الدرس في شرح السنة للإمام المزني 2، ألقاها
يتحدث عن الإيمان بالملائكة وخلقهم وأعمالهم، ثم ينتقل إلى خلق آدم عليه السلام وإسكان الجنة. الإيمان بالملائكة على نوعين: مجمل ومفصل.
الله خلق من ذرية آدم أهلاً للجنة وأهلاً للنار، وعلم من سيكون من أهل السعادة ومن سيكون من أهل الشقاوة. لا ينبغي للإنسان التذرع بقدر الله لترك الطاعة أو فعل المعصية.
الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. أهل السنة والجماعة يعتقدون أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بل ينقص إيمانه، ويختلفون بذلك عن الخوارج والمعتزلة.
الصلاة والسلام على أشرف المخلوقين والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل رحمه الله في رسالته "شرح السنة". قال رحمه الله: الملائكة وبعض أهل العلم ذكر أن هذه التبويبات ليست من المؤلف، وأن المؤلف ذكر هذه الرسالة -يعني- مجردة عن هذه التبويبات، فلعل هذا من بعض النساخ. قال رحمه الله: خلق الخلق بمشيئته، عن غير حاجة كانت به، وخلق الملائكة جميعا لطاعته، وجبلهم على عبادته، فمنهم ملائكة بقدرته للعرش حاملون، وطائفة منهم حول عرشه يسبحون، وآخرون بحمده يقدسون، واصطفى منهم رسلا إلى رسله، وبعض مدبرون لأمره. ذكر رحمه الله في هذا المقطع ما يتعلق بالإيمان بالملائكة، والإيمان بالملائكة كما نعلم ركن من أركان الإيمان الستة التي يجب على المؤمن أن يؤمن بها، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، كما جاء في حديث جبريل المشهور. والملائكة خلق من خلق الله جل وعلا، خلقهم الله من نور، وأمرهم الله جلاء وطاعته وعبادته، وهم موجودون، وكذلك أيضا خلقهم الله جل وعلا كما أخبر سبحانه، وليس عبارة عن أرواح للخير كما يقول الفلاسفة أن الملائكة لا وجود لهم، وإنما هم عبارة عن أرواح للخير، هكذا يقول الفلاسفة التخيليون، فأنكروا خلق الملائكة. ولذلك ذكر أهل العلم في كتب العقيدة -أو بعضهم- الإيمان بالملائكة. وأشار رحمه الله في هذه الجمل أن الله عز وجل خلقهم من غير حاجة لهم، فالله سبحانه وتعالى هو الغني عن سائر مخلوقاته، كما قال سبحانه: ﴿وهو الغني الحميد﴾، خلق الملائكة وليس محتاجا لهم، وليس محتاجا لهم؛ لأن الله عز وجل هو الكامل الغني جل وعلا، الذي لا يحتاج إلى عباده، فلا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وإنما العباد هم الفقراء إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. ثم إن الإيمان بالملائكة على نوعين: إيمان مجمل، وإيمان مفصل. الإيمان المجمل: أن نؤمن بالملائكة على جهة الإجمال، نؤمن أن هناك ملائكة خلق من خلق الله، خلقهم الله عز وجل من نور، فنؤمن بهم، وأن الله جل وعلا خلقهم لطاعته وعبادته، كما قال سبحانه في وصفهم: ﴿لا يعصون الله ما أمر ويفعلون ما يؤمرون﴾. والإيمان المفصل: أن نؤمن بمن أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم من الملائكة، كجبريل الموكل بالوحي، وإسرافيل، وهكذا ملك الموت، وخازن الجنة، وخازن النار، والحفظة، وحملة العرش، وغيرهم ممن أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم، فنؤمن بهم على جهة التفصيل. وهؤلاء الملائكة خلقهم الله جل وعلا، وهم من مخلوقات الله العظيمة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل على صورته مرتين، له ستمائة جناح، كل جناح قد سد ما بين الأفق -أي من المشرق إلى المغرب-، هذا ملك واحد من ملائكة الله سبحانه وتعالى. وفي السنن، وفي الصحيح المسند لشيخنا الوادعي رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أذن لي أن أخبر عن ملك من ملائكة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، أو خمسمائة عام»، فهذا يدل على أن هؤلاء الملائكة خلقهم عظيم. ثم لهم أعمال متفرقة، منهم من وكل بحمل عرش الرحمن، كما قال الله جل وعلا: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾، ومنهم من هم حول العرش يسبحون، يسبحون الله جل وعلا، يمجدونه ويعظمونه، كما قال سبحانه: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ الآية. ومنهم كذلك -كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام- من يدخل البيت المعمور سبعون ألفا من الملائكة كل يوم، يدخلون البيت المعمور في السماء السابعة، ولا يخرجون منه -أو يعودون- منه. ومنهم الحفظة الموكلون بحفظ الإنسان، كما أخبر الله جل وعلا، ومنهم الكتبة الذين يكتبون أعمال العباد: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، ومنهم الملائكة الذين يتعاقبون في الليل والنهار، فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ومنهم من وكل بالوحي، وجعلهم الله عز وجل واسطة بينه وبين خلقه، كجبريل عليه السلام، وهو أشرف الملائكة، ومنهم الموكل بالقطر كميكائيل، ومنهم الموكل بالنفخ في الصور كإسرافيل، ومنهم من هو خازن الجنة، ومنهم خازن النار، ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح. ومنهم من وصفهم الله جل وعلا في كتابه، كما في سورة النازعات: ﴿والنازعات غرقا وناشطات نشطة والسابحات سبحة والسابقات سبقة فالمدبرات أمر﴾، كل هذه أوصاف الملائكة، فهم لهم أعمال كثيرة تحت تدبير أمر الله جل وعلا، وتحت أمر الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضا قائمون بطاعة الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: ثم خلق آدم بيده، وأسكنه جنته، وقبل ذلك للأرض خلقه، ونهاه عن شجرة، قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم سلط عليه عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله لها إلى الأرض سببا، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلا، ولا عنها لها مذهبا. ذكر رحمه الله -بعد أن ذكر شيئا مما يتعلق بأمر الملائكة- ذكر أمر آدم عليه السلام، الذي هو أبو البشر، وأن الله جل وعلا خلقه بيده، كما قال الله سبحانه وتعالى -معاتبا إبليس- عن استكباره للسجود لآدم: ﴿لما ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾، وفي حديث أبي هريرة في حديث الشفاعة: أن الناس يأتون آدم عليه السلام، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك الملائكة. والشاهد قوله: «خلقك الله بيده»، وهذا مما أكرم الله عز وجل به آدم عليه السلام، وكذلك أيضا أسكنه الجنة -أي جنة الخلد-، أسكنه جنة الخلد، كما قال الله جل وعلا: ﴿وأن لك فيها لا تجوع ولا تعرى وأنك لا تضمأ فيها ولا تضحى﴾. قال: وقبل ذلك للأرض خلقه -يعني خلقه الله عز وجل- ليكون خليفة في الأرض: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾، والمراد به آدم عليه السلام، فأسكنه الله جل وعلا الجنة، وأباح له أن يأكل من أشجارها وثمارها إلا شجرة واحدة: ﴿قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الخاسرين﴾، شجرة واحدة نهاه الله سبحانه وتعالى عن الأكل منها، الله أعلم ما هي هذه الشجرة. وقد خاض بعض أهل التفسير في المراد بهذه الشجرة أو في تعيينها، وهذا أمر -يعني- لا طائل تحته، ولا فائدة فيه؛ فنحن نعلم ونؤمن أن الله جل وعلا منعه من أكل شجرة من أشجار الجنة، الله أعلم ما هي هذه الشجرة. قال: فنفذ قضاؤه عليه بأكلها -يعني أن الله جل وعلا كتب على آدم أن يأكل منها، أراد الله عز وجل ذلك كونا وقدرا، فلابد أن يقع-، وابتلاه الله سبحانه وتعالى بإبليس، فسلط عليه عدوه -أي الشيطان- حتى أغواه على الأكل منها، وزين له ذلك، قال الله جل وعلا: ﴿ووسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾ -يعني ما نهاكم الله عن الأكل منها إلا لأجل أن تكون ملكا أو تكون من الخالدين في الجنة-. قال الله جل وعلا: ﴿فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة وبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾، فغره إبليس آدم عليه السلام على الأكل من الشجرة، فأكل منها، ووقع فيما نهاه الله سبحانه وتعالى عنه، فكان ذلك سببا في إخراجه إلى الأرض، ولهذا قال: وجعل أكله لها إلى الأرض سببا -يعني سببا في النزول إلى الأرض-. قال الله عز وجل: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو﴾، فحصل ما قضاه الله سبحانه وتعالى، فنزل آدم عليه السلام إلى الأرض، ثم بعد ذلك حصلت الذرية من ذرية آدم، وكثرت ذريته، ثم ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بما ابتلى به العباد بالأوامر والنواهي، وكذلك أيضا غيرها من أمور الابتلاء. قال رحمه الله: ثم خلق للجنة من ذريته أهلا، فهم بأعمالها بمشيئته عاملون، وبقدرته وبإرادته ينفذون، وخلق من ذريته للنار أهلا، فخلق لهم أعينا لا يبصرون بها، وآذانا لا يسمعون بها، وقلوبا لا يفقهون بها، فهم بذلك عن الهدى محجوبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون. بعد أن ذكر آدم عليه السلام وما حصل له، ذكر رحمه الله أن الله عز وجل خلق من ذرية آدم خلقا للجنة، وخلقا للنار، قال: ثم خلق للجنة من ذريته أهلا -أي من ذرية آدم-، فجميع البشر هم من ذرية آدم عليه السلام، منهم من هم من أهل الجنة، ومنهم من هم من أهل النار. والله عز وجل علم جل وعلا من الذي يصلح للهداية والإيمان، فوفقه لذلك، وكتب له السعادة، وعلم الله جل وعلا من هو أهل للشقاوة والكفر وعدم الإيمان، فقضى عليه ذلك، فمن هداه الله جل وعلا فبفضله سبحانه وتعالى، ومن قضى عليه بالشقاوة فبعدله سبحانه وتعالى. فأهل الجنة معروفون عند الله جل وعلا، وأهل النار كذلك، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة رضوان الله عليهم: «إن الله قد كتب مقعدكم من الجنة ومن النار» -يعني من هو من أهل الجنة، ومن هو من أهل النار-، قالوا: يا رسول الله، ففيما العمل؟ -أي لماذا إذا نعمل؟- قال: «اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له»، فمن كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة. فهذا يسوق العبد إلى أن يحرص أن يعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى، ولا يفعل المعاصي، ويقول: الله عز وجل كتبني شقيا؛ لأنه لا يدري، ومن أدراك أن الله كتبك شقيا؟ لماذا لا تعمل بطاعة الله وتقول: كتبني الله جل وعلا من السعادة؟ فأنت تعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى، وتلزم طاعة الله جل وعلا، وتجتنب معصية الله، وترجو من الله جل وعلا الهداية والصلاح والاستقامة والنجاح حتى تلقى الله عز وجل. فكون أهل الجنة معروفون، وأهل النار معروفون، هذا لا يكون سببا في وقوع الإنسان في المعصية، وتركه الطاعة، بل هذا ينبغي أن يوقع في قلبه الخوف من الله جل وعلا، ويسوقه ذلك إلى لزوم طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر شيئا من صفة أهل النار: أن الله جل وعلا خلق لهم أعينا لا يبصرون بها، وأذانا لا يسمعون بها، وقلوبا لا يفقهون بها، وهو يريد بذلك الإشارة لقول الله جل وعلا: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾. لهم أعين لا يبصرون بها -أي لا يبصرون بها الحق-، ولهم آذان لا يسمعون بها -أي لا يسمعون بها الحق والهدى-، ولهم قلوب لا يفقهون بها -أي لا يفقهون بها الهدى والإيمان الذي يوصلهم إلى مرضات الله سبحانه وتعالى-، فلهذا قال: فهم بذلك عن الهدى محجوبون -أي قد حجبهم الله سبحانه وتعالى، ومنعهم الهدى لعلمه جل وعلا أنهم لا يقبلونه-. فالله عز وجل هو خالق العباد وخالق أعمالهم، وهو أعلم بأحوالهم، يعلم جل وعلا من يقبل الهدى والإيمان، فيوفقه لذلك، ويعلم من لا يقبل الهدى والإيمان، فيحرمه إياه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، فكان سبب الزيغ منهم ابتداء -هم الذين وقعوا في الزيغ، وارتكبوا أسباب الزيغ-، فأزاغهم الله سبحانه وتعالى. قال: بأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون -يعني أن الله قدر عليهم ذلك قدرا وكونا أن يعملوا بأعمال أهل النار-. وأضرب مثلا يوضح ما قضاه الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الأشقياء، وأن ذلك لا ينافي ما جعل الله سبحانه وتعالى للعبد من الاختيار والإرادة: لو أن شخصا عنده عاملان، فقال: أنا سأمتحن هذين العاملين، أما أحدهما فسينجح في الاختبار، ويكون صادقا أمينا، فلا يخون، وأما الآخر فإنه سيخون، فامتحنهما، فكان الأمر كما قال: هذا الأول كان أمينا، ولم يخن، وأما الثاني فخان. فهل لهذا الخائن حجة أن يقول: أنت قد قلت: إني سأخون، ها؟ هل له حجة في خيانته أن يقول: أنت قد قلت: إني سأخون، فكيف إذا تلومني على الخيانة؟ هل له حجة في هذا الجواب؟ لا، ما له حجة؛ لماذا؟ لأنه هل هو أجبره على الخيانة، أو ألزمه بها؟ لا، هو خان بإرادته، وخان باختياره، لكن هو علم من حاله -لملازمته له- أنه سيخون؛ لأنه يعرف منه الخيانة، وعدم الصدق والأمانة. فكون الخيانة وقعت منه، ليس له حجة أن يقول: أنت قلت: إني سأخون، وهكذا يقال فيمن قضى الله عز وجل عليهم بالشقاوة: ليس له حجة في قدر الله أن يقول: يا رب، أنت قضيت علي بالشقاوة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يأمره بها، الله بين له طريق الحق والهدى، وأمره بلزومه، وبين له طريق الغواية والضلالة، وأمره باجتنابه، فهو لما وقع في طريق الغواية والشقاوة، وقع فيها باختياره وإرادته، فليس له حجة عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: والإيمان قول وعمل، وهما سيان، ونظامان، وقرينان، لا نفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان، والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون، وبصالح الأعمال هم متزايدون، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب معصية، ولا عصيان، ولا نوجب لمحسنهم الجنان بعد من أوجب له النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا نشهد على مسيئهم بالنار. هذا المبحث فيما يتعلق بالإيمان، فذكر رحمه الله عدة مسائل في هذا المبحث، منها أولا: تعريف الإيمان، فقال: الإيمان قول وعمل، وهذا تعريف من تعريفات أهل السنة والجماعة للإيمان، منهم من يقول: الإيمان قول وعمل، ومنهم من يقول: قول وعمل ونية، ومنهم من يقول: قول وعمل واتباع للسنة، ومنهم من يقول: قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وكلها معان صحيحة، وتعريفات صحيحة. قول الإيمان قول وعمل أراد بذلك أن الإيمان قول القلب واللسان -أراد بالقول قول القلب واللسان-، وبالعمل عمل القلب واللسان والجوارح، قول القلب: الاعتقاد، قول اللسان: النطق -كالنطق بالشهادتين-، وعمل القلب: الأعمال القلبية -كالخوف والرجاء والرغبة والرهبة والخشية والإنابة والتوكل- إلى غير ذلك من أعمال القلوب. وعمل اللسان: الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى الله جل وعلا بلسانه -كإراءة القرآن والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم- إلى آخر ذلك، والجوارح: فعل الطاعات بالجوارح -كالصلاة والصيام والحج- إلى تلكم الأعمال. هذا قول أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل -يعني قول اللسان، وعمل القلب الذي هو الاعتقاد، قول وعمل واعتقاد-، وعض العلماء يقول: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فالإيمان قول وعمل، لا بد من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، خلافا لأهل البدع والضلال الذين ضلوا في هذا الباب -في باب الإيمان-، وهم كثر، منهم الجهمية الذين قالوا: بأن الإيمان هو مجرد المعرفة، إذا عرفت الله فأنت مؤمن، إذا عرفت الله فأنت مؤمن، وقولهم من شر الأقوال، ويلزم من قولهم هذا أن فرعون مؤمن؛ أليس هو القائل: ﴿آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾؟ إذا عرف الله فعلى قول الجهمية فهو مؤمن، وهكذا إبليس عندهم مؤمن، قال: ﴿ربي أنظرني إلى يوم يبعثون﴾، فعرف الله، فقولهم لا شك في بطلانه. وهكذا أيضا قول من قال: بأن الإيمان هو قول اللسان فقط -كالكرامية أتباع محمد بن كرام-، قالوا: الإيمان هو قول اللسان، إذا نطقت بلسانك فأنت مؤمن، ولا يشترط اعتقاد القلب، ولا الأعمال، وعلى قولهم هذا فالمنافقون عندهم مؤمنون؛ لأن المنافق ينطق بلسانه الشهادتين، ولا يعتقد ذلك بقلبه، فهم في الظاهر مسلمون، في الباطن كفار، في حقيقة أمرهم أنهم كفار، ليسوا بمسلمين، لكنهم عند الكرامية من أهل الإيمان. وهكذا أيضا ممن ضل في هذا الباب المرجئة الذين قالوا: بأن الإيمان قول واعتقاد، وأخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان، فلا يشترط العمل، إذا قلت بلسانك، واعتقدت بقلبك فأنت مؤمن، ولو كنت في أعمالك من أفجر الناس، فلا فرق بينك وبين أبي بكر وعمر، قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، وقولهم كذلك أيضا من الأقوال الباطلة. قال رحمه الله: وهما سيان، ونظامان -يعني مثلان، ونظامان-، يعني ينظم بعضهم إلى بعض، لا بد في الإيمان من قول وعمل، وقرينان، لا نفرق بينهما، من فرق بينهما ظل، فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان. ومما يدل على أن الأعمال لا بد فيها في الإيمان قول الله جل وعلا: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ -أي صلاتكم-، نزلت هذه الآية بعد أن أمر الله جل وعلا بالتوجه بالصلاة إلى جهة الكعبة، وكانوا قبل ذلك يصلون إلى بيت المقدس، وقد مات أناس قبل تحول القبلة إلى الكعبة، فقالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ -أي صلاتكم-، فسمى الصلاة إيمانا، والصلاة عمل وفعل، سماها إيمانا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في الصحيحين- من حديث أبي هريرة: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، الحياء عمل، وسماه إيمانا، إماطة الأذى عن الطريق عمل، وسماه إيمانا، إذن الأعمال داخل في مسمى الإيمان، خلافا لما يزعمه المرجئة. قال: والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون -يعني هم في الإيمان منازل ودرجات-، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: أن الإيمان شعب، وشعب، وأجزاء، بعضها أعلى من بعض، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهكذا حال المؤمنين في الإيمان، منهم من إيمانه عال، ومنهم من إيمانه منخفض، فإيمانهم منهم من إيمانه قوي، ومنهم من إيمانه ضعيف، فكل على حسب إيمانه. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد في الصحيح: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، وفي حديث أبي هريرة الآخر في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، إذن هناك مؤمن قوي الإيمان، وهناك مؤمن ضعيف الإيمان، إذن ليس المؤمنون في الإيمان درجة واحدة، فهم متفاوتون في ذلك. قالوا: وبصالح الأعمال هم متزايدون -يعني أن الإيمان يزيد بالأعمال الصالحة-، الإيمان يزيد بالأعمال الصالحة، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ويدل على ذلك أدلة كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وزدناهم هدى﴾، وقوله جل وعلا: ﴿إذا تليت عليهم آياتنا إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على هذا المعنى. وكذلك في السنة أحاديث كثيرة تدل على ذلك -على أن الإيمان يزيد بطاعة الله جل وعلا-، ومن حديث حنظلة -لما قال لأبي بكر: نافق حنظلة-، قال: «وما ذاك؟» قال: «نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم يذكرنا الجنة والنار كأننا رأي عين -يعني كأننا نراه بأعيننا-، فإذا رجعنا عافسنا الأولاد والضيعات -يعني خالطنا الأزواج والأولاد، وذهبنا في أعمالنا-، نسينا كثيرا، ذهب هذا الذي كنا نجده في قلوبنا -يعني من زيادة الإيمان-». فالإيمان يزيد بطاعة الله جل وعلا، كما أنه كذلك ينقص بالمعاصي، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- من حديث أبي هريرة: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن» الحديث. وليس معناه: وهو مؤمن أنه كافر، لكن معناه: أنه ناقص الإيمان، وضعيف الإيمان، وفي هذا رد على طائفتين: على المرجئة والخوارج، المرجئة جعلوا الإيمان شيئا واحدا لا يزيد ولا ينقص، أنت مؤمن، إيمانك مثل غيرك، مثل أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة، جعلوا الإيمان شيئا واحدا. والطائفة الأخرى -الخوارج- كذلك جعلوا الإيمان شيئا واحدا، إذا ذهب بعضه ذهب كله، ولهذا كفروا صاحب الذنب والمعصية والكبيرة -لما وقع في هذا الذنب- حكموا عليه بالكفر، معناه: أن إيمانه ذهب كله، وكل الطائفتين ضالتان. ولهذا قال هنا: ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان -يعني أن المؤمن إذا كان عنده ذنوب وخطايا لا يخرج بها عن الإيمان، ويكون بذلك كافرا-، وإنما ينقص إيمانه، ويضعف بقدر ما وقع فيه من الذنوب والمعاصي، خلافا للخوارج الذين يكفرون بالذنب. قال: ولا يكفرون بركوب معصية ولا عصيان -يعني لا يكفر بفعل معصية لا توجب الكفر-، لا يكفر بركوب معصية لا توجب الكفر، فإذا وقع في معصية دون الكفر -من كبائر الذنوب- فإن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يكفر بذلك، ولكنه يكون ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، يسمى مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن ناقص الإيمان. ويدل على ذلك أحاديث الشفاعة التي ثبتت في السنة -في الصحيحين، وفي غيرهما- في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر الذين يدخلون النار بذنوبهم ومعاصيهم، ثم يشفع النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، ويشفع فيهم غيره من الأنبياء والصالحين، بل ويشفع رب العالمين سبحانه وتعالى في أقوام منهم، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة. ولو كانوا كفارا لما خرجوا من النار، لو كانوا كفارا ما خرجوا من النار، ولخلدوا فيها، فلما كانت لهم شفاعة، ولهم خروج من النار، دل ذلك على أنهم ليسوا بكفار، وإنما يعذبون في النار إذا شاء الله عز وجل أن يعذب من شاء منهم، فيطهر بهذا التعذيب، ثم بعد ذلك يكون مصيره إلى الجنة. وسلك الخوارج على كفر صاحب الذنب والكبيرة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن»، قال: «إذن كافر»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني حين يزني وهو مؤمن» -معناه أنه كافر-، وهذا تأويل باطل، وفهم سقيم. فالمراد: لا يزني حين يزني وهو مؤمن -أي كامل الإيمان-، وإنما ما حصل منه ذلك إلا بسبب نقصان إيمانه، وكذلك أيضا يرد عليه بما ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث -في خارج الصحيح- أن إيمانه يرتفع حتى يكون كالظلة -يكون كالظلة-، فهو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: يكون حاله كحال السكران الذي زال عقله بالسكر، ثم يرجع إليه بعد أن يفيق، فهو في حال وقوعه في هذا الذنب والمعصية يرتفع عنه الإيمان، فإذا انتهى ورجع إلى أمره عاد إليه الإيمان، وليس المراد أنه يكفر، ويخرج من الإيمان. فالذين كفروا صاحب المعصية طائفتان: الخوارج والمعتزلة، الخوارج والمعتزلة كفروا صاحب الكبيرة، واتفقوا على خلوده في النار يوم القيامة، قال الخوارج والمعتزلة: صاحب الكبيرة مخلد في نار جهنم، لكنهم اختلفوا في الحكم عليه في الدنيا، فالخوارج سموه كافر، والمعتزلة قالوا: لا، ما نقول كافر، ولا نقول مؤمن، هو في منزل بين المنزلتين -بين الإيمان والكفر-، لا هو مؤمن، ولا هو كافر. ثم الخوارج حكموا على صاحب الكبيرة -لما كفروه- أباحوا دمه وماله، وأما المعتزلة فتوقفوا في ذلك، لكن الجميع يتفق على أنه خالد مخلد في نار جهنم يوم القيامة. قال: ولا نوجب لمحسنهم الجنان إلى آخر ما ذكر في هذا المقطع، يشير رحمه الله إلى عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم لا يشهدون لأحد بجنة، ولا بنار، إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، فمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة شهدنا له بالجنة، ومن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالنار شهدنا له بالنار. فنشهد أن العشرة المبشرين بالجنة في الجنة، وغيرهم ممن شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام -كعائشة وخديجة وبلال وعكاشة وثابت بن قيس- وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، وهكذا أيضا نشهد -أما غيرهم- أما غيرهم فإنا نرجو للمحسن -نرجو للمحسن المطيع المتقي- أن يكون من أهل الجنة. وهكذا أيضا في أهل النار -من شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالنار- شهدنا له بالنار، وهكذا أيضا ما جاء فيهم النص من القرآن -كأبي لهب وأبي طالب-، وكذلك أيضا زوجة أبي لهب وغيرهم من أهل الكفر، فنشهد لهم بالنار. وأما غيرهم ممن لم يأت فيه النص، فإنا نخاف على المسيء -يعني إذا رأيت شخصا يرتكب المعاصي والذنوب- لا تقول: هذا من أهل النار، لا، من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لشخص معين بأنهم في النار إلا من شهد له النص، لكن من كان يرتكب الذنوب والمعاصي فهذا نخاف عليه، نخاف عليه دخول النار، لكن لا نجزم له بدخول النار، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.