مختصر فقه الأسماء الحسنى  4

مختصر فقه الأسماء الحسنى 4

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى اسمي الرحمن والرحيم والفرق الجوهري بينهما

يشرح المحور منزلة اسمي الله الرحمن والرحيم وكثرة ورودهما مقترنين في القرآن، ويبين أن كلا منهما يدل على صفة الرحمة لكن الرحمن يشير إلى الرحمة الواسعة العامة التي وسعت كل الخلائق، بينما الرحيم يشير إلى الرحمة الخاصة بالمؤمنين.

تفصيل أنواع الرحمة الواسعة والخاصة بحديث المئة رحمة

يفصل المحور الفرق بين الاسمين موضحاً أن الرحمن للرحمة العامة لجميع المخلوقات، والرحيم للمؤمنين، ويستدل بحديث المئة رحمة أنزل الله واحدة في الدنيا يتعاطف بها الخلائق، وأخر تسعة وتسعين ليوم القيامة، مع أمثلة على رحمة البهائم.

أسباب نيل الرحمة الخاصة وقصة المرأة السابية وتمييز الاسمين

يسرد المحور قصة المرأة السابية التي تبحث عن ولدها ويضرب بها النبي ﷺ مثلاً لرحمة الله الفائقة، ويذكر أسباب نيل الرحمة الخاصة باتباع القرآن والتقوى وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول والإحسان، ويختم بالفرق اللغوي بين الاسمين.

خاتمة الدعاء بالرحمة والانتماء لعباد الله الرحماء

يختتم المتحدث بشرح معنى الاسمين داعياً الله أن يرحمهم برحمته وأن يجعلهم من عباده الرحماء، مؤكداً أن الله ولي ذلك والقادر عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن محسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه «مختصر شرح وفقه الأسماء الحسنى»: قال: الرحمن الرحيم، وهما اسمان جليلان، كثرة ورودهما في القرآن الكريم، ورد ذكرهما كثيرًا. قال الله: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، وقال الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنُ﴾، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. ورد ذكر هذين الاسمين في القرآن كثيرًا. قال: افتتح الله بهما أم القرآن، أي الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، فورد هذان الاسمان في سورة الفاتحة، بل في أولها. وقال: ﴿وَجَعَلَهُمَا عُنْوَانًا مَّا أَنزَلَ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْبَيَانِ﴾، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، كأنه يريد ذلك، وهي سورة الرحمن. قال: وضمنهما الكلمة التي لا يثبت لها شيطان، يريد البسملة: «بسم الله الرحمن الرحيم»، يريد البسملة، هذه هي الكلمة التي لا يثبت لها شيطان. هذا ورد به أحاديث كثيرة: أن من سمى الله فإن الشيطان لا يقربه، وردت التسمية في أذكار كثيرة. قال: وافتتح بها كتاب نبي الله سليمان عليه السلام، يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، يريد ذلك. قال: وكان جبريل ينزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم عند افتتاح كل سورة من القرآن، وهي البسملة التي تكون في أول السور، جميع سور القرآن إلا سورة التوبة، فجميع سور القرآن تفتتح بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، هذا الذي يريده. فإذا هذان الاسمان هذه منزلتهما وفضلهما. قال: وهذان الاسمان وذكرهما جميعًا؛ لأنهما يقترنان كثيرًا، ما يقترنان، ولقرب معناهما كما سيأتي، فجاء هذان الاسمان مقترنين في عدة مواضع من القرآن: في البسملة «بسم الله الرحمن الرحيم»، وفي الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وفي غيرها من المواضع. قال: وهذان الاسمان كل منهما دال على ثبوت الرحمة صفة لله عز وجل، لأن القاعدة في أسماء الله أن كل اسم متضمن لصفة، فالرحمن متضمن لصفة ماذا؟ الرحمة، والرحيم أيضًا متضمن لصفة الرحمة. فهذا معنى قوله: وهذان الاسمان كل منهما متضمن منهما دال على ثبوت الرحمة صفة لله عز وجل. لكن ما الفرق بينهما؟ ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟ قال: فالرحمن: أي الذي الرحمة وصفه، والرحيم: أي الراحم لعباده. وهذا ما يعبر عنه بعض العلماء في قولهم: الرحمن ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، في قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فهو الرحمن بمعنى الرحمة الواسعة، الرحمة العامة. فإن رحمة الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: رحمة عامة ورحمة خاصة. فالرحمة العامة: هي الرحمة الدنيوية التي وسعت كل شيء، حتى الكافر، فالله عز وجل رحمه بتيسير الرزق له، وبالصحة والعافية، وبكذلك الهواء والماء واللباس والمسكن، كل هذا من الرحمة العامة التي هي بمعنى اسم الله الرحمن. وقال: والرحيم: أي الراحم لعباده، وهو ما يسميها العلماء بالرحمة الخاصة، بالرحمة الخاصة، وبعضهم يقول: الواصلة، وهي الرحمة الدينية، الرحمة الدينية من هداية عباده، ومن كذلك توفيقهم للصراط المستقيم والثبات على هذا الدين. ولذلك قيدت، أو قيد هذا الاسم خاصة بالمؤمنين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. فهذه الرحمة، الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين. فإذا الرحمن بمعنى: ذو الرحمة الثابتة اللازمة الكاملة الواسعة، وأما الرحيم فهي بمعنى الرحمة الخاصة بالمؤمنين. هذا هو الفرق بين الرحمن والرحيم، هذا هو الفرق بين الرحمن والرحيم. قال: وفي هذين الاسمين دلالة على كمال الرحمة التي هي صفة الله وسعتها، فجميع ما في العالم العلوي والسفلي من حصول المنافع والمحاب والمسار والخيرات من آثار رحمته. فانظر إلى آثار رحمة الله، كل ذلك تراه وتشاهده عيانًا فيما يمر بك في هذا الخلق الشاسع الواسع العظيم. ولذلك جاء في الحديث الصحيح، وهو في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن لله مئة رحمة، إن لله مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسع وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة». فإذا من الرحمة الخاصة ما يرحم الله عز وجل به عباده المؤمنين يوم القيامة، وأما هذه الرحمة التي أنزلها في الدنيا فهي رحمة عامة، حتى بين البهائم. وهذا يشاهده الناس، تجد الأم ترحم ولدها وتعطف عليه وهي بهيمة. أذكر مرة من المرات أردت أن أمر شارعًا صغيرًا، وكان في هذا الشارع أتان، أنثى الحمار، معها جنين، يعني ولد أو مولود، والشارع ضيق، لا بد أن أمر بينهم، فما تجرأت أمر خشية أن أرفس جنينها أو ولدها، كلما أردت أن أمر جاءت أمامي، كلما أردت أن أمر جاءت أمامي. انظر كيف جعل الله عز وجل في قلبها الرحمة. حتى الهرة لما تريد أن تأخذ أحد أولادها تهجم عليك، تفدح، رحمة من الله. وهكذا ترفع رجلها حتى يرضع جنينها. وهكذا الإبل، ما تجعل أحدًا يرضع إلا ولدها، وإذا أخذ منها انزعجت وصاحت ولم يطر لها قرار، رحمة من الله، جعل حتى بين البهائم. هذا من الرحمة الواسعة، من الرحمة العامة. فهذه رحمة واحدة أنزلها الله، وجعل تسعة وتسعين رحمة في يوم القيامة، يرحم الله بها من عباده المؤمنين المتقين المطيعين، وهذه هي الرحمة الخاصة. وهكذا نرى في هذا الواقع رحمة الأم بولدها، وقد ورد في ذلك من الأحاديث الشيء العظيم، مما يدل على رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده. فالله عز وجل أرحم بالعباد من رحمة بعضهم لبعض. ولو كانت أم، فرحمة الله أعظم. فقد جاء في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، السبي يعني ما يأخذه المسلمون بعد المعركة من النساء والصبيان، فأتي للنبي صلى الله عليه وسلم بسبي. قال: فإذا امرأة من السبي تبتغي ولدها، يعني تبحث عن ولدها، قال: إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، وليس ولدها، لكن لعل أن يخفف عن ذلك شيء من شوقها وحنينها إلى ولدها، كلما رأت صبيًا ألصقته بصدرها وأرضعته، وهي تبحث عن ولدها. انظر إلى هذا الموقف الذي فيه من الرحمة ومن كذلك الشوق والعطف. قال: فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» أترون، أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله يا رسول الله، كيف الآن تبحث عنه بكل شوق وعطف، فكيف تضعه في النار؟ فقلنا: لا والله، وهي تقدر أن لا تطرح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها، لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها». فالله عز وجل أرحم بالعباد. فهذه من رحمة الله عز وجل التي أنزلها، فيتراحم بها العباد. والإنسان كلما عظمت طاعته وزادت قربته لربه عظم نصيبه من استحقاق هذه الرحمة. كلنا يبتغي رحمة الله، فكيف ننالها؟ كيف ننال رحمة الله الخاصة؟ ننالها بطاعته والاستقامة على دينه، على وجه العموم، وعلى وجه الخصوص بأعمال خاصة وردت أن من فعلها نال رحمة الله. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فإذن بالاتباع والتقوى ينال العبد رحمة الله. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فبطاعة الرسول ينال العبد كذلك رحمة الله. وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فبالإحسان إلى الخلق ننال رحمة الله. وهكذا ننال رحمة الله برحمة الخلق، «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». فأسباب نيل محبة الله عز وجل كثيرة جدًا. قال هنا: كما أن ما صرف عنهم من المكاره والنقم والمخاوف والأخطار والمضار من آثار رحمته. ليست الرحمة أن تعطى الخير فقط، بل كذلك من الرحمة أن تصرف عنك الشرور والمكاره، هذا من رحمة الله ومن لطف الله بك. ولذلك تجد مصائب المتقين المؤمنين فيها لطف وفيها رحمة، يتعجب، يتعجب الناس: فلان انقلبت به سيارته فخرج سليمًا، لا تتعجب، إنها رحمة الله. احترق بيته فخرج جميع هذه الأسرة ولم يصاب بشيء، لا تتعجب، إنها رحمة الله. وهكذا كم من نقم تصرف عن العبد، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده. قال: والمخاوف والأخطار والمضار من آثار رحمته، فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، وهو أرحم الراحمين. ومن خصائص اسم الرحمن الذي اختص به دون اسم الرحيم: أن اسم الرحمن لا يطلق إلا على الله، لا يطلق إلا على الله، ويقال: الله هو الرحمن. أما الرحيم فهو كذلك يطلق على غير الله من باب الوصف المقيد، كما قال الله عز وجل في نبيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الرحمن أبدًا، وإنما جاء رحيم، فهذا يجوز في اسم الرحيم دون اسم الرحمن. هذا هو معنى هذين الاسمين، وأثر هذين الاسمين على العباد. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يجعلنا من عباده الرحماء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.