أن الذي يحتاج إليه العالم المتعلم مما ينبغي لهم إلى آخره»، هذا شروع في الدخول في المقصود، وهو أن إشارة منه إلى أن التواضع من أهم ما يحتاج إليه العالم والمتعلم، وأنه مما ينبغي أن يتمسك به. وهذا معناه أولا: التفقه في هذا الباب، كيف نعرف معنى التواضع؟ وكيف نحصله؟ وكيف نحافظ عليه؟ وكيف كذلك يكون وصفه عند المتعلم وعند العالم؟ وسأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله في ثنايا هذا المبحث. قال: «فأما المتعلم فلا يأنف أن يتعلم العلم من صغير أو كبير أو ممن هو دونه في المنزلة، وأن يقبل الحق قبولا حسنا، ويشكر الله عز وجل على ما علمه، ثم يشكر من علمه من سائر الناس». ذكرها هنا صفة من صفات التواضع، ومقصد من مقاصد التواضع، يثمر ثمرة حسنة عند المتعلم، وذلك أن من صفاته ومعالمي التواضع أن لا يأنف أن يتعلم من صغير أو كبير، ممن هو دونه أو من هو فوقه أو من هو مثله. ولهذا قال من قال: «من لا ينظر رجل حتى يأخذ ممن فوقه وممن دونه وممن هو مثله»، والمعنى أن هذه علامة عظيمة على تواضع هذا الطالب أو الحامل للعلم، لأنه لأنه اتصف بهذه الصفة، فهو لا يبالي أن يأخذ العلم من صغير أو كبير، وممن هو دونه أو ممن هو فوقه. لأنه لو كان عنده كبر أو معنى من المعاني أو عجب أو غرور، وما كان بمعنى هذه المعاني المذمومة، لم يستطع أن يأخذ العلم ممن هو مثله، فضلا عن من هو دونه. لماذا؟ لأنه محروم التواضع، عنده مرض في قلبه، فلأجل المرض لم يستطع أن يأخذ العلم ممن هو مثله، فضلا أن يأخذه ممن هو دونه. وهكذا كذلك أنه كما ذكر رحمه الله: «أن يقبل الحق قبولا حسنا»، لأن من معاني التواضع قبول الحق، وهذا يعني أنه يقبله ممن جاء، ولو كان هذا الحق جاء ممن هو دونه. فلا ينبغي أن يأتي ممن هو مثله، لا يقول: «لماذا جاء الحق من طرف فلان؟» لا، بل ينبغي أن يحرص على الحق وعلى الأخذ به، لأنه يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. ومن أعظم الأسباب التي تعين على هذه الصفة العظيمة صفة التواضع، العلم بالله عز وجل، لأنه كلما ازداد علمه بالله عز وجل في توحيده في ربوبيته وألوهيته وأسماه وصفاته، ازداد تعظيما لله عز وجل. وازداد كذلك تعظيما لكل ما يوصل إلى مرضاته سبحانه وتعالى، وازداد تعظيما للعمل بكل ما جاء عن الله عز وجل، فإذا كان كذلك فهو لا يبالي من أي طريق جاء، ما دام أنه صح عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فـ﴿عند ذلك﴾ يتحقق هذا التواضع، لأنه عظم أمر الله في قلبه، وأما من لم يعظم أمر الله عز وجل في قلبه، فإنه يكون مريضا بجهله، تتخطفه الأهواء والعواطف والأمور الأخرى، بما يجعل هذا الإنسان إما معرضا أو زاهدا أو والعياذ بالله مترفعا متكبرا. أما من عرف عظمة الله عز وجل، فهو يعلم أن أعظم مطلوب هو الوصول إلى مرضات الله عز وجل، وعبادته على أحسن وأكمل الوجوه، وهذا يستدعي منه أن لا يزهد في شيء من العلم، قليل أو كثير، يوصله إلى هذا المعنى العظيم من عبودية الله سبحانه وتعالى. وقد أشار عدد من العلماء إلى هذا المعنى، كالإمام من القيم رحمه الله في مواضع من كتبه، وهكذا غيره من أهل العلم في كتب التفسير والحديث والآداب والرقائق. لأنه كلما ازداد معرفة بالله، ازداد تواضعا، لأنه يريد الوصول إلى عبادة الله عز وجل، فمن أين جاءه العلم أخذه، وقد صح هذا المعنى في آيات وأحاديث كثيرة. فما يتواضع أحد لله إلا ورفعه الله، ولذلك كان العلماء العاملون الصادقون هم أتقى الناس وأخشى الناس لله عز وجل، «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، هذا هو العلم الحقيقي، أن يورد خشية وانكسار وتواضع، وأن لا يبالي أين هو، بل يحرص أن يصل إلى ما عند الله سبحانه وتعالى. كما قال جل وعلا: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، والمعنى أن أهل التقوى لما اتقوا الله حين عظموه، كانوا من أهل هذه الصفة، أهل التواضع، الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا. فبتواضعهم وعدم فسادهم حققوا تقوى الله، بما كان في قلبهم من تعظيم لله عز وجل. وهكذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بالصحيحين، حين ذكر صفة أو بعض صفات أهل الجنة: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟» قالوا: «بلى يا رسول الله»، قال: «كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره»، والمعنى: كل من لم يظهر عليه علامات الكبر والرفعة، بل ربما يكون عندكم متذللا خاملا، ولكنه عند الله عظيم، عند الله عظيم. ولهذا كان ضد التواضع والكبر من أعظم أسباب الحرمان، حرمان الخير كله، ليس فقط حرمان العلم، بل العياذ بالله حرمان طريق الجنة. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة: «أنه لا يدخل الجنة متكبر»، ففي حديث ثوبان عند الترمذ وغيره بإسناد حسن، وجاء معناه في أحاديث كثيرة، وبعضها بصحيح مسلم: «من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة»، والشاهد قوله: «من الكبر بريء» أو «بريء»، روايتان، دل ذلك على أن الكبر من أعظم أسباب حرمان الجنة وطريقها. ولهذا جاء في الحديث الآخر الصحيح: «لا يدخل الجيع من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، والعياذ بالله. فلذلك ينبغي أن يجاهد حامل العلم وطالبه نفسه على التواضع، وكلما حرص على التواضع فتح الله عز وجل عليه من أبواب العلم أضعاف ما كان يرجو. وكلما ترفع حرم، هو يظن أنه يرتفع بهذا، ولكنه في الحقيقة يحرم طريق العلم، فيكون الجزاء من جنس العمل، وكما قيل: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». والغالب أن من يحرم صفة التواضع يكون عنده مرض يريد به العلو في الأرض والفساد بهذا العلم، لأن الذي يريد ما عند الله لا يريد العلو، بل على العكس يريد أن لا يعرف، لأنه يريد الأجر العظيم عند الله. ولهذا كان يقول إمام أحمد رحمه الله، وهو يجاهد نفسه: «أن لا يعرف ويذم ما ابتلي به من الشهرة»، و«وددنا أن لم نعرف»، وغير ذلك من العبارات التي نقلت عنه رحمه الله. فكانوا يتأذون من الشهرة وأثرها، ويجاهدون أنفسهم أن لا يكون لهم ذلك، ومع ذلك يأبى الله إلا أن يرفعهم، بما كان من صدقهم مع الله سبحانه وتعالى في العلم وفي سائر أبواب هذا الدين. ولذلك حقيقة التواضع كما قال العلماء: «هو من الضع»، أي: الإنخفاض، وثمرته ماذا؟ «الرفعة في الدنيا وفي الآخرة»، ولهذا: «ما توضع أحد لله إلا رفعه»، «ما توضع أحد لله إلا رفعه». وفي حديث عياذ بن حمار أخي بني مجاشع، قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا، فقال: إن الله أوحى إلي أن توضع»، حتى «لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، الحديث. والمعنى أن هذه من أعظم صفات أهل الإسلام والإيمان، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم متصفا بها، بل وأمره الله عز وجل بها من باب التأكيد. قال سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وخفض الجناح ولين الجانب هو التواضع، هو التواضع، فإن تكون لين الجانب مع إخوانك وطلابك، ومن باب أولى مشايخك. أما: «انتغلض القول وتجفو بالعبارة وتحد بالأسلوب وتحاقق وتحاصص»، ونحو ذلك من الأساليب التي تنافي التواضع، فهذا من أعظم أسباب الحرمان. بل تواضع واخفض الجناح ولين بجانبك، يعطيك الله عز وجل الخير في العاجل والآجل. ثم قال رحمه الله: «ويشكر الله على ما علمه»، أو «على ما علمه»، ثم «يشكر من علمه من سائر الناس»، أولا: أن يقبل الحق، لأن قبول الحق كما تقدم معنا هو من التواضع. ثم كذلك يشكر الله أن علمه، يعني: إذا جاءته المسألة من العلم، من علامات شكر الله عز وجل أن يقبل هذا العلم، إذن: يقبله ممن جاءه، ممن وفوقه أو من هو مثله أو من هو دونه، لا يترفع عن العلم. لأن المقصود هو العلم الذي به يعبد الله سبحانه وتعالى، وقد بوب العلماء أبوابا في كتب العلم تدل على هذا المعنى. وسئة إن شاء الله لشارة إلى بعض ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومن تواضع المتعلم أن لا يأنف من السؤال عما يغيب عنه»، والذي يمنع كثيرا من الناس عن التواضع في المسألة للعلماء عما قد جهلوه، مما هو واجب عليهم علمه والعمل به، خصلتان: «الحياء والكبر». ورؤي عن مجاهد أنه قال: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر»، وكما أشار علقه البخاري في كتاب العلم، وهو أثر صحيح عن مجاهد رحمه الله رحمة واسعة. المقصود من هذا أن معاني التواضع عند المتعلم كثيرة، منها ما تقدم: أن لا يأنف أن يأخذه من صغير أو كبير، من من مثله أو دونه، فضلا عن من هو فوقه. ومن معالم ومعاني التواضع أن يسأل عما أشكل عليه، وعما لا يعلمه، فإن ذلك من تواضعه لأخذ العلم. ومن معاني التواضع كما تقدم: أن يقبل الحق من أي طريق جاء، حتى ولو جاء من العدو. انظروا كيف قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: «صدقك وهو ماذا؟ كذوب»، وهذا الكلام في حق من؟ في حق إبليس، الذي جاء أبا هريرة ثلاث مرات. فقال له في المرة الثالثة والأخيرة، حين أراد أن يفك نفسه منه: «دله على آية الكرسي، أنه إذا قرأها قبلا يأوي إلى فراشه، أو إذا أوى إلى فراشه لم يقربه الشيطان حتى يصبح»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب». فـ﴿الحق إذا جاء من العدو﴾، فضلا عن من هو دونه، يقبل ويأخذ، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، لكن ليس معنى هذا منهج الموازنات، لا، التوسع في هذا المعنى أدخل خللا وخطأ. كوننا نقبل الحق لأننا علمنا أنه حق، لا يعني ذلك أن نوازن، فندخل أهل الباطل في صف أهل الحق، لا، لا ندخل أهل الباطل في صف أهل الحق، كما أننا لا يمنعنا إذا جاءنا الحق من بعض أهل الباطل أن نأخذه. طيب إذا قال قائل: «إذا كان الحق موجود عند أهل الحق، فلماذا لا نأخذه من أهل الباطل؟» الجواب: إذا جاء ولم نعلم به، فلا مانع أن نأخذه، أو ذكر شيئا باطلا وحقا، نرد الباطل ونقبل الحق. لكن ليس معناه أننا نضع ما عند هذا المبطل من حق وباطل، ونلبس به على المجتمع بأن نقول لهم - وهم لا يميزون بين الحق والباطل -: «خذوا الحق واتركوا الباطل»، لا، هذا فيه تلبيس. وفرق بين أن يأتي ذلك إلى العالم المميز، وبين أن نرمي به إلى من لا تمييز له، وغير ذلك وغير ذلك من التفاصيل الذي ذكرها العلماء في قضية مسألة الموازنات التي الناس فيها طرفان ووسط. والوسط المقصود هو الوسط الذي دلت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وكان عليه العلماء، لا إما سلفا وخلفا. قال رحمه الله تعالى في ذكري أعظم أو من أعظم، ليس كل، ولكن أعظم الخصال التي تمنع الجاهل أن يسأل عما جهل من العلم، فذكر: «الحياء والكبر»، أما الحياء، فالمقصودها هنا بالمعنى المذموم الذي هو خور، وإلا فالحياء كله خير، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بصريح مسلم. فـ﴿الحياء الشرعي﴾ كله خير، أما ما يسمى حياء، وحقيقته خورا وليس حياء، وهو التأخر عن أخذ العلم وتعلمه، والزهد والتباطئ فيه، هذا معنى مذموم، لا ينبغي أن يرضى طالب العلم لنفسه به. بل ينبغي أن تكون همته عالية في السؤال والمذاكرة، بما يكون سببا في ارتقائه في سلم العلم، بما يعينه ذلك على العمل إن شاء الله. فـ﴿القوة العلمية والعملية﴾ تكمن من حب التعلم والرغبة فيه، وينافي ذلك التأخر بحجة الحياء، فهذا ليس حياء، بل هو خور. وإن وجد فينبغي أن يعالج، لا مانع أن يكون الإنسان عنده تواضع، أو يكون عنده حياء يمنعه من الجرأة، لكن لا يمنعه ذلك من السؤال. مثلا: الناس يتفاوتون في جرأة السؤال، ما يستطيع أن يواجه بالسؤال، إذن لا مانع أن تكتب سؤالك في ورقة، أو ترسل كما أرسل علي رضي الله عنه، كما في الصحيحين، حين وجد مانع أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة عما يحتاج من العلم، لمكان ابنته منه. فماذا فعل؟ أرسل، أرسل رضي الله عنه أرضاه من يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، حديث المقداد مشهور في الصحيحين. طيب نقف اليوم عند هذا الحد لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. طيب إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، وإن شاء الله نكمل ما تبقى في درس لاحق.