الدرس في شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتوضيح أهمية العلم وضرورة تعلمه، حيث يشرح الشيخ كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري، ويبين أن أولى العلوم بالتعلم هو القرآن الكريم وضبطه. يلي ذلك تعلم الأحكام والفرائض وعلم السنن.
يشرح المقطع أهمية تعلم الأحكام والسنن بعد حفظ القرآن، ويوضح الفرق بين الأحرف السبعة والقراءات السبع، ويؤكد على ضرورة تعلم السنة لتفسير وتوضيح القرآن، مع التمييز بين الصحيح والضعيف منها.
يؤكد على أهمية معرفة آثار الصحابة في فهم القرآن والسنة، باعتبارهم أعرف الناس بهذا الوحي، ويشير إلى ضرورة الاعتناء بتفسير القرآن بالقرآن وبالسنة وبآثار الصحابة والتابعين، مع تعلم علوم الآلة مثل علم الحديث وأصول الفقه والعربية.
يتضمن المقطع دعاء للجميع بالخير والتوفيق في أداء رسالة المركز ونصرة دين الله، ويطلب العون والتوفيق ليكونوا أسرة متعاونة على الخير، وأن يكونوا مفاتيح خير ومغاليق شر، وهداة مهتدين.
يسر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري رحمه الله تعالى، اختصره فضيلة الشيخ عمر بن مصلح الحسين، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس التاسع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذا هو الدرس التاسع من دروسنا في شرح مختصر فرض طلب العلم، وهذا هو مجلسنا التاسع، وقد مر معنا في المجلس السابق ما ذكره المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بفضل العلم، وكيف أنه رأس مال المؤمن الذي يحفظ به دينه، وخصوصاً مع كثرة الفتن في آخر الزمان، ثم ذكر رحمه الله ها هنا فصلاً، فقال رحمه الله تعالى: أي العلم أولى بالإنسان أن يتعلمه؟ فإن قال قائل: قد رغبتنا في العلم وحذرتنا من الجهل، فأي العلم أولى بنا أن نشتغل به حتى نخرج من باب الجهل؟ قال: فإني أقول له: أحثك على تعلم القرآن وضبطه. قال: فإني أقول له -يعني جواباً لهذا السائل- أحثك على تعلم القرآن وضبطه، فإذا سهل الله لك ختمة باختيار حرف من حروف أحد لإمة السبعة، فاحمد الله واشكره، وداوم على كثرة الدرس له، ثم اشتغل بعلم معرفة الحلال والحرام والأحكام التي أنزل الله عز وجل في كتابه، ثم اطلب علم الفرائض، وهي المواريث التي ينبغي لأهل القرآن أن لا يجهلوها، ثم علم السنن التي تبين للعباد معنى الكتاب، وليس يعلم كيف تؤدى فرائض الله إلا بمعرفة السنن والآثار، ويطلب علم سنن صحابته رضي الله عنهم. أوردها هنا رحمه الله هذا السؤال وجوابه بعد أن ذكر فضل العلم، كأنه يقول: قد يرد في نفس السامع والقارئ هذا السؤال، فأجاب بهذا الجواب: أي العلم أولى بالإنسان أن يتعلمه؟ يعني إذا ورد مثل هذا السؤال كما أشار رحمه الله بعد أن رغب في العلم وحذر من الجهل. قال رحمه الله: أحثك على تعلم القرآن وضبطه، وذلك لما ورد في البخاري وغيره، وفي هذا المعنى أحاديث وأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فقد ورد في البخاري وغيره من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، فهو أول العلوم ينبغي أن يعتني به طالب العلم، بل والمسلم عموماً، لأنه مفتاح كل خير ومغلاق كل شر، وهو الذي أول ما أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام من الوحي القرآن. تعلم القرآن بتعلم ألفاظه ومعانيه، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات، يأخذون ما فيها من العلم والعمل، فكذلك ينبغي أن يكون طالب العلم يحفظ ما يتيسر من القرآن، ويضبط هذا الحفظ بحسن التلاوة وما يلحق بذلك من أحكام، ثم يتبعه كما سيأتي إن شاء الله من معرفة شيء من أحكامه وتفسيره. أول تعلم القرآن بتعلم اللغة العربية بألفاظها وأحكامها الصحيحة حتى يصح له تعلم القرآن، ثم يتعلم القرآن تجويداً وترتيلاً، فيحفظه على الوجه الصحيح، ثم يتعلم معه ما يتيسر من معرفة مفرداته، وما يتيسر من معرفة اليسير المناسب من تفسيره بما يعينه على حفظه مع هذا الفهم. وهذا هو قوله رحمه الله: «وضبطه»، ومن ضبطه أن يتعاهد هذا القرآن، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه «أشد تفلتاً»، ولذلك ينبغي لمن وفقه الله لحفظ شيء من القرآن أن يتعاهده، يكرر المرور عليه، فليس الشأن أن تحفظ، ولكن الشأن أن تحفظ ما حفظت، أن لا يذهب عنك، وذلك بكثرة تعاهدك له حتى لا يتفلت عليك. فإذا تعاهدته -أي كررت المرور عليه- بإذن الله تعالى لن يفوتك ولن يذهب منك، لكن تعاهده، وانظروا على سبيل المثال سورة الفاتحة، لأن الناس يتعاهدونها، لا يكاد أحد يخطئ فيها، ولا يكاد أحد ينساها؛ لأنه يتعاهدها مرات وكرات، وبهذا التعاهد حصل هذا الضبط وهذا الإتقان في الحفظ. وهكذا سائر سور القرآن، إذا كثر الحافظ تعاهده لما يحفظ، صار حفظه له -أي لما حفظ- بحسب تعاهده كحفظه لسورة الفاتحة، ولهذا يقولون: يحفظها كما يحفظ الفاتحة، كيف حفظ الفاتحة بكثرة التعاهد؟ وكذلك أنت يا من تريد أن تحفظ وتتقن القرآن، تعاهده وأدم النظر فيه حتى يحفظه الله عز وجل. وهذا التعاهد يكون بوسائل كثيرة، على سبيل الاختصار من باب الإشارة والإفادة يكون تارة بتكرار الحافظ لما يحفظ بمراجعته مع نفسه، وكذلك يكون بحسن إتقانه في حفظه، يكرره مرات وكرات حتى يثبت له هذا الحفظ، ويراجعه كرات ومرات حتى يثبت له هذا الحفظ. وقد ذكر بعض المشايخ أن الحفظ إذا كرر أكثر من 350 مرة لا يكاد ينسى، يعني كرر المحفوظ أكثر من هذا العدد، حسب خبرة أهل الخبرة وتنبيه بعض المشايخ ممن أخذوا عن من جرب هذا، أنه بهذا العدد بإذن الله يضبط الحفظ، ومع ذلك عليك بالتعهد، تمر عليه إن تيسر كل عشرة أيام أي محفوظك، ولا أقل من أن يكون مرة في الشهر إذا أردت أن لا يفوتك هذا المحفوظ. ومن أحسن ما يعين على ضبط الحفظ أن يكون لك مسمع ومعين تقرأ معه، تتدارس معه ما حفظت من القرآن، وبهذا إن شاء الله يعينك على الاستمرار وعلى إبقاء ما حفظت. قال رحمه الله: فإذا سهل الله لك ختمة باختيار حرف من حروف أحد لإمة السبعة، والمراد بالحروف أي ما أنزل به القرآن، فقد أنزل القرآن على سبعة أحرف، والمراد بالسبعة الأحرف أي السبعة اللهجات، تيسيراً من الله عز وجل. فمثلاً بعض الحروف تنطق بالتحقيق، وبعضها بالتسهيل، فالتحقيق في هذه الحروف حرف ولهجة، والتسهيل حرف ولهجة، تنطق بعض الحروف بالإمالة، وبعضها بغير الإمالة، تنطق بعضها بالترقيق، وبعضها بغير الترقيق، نفس الحرف مثل الراء مثلاً في بعض المواضع، وهكذا كذلك الإمالة في الألف ونحو ذلك مما ورد به لهجات العرب، فهذا يسمى أحرفاً، وقد جاء في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه أرضاه، وفيه قصة حين سمع عمر رضي الله عنه هشام بن حكيم بن حزام يقرأ من سورة الفرقان على شيء لم يكن سمعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. حتى ذكر أنه أراد أن يبطش به وهو يصلي، ولكن تركه حتى أكمل، فقال له: من أين لك هذا؟ أو كيف تقرأ هذا؟ فقال: سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير الذي كنت تقرأ، فأخذه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث فيه قصة وله روايات كثيرة. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم من هشام بن حكيم بن حزام، فقال: هكذا أنزل، ثم قال عمر: اقرأ فقرأ كذلك، فقال: وهكذا أنزل، ثم قال عليه الصلاة والسلام بعد أن قال: كذلك أنزلت: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه» -يعني بهذه الأحرف السبعة-. والصحيح أن هذه الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع، وأخطأ من ظن أن هذه الأحرف السبعة هي القراءات السبع؛ لأن القراءات ليست هي الأحرف، وإنما هي قراءة بعض القراء لبعض هذه الأحرف، ولذلك فالقراء عشرة، ليس سبعة، وهذه القراءات العشر كلها صحيحة متواترة، وإن كان السبع المشهورة أكثر تواتراً وشهرةً، ولكن ليست هي الأحرف السبعة، بل الأحرف السبعة تدخل في هذه القراءات العشر. فالأحرف السبعة هي اللهجات التي أنزل بها القرآن، وقد جاء معنى ذلك كذلك في حديث بن عباس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قرأني جبريل -أي القرآن- على حرف»، قال: «فراجعته فلم أزل استزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف»، وهكذا جاء معناه في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب، وجاء عن عدد من الصحابة خارج الصحيحين بهذا المعنى. فالأحرف السبعة هي اللهجات التي أنزل بها القرآن تيسيراً للناس، ولذلك تجد مثلاً بعض العجم يصعب عليه أن يقرأ ببعض هذه الأحرف -أي اللهجات- التي فيها التحقيق، فتكون لسانه ثقيلة، يسهل معه الترقيق أو الإمالة أو نحوها مما هو من الأحرف الصحيحة واللهجات التي أنزل بها القرآن تيسيراً من الله سبحانه وتعالى. وفي كلام المؤلف رحمه الله ما قد يفهم أن الأحرف هي القراءة السبع، وليس كذلك، بل الصواب كما سمعنا. ثم قال رحمه الله: فاحمد الله واشكره، وداوم على كثرة الدرس له -يعني إذا وفقك الله لتعلم القرآن وحفظه وضبطه- فاحمد الله واشكره، وداوم على كثرة الدرس له -يعني كثرة المراجعة له-؛ لأنه كما تقدم «أشد تفلتاً من الإبل في عقولها». قال رحمه الله: ثم اشتغل بعلم معرفة الحلال والحرام والأحكام التي أنزل الله عز وجل في كتابه، يعني بعد أن يوفقك الله لحفظ القرآن، تعلم الحلال والحرام، والمراد تعلم من أحكام القرآن ما تحفظ به دينك، وأول ذلك التوحيد، أول ذلك التوحيد، فهو أول ما دعت إليه الرسل، ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً «أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت»، وما أرسل الله عز وجل من رسول ولا نبي إلا كان مفتتح دعوته «اعبدوا الله ما لكم من إله غيره». وهكذا سائر الأحكام من فرائض الإسلام ومبانيه العظام الخمسة، وما يلحق ذلك من الحلال والحرام، فيتعلم ذلك بما ورد في القرآن، وكذلك بما يفسره من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فالسنة قرينة القرآن، تفسره وتوضحه وتبينه، ولذلك الصحيح أن تعلم القرآن يكون مع تعلم السنة؛ لأن السنة تفسر وتوضح وتبين القرآن. فبالسنة عرفنا مثلاً أحكام الصلاة أنها صلوات خمس، وأنها ركعتين في الفجر، وأربعاً في الظهر والعصر والعشاء، وثلاثاً في المغرب، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة التي فسرت وبيّنت في السنة، وهكذا سائر الأحكام فإنها فسرت وبيّنت بالسنة، فلا غنى للمسلم فضلاً عن طالب العلم الذي يطمع أن يتفقه في دين الله، لا غنى له عن تعلم السنة. ثم قال رحمه الله: ثم اطلب علم الفرائض، وهي المواريث التي ينبغي لأهل القرآن ألا يجهلوها، الفرائض أي علم الفرائض التي تتعلق بقسمة المواريث وما يلحق بها من أحكام كثيرة، وهي مذكورة في القرآن، مفسرة وموضحة في السنة، وهو من العلوم التي ترفع في آخر الزمان، فينبغي لحملة القرآن أن يتعلموها. وقد ورد في فضل تعلم الفرائض أحاديث كثيرة، أكثرها لا يصح، وما صح يدخل فيه عمومات بعض الأدلة، وليس هذا المقام ذكر وحصر ذلك، لكن المقصود أنه مما ينبغي أن يعتنى به؛ لأنه مما ذكر في القرآن، فينبغي لحامل القرآن أن يتعلم ما يقرأ، كما تقدم معنا: أن يعرف مفردات ما حفظ من القرآن، ثم تفسير مختصر، ثم يأخذ ما تيسر من تفاسير أهل العلم المعتمدة. وينبغي أن يعتني بالتفاسير المعتمدة التي تعتني بالصحيح، يحرص على معرفة الصحيح مما صح في التفسير، ليس كل ما ورد في كتب التفسير صحيح، بل منه الصحيح ومنه ما ليس بصحيح، فينظر في كتب أهل العلم التي تعتني بهذا الباب، كالكتب المحققة التي تعتني بهذا الباب. فمثلاً على سبيل المثال تفسير الحافظ ابن كثير، مع تحقيق لما ورد فيه من أحسن ما ينبغي أن يأخذه طالب العلم، كذلك بعض الكتب الأخرى التي تعتني بالتفسير بالقرآن، وما تيسر من كلام أهل العلم المؤيد مختصراً بمعض أدل السنة، من علماء السنة والحديث، كتفسير شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ممن ساروا بسير أهل الحديث قديماً وحديثاً. ومن التفاسير المختصرة النافعة، مفيدة تفسير عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، فهو تفسير مختصر نافع مفيد في بابه. ثم قال رحمه الله: ثم علم السنن التي تبين للعباد معنى الكتاب، وليس يعلم كيف تؤدى فرائض الله إلا بمعرفة السنن والآثار، وهو ما تقدم: أن السنة تفسر وتوضح وتبين القرآن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أتيت القرآن ومثله معه» -يريد السنة-. وقال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنة نبيه»، رواه الحاكم من حديث ابن عباس، ومعناه من حديث ابن هرير رضي الله عنه، وفي الباب أحاديث كثيرة تدل على أهمية السنة، وأن السنة توضح وتفسر وتبين القرآن، فلا غنى للمسلم فضلاً عن طالب العلم الذي يريد التزود من العلم عن معرفة السنة. ولكن السنة ليست من القرآن مثل القرآن، القرآن كله متواتر، أما السنة فينبغي أن يميز بين الصحيح من الضعيف؛ لأنه صار في السنة ما ليس منها، فلذلك اعتنى علماء الحديث بالكلام في تصحيح الصحيح وتبيين الضعيف مما لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنة. فلذلك من أهم ما ينبغي أن يعتني به من يقرأ في السنة أن يعتني بمعرفة الصحيح من الضعيف، وأن يرجع لأهل الاختصاص بهذا الباب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا المعنى، فقال عليه الصلاة والسلام: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» -أي أحد الذين شاركوا في هذا الكذب- وفي رواية: «الكاذبين»، فصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». فبغي التثبت في معرفة ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا حديث في هذا الباب كثيرة، فإذا علم صحة السنة يلزمه ثانياً أن يعلم أن هذه السنة تدل فعلاً على ما بين أنه يفسر هذا القرآن أو يفسر السنة الأخرى؛ لأن الحديث قد يصح، لكن لا يصح الاستدلال به في هذا الموضع. فلابد إذن من صحة الدليل، وصحة المدلول -أي ما يدل عليه هذا الدليل- لا يكفي أن يكون صحيحاً، بل لابد أن يكون معه أنه يدل على هذا المدلول كذلك حتى يصح الاستدلال به، وهذا مما ينبغي كذلك أن يعتني به طالب العلم، وبه يعرف أنه يحتاج لعلوم أخرى ينبغي أن نتزود بها طالب العلم؛ لأجل أن يكمل ويحسن فهمه للقرآن وللسنة. كعلم الحديث الذي يميز بين الصحيح من الضعيف، وعلم أصول الفقه الذي يستطيع أن يرتب هذه الأدلة بحسب قوتها وحجتها، وعامها وخاصها، ومطلقها ومقيدها، وغير ذلك من المدلولات التي لا غنى لطالب العلم عن معرفتها. فرب دليل صحيح، لكنه منسوخ، أو عام مقيد، أو مطلق مخصوص، وغير ذلك من المعاني الكثيرة التي لا غنى لطالب العلم عن معرفتها، فإذن طالب العلم يحتاج إلى هذه العلوم، ومن هذه العلوم علم العربية الذي به يستطيع أن يفهم القرآن ويفهم السنة بالمدلول العربي الذي أنزل به هذا الوحي، إن «أنزلناه قرآناً عربيا»، وهكذا كذلك علوم الآلة الأخرى التي لا غنى لطالب العلم عن معرفتها. ثم قال رحمه الله: ويطلب علم سنن صحابته رضي الله عنهم -يعني ما صح عن الصحابة-؛ لأن ما صح عن الصحابة يستعان به في تفسير القرآن والسنة، فهم نقلة هذا الوحي، وهم من طبقه، ورضي الله عز وجل عن عملهم وتطبيقهم له. ولهذا قال سبحانه: «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في الشقاق»، وقال سبحانه: «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم». وقال عليه الصلاة والسلام: «كذلك فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ»، فسنة الخلفاء الراشدين من سنة النبي صلى الله عليه وسلم توضحها وتبينها وتؤيدها. وهكذا كذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، فدل على خيرية الصحابة في الزمان، وهكذا خيريتهم في العلم والفضل وغير ذلك من المعاني الأخرى. ولذلك اعتنى علماء الإسلام بتفسير القرآن بما جاء في القرآن، يفسر القرآن بالقرآن، ويفسر القرآن بالسنة، ويفسر القرآن بآثار الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهكذا كذلك سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنهم أعرف الناس به من جهة الشرع ومن جهة العمل ونزول الوحي وحضور مجالس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا كذلك لمعرفتهم باللغة العربية. فلهذه المعاني وغيرها صار مما لا غنى لطالب العلم عن معرفته أن يعرف آثار الصحابة رضي الله عنهم في العلم، سواء في التفسير أو في الحديث أو في أحكام الفقه أو في غيرها مما يعينه على فهم وتفسير ما بين يديه من العلم. ولهذا اعتنى علماء الإسلام قديماً وحديثاً بنقل آثار الصحابة والتابعين كما اعتنوا بنقل السنة، ولكن لا شك أن الاعتناء بالسنة أعظم؛ لأنه الوحي الذي بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى» -أي ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فهو وحي من الله سبحانه وتعالى- وهي سنته القولية والفعلية والتقريرية كما هو معلوم ووضح في علم الحديث، وما ذكره العلماء في هذا الباب. طيب نكتفي هذا اليوم بهذا القدر، وفي الأخير إن شاء الله نختم بهذه النصيحة وهذا التوجيه الذي أحث فيه نفسي وإخواني في هذا المركز الطيب المبارك، مركز الفيوش، بأن يتعاون الجميع في الحفاظ على هذا الخير، وأن نكون جميعاً يدا واحدة، وكذلك جسداً واحداً وأسرة واحدة في الحفاظ على هذا الخير واستمراره، وسد كل أبواب السوء والشر الذي يطمع به أعداء هذه الدعوة المباركة، سواء من الداخل أو من الخارج. والله جل وعلا يقول: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، ويقول سبحانه وتعالى: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»، وهكذا كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين بتوادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد». والحمد لله بفضل الله بفضل الله عز وجل الخير سائر في هذا المركز الطيب المبارك، وإن حصل شيء من الخطأ والتقصير فلا يسلم منه بن آدم، فكل بن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، والحمد لله سير هذا المركز الطيب المبارك بالتعاون مع جميع المسؤولين، وهكذا كذلك المشرفين، وجميع الجهات الأخرى، هو بحد ذاته يدل على خير عظيم وعلى فضل من الله سبحانه وتعالى. فأسأل الله عز وجل أن يجزي الجميع خير الجزاء، وذلك يحثنا أن نكون دائماً وأبداً يدا واحدة وأسرة واحدة وجسداً واحداً نتعاون على الخير، فأنا لإخواني وأبنائي كالأب والأخ الأكبر، ونحن أسرة واحدة نتعاون جميعاً على الخير، يدنا بيد بعض بما فيه الخير لهذه الدعوة المباركة، سواء في المركز أو خارج المركز. و«جزى الله خيراً المشايخ والدعاة وكبار طلبة العلم»، سواء داخل المركز أو خرجوا لدعوة أو لغيرها خارج المركز، فالجميع يستشعر أننا أسرة واحدة، وجزى الله خيراً كذلك من أعان هذا المركز بأعانة معنوية أو حسية، ولو لم يكن إلا كلمة طيبة تعين في استمرار هذا الخير وبقائه وقوته، ولا شك أن هذا من نصرة دين الله سبحانه وتعالى. والحمد لله تيسر الجلوس مع أخينا الشيخ ياسين حفظه الله في مكة في بيت الله الحرام، كانت جلسة طيبة مباركة، والحمد لله حصل خير كثير، وكذلك تواصلنا مع بعض الإخوة الأفاضل المشرفين، فكلهم على خير، وكلنا إن شاء الله نتعاون على هذا الخير، ونسأل الله عز وجل أن يعين الجميع، والإخوة المشرفون من بقي ومن ذهب، الجميع أسرة واحدة يتعاون على الخير كلهم بحسب استطاعته. فنشكر الجميع على ما يقومون به، فالحمد لله عندكم إخوانكم: أخونا الفاضل الإسلام، سمعت أنه موجود عندكم هذه الأيام، كذلك أخونا أنيس، وكذلك أخونا بشار، أخونا علي بن غالب، عبد الله بن سالم، وأبو حاتم، والخضر، وغيرهم من الإخوة الأفاضل الذين كذلك يتعاونون معهم كأخينا خالد حبشي، وأخونا خالد، وكذلك أخونا عبد الحميد المقتر، وعبد الله المحروق، وغيرهم من الإخوة الأفاضل الذين لا يستحضرني اسمهم، بل أسماؤهم، وكذلك سائر الإخوة الذين لهم مهام طيبة مباركة، كالإخوة الأفاضل في المكتب، والقائمين بالحراسة، والقائمين بجهود أخرى متنوعة في هذا المركز الطيب المبارك. نسأل الله عز وجل أن يجزي الجميع خير الجزاء، وأن يعيننا وإياكم وإياهم على ما فيه الخير لهذا المركز الطيب المبارك، وأن يجعلنا أسرة واحدة متراحمة متعاونين على الخير، متواصلين فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وفق كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يعيننا على أداء هذه الرسالة العظيمة في نصرة دين الله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم وإياهم والجميع مفاتيح خير، مغاليق شر، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً.