الدرس في شرح الفتوى الحموية 13، ألقاها
ينقل شيخ الإسلام ابن تيمية اتفاق الصحابة على توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته، ولم يختلفوا في أصول الدين وأحكام التوحيد. الاختلاف في مسائل الاعتقاد كان يعتبر كفرا لظهور الحق.
يؤكد على أهمية اتباع منهج السلف الصالح في فهم التوحيد والأسماء والصفات، والرجوع إلى ما كان عليه الصحابة والتابعون. يحذر من اتباع الهوى والظن السيئ بالنصوص الشرعية.
يناقش اعتقاد السلف في صفات الله تعالى مثل الوجه والبصر والقدم، وآرائهم في الإمامة وخلافة أبي بكر، وموقفهم من أهل الكبائر ومسألة الإيمان.
يناقش مسائل العقيدة عند أهل السنة والجماعة مثل الإيمان والقدر ورؤية الله تعالى، ويبين موقفهم من بعض الفرق الأخرى. الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والله يرى في القيامة.
الصلاة في الجماعة واجبة عند النداء بدون عذر، وتركها عمدا كفر. الشهادة على كفر شخص معين بدون علم بدعة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سمعه «اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات»، قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار بتوحيد الله عز وجل ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه، قولا واحدا وشرعا ظاهرا، وهم الذين نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، حتى قال: «عليكم بسنتي»، وذكر الحديث، وحديث: «لعن الله من أحدث»، فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم، إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات، كما اختلفوا في الفروع. ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا، كما نقل سائر الاختلاف، فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم وعامتهم، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين، حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر، ولله المنة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله: «وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابي الذي سمى اعتقاد توحيد بإثبات الأسماء والصفات»، لا يزال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ينقل النقولات عن أهل العلم في هذه المسألة، وربما كان في بعض هؤلاء شيء من المخالفة في بعض الأمور والسلوك وما شابه ذلك. وكما ذكرنا أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حينما ذكر هؤلاء يذكر من بابه أن يحاج من كان يسلك مسلكهم ويسير على طريقهم بأن مشائخهم وأئمتهم يقرون بما أقر به أهل السنة والجماعة فيكون هذا محل إجماع بين كثير من الفرق، بأنهم يقرون من حيث الجملة بما جاءت به الرسل صلى الله عليه وسلم من ربهم جل وعلا، وكذلك يقرون بما جاء به على وجه الخصوص نبينا صلى الله عليه وسلم، وعلى ما كان عليه السلف الأول. كما ذكر رحمه الله في قول: «وهم الذين نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حتى قال عليكم بسنتي»، كما في حديث العرباض بسارية: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور». وكما جاء في قوله في حديث: «لعن الله من أحدث حدثا»، الحديث وهو في مسلم، يعني جاء الحديث: «لعن الله من أحدث حدثا»، وجاء في بعض الروايات: «أو آوى محدثا»، «لعن الله من آوى محدثا»، «ولعن الله من أحدث حدثا»، جاء من حديث أنس في الصيحة، وجاء كذلك من حديث -يعني من حديث-: «لعن الله من آوى محدثا»، جاء من حديث علي رضي الله عنه عند الإمام مسلم. قال: «فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف»، يعني في استدلال الشيخ رحمه الله تعالى بهذه الحديثين بيان من أن الصحابة كانوا من أعلم الناس بشر الإحداث، وكذلك مخالفة الإحداث في دين الله جل وعلا، فكانوا أبعد الناس عن الإحداث؛ لذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسلوك سيرهم واقتفاء أثرهم، فقال: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين بعده، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد، ثم قدوا إياكم ومحدثات الأمور»، فدل على أن ما كان عليه الصحابة ومن سلك سيرهم فإنهم على الأمر الأول وعلى الأمر الفاضل. قال: «فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم»، أي في قول: «عليكم بسنة»، إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات، كما اختلفوا في الفروع، أي كما اختلفوا في المسائل العملية والأحكام، يعني أن في مسائل العملية والأحكام وقع ما وقع من الخلاف الذي مداره بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على اختلاف الأفهام أو اختلاف التنوى، فهو من باب الاختلاف الذي يسوغ فيه الخلاف، وصاحبه بين الأجر والأجرين. أما في باب العقائد فإنهم لم يختلفوا بحمد الله جل وعلا، بل هم مجمعون على هذا الباب، وفي هذا الباب لا خلاف بينهم رضي الله عنهم وأرضاهم في هذا الباب باعتبار الأصول والكليات في باب العقائد، فبحمد الله جل وعلا هم متفقون على هذا الباب؛ لذا قال رحمه الله: «ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا كما نقل سائر الاختلاف»، قال: «فاستقر صحة ذلك عند خاصة معامتهم حتى أدوا ذلك للتابعين لهم بإحسان». وقول رحمه الله: «ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا»، فيه إشارة إلى معنى الإجماع الذي ينقل عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في مسائل الاعتقاد، فهذا المعنى وهو الذي يشير إليه وأشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه: أن الصحابة رضي الله عنهم متفقون في هذا الباب، إذ لم يثبت عن أحد منهم ما يخالف ذلك الأصل، ولو عرف الخلاف وثبت الخلاف لنقل كما نقل الخلاف في المسائل الفقهية، فلما لم ينقل الخلاف عنهم في باب الاعتقاد دل على أنهم مجتمعون على ما جاء في كتاب الله جل وعلا وعلى ما جاء في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لم يختلفوا في ذلك في شيء. قال رحمه الله: «حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن»، أي عقائد أهل السنة والجماعة التي كان عليها صحابة رسول الله ومن تبعهم بإحسان؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر، ولله المنة، بمعنى: لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر باعتبار ما أن هذا غير موجود، الأصل أن الاختلاف في هذه المسائل غير موجود؛ لظهور المعنى ولعدم وجود ما يكون سببا للتأويل أو الجهل؛ لظهور العقيدة والتوحيد، فهم عرب فصحاء، وقد بلغهم العلم أحسن بلاغ وأتم بيان. قال رحمه الله: «وليس معنى هذا لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر»، أي باعتبار أن من وقع في خطأ أو وقع في زلة أنه يكفر، ولكن المقصود عندهم الأصل عندهم في الأصل كفر، الاختلاف عندهم في الأصل كفر، أي باعتبار المسائل العقدية المعلومة ضرورة؛ لأن عندهم صارت هذه الأمور معلومة ضرورة، يعني مثلا مسألة أن الله جل وعلا متصف بصفاته، إذا جاء إنسان فقال: بأن الله جل وعلا ليس متصفا بصفاته، هذا كفر عندهم قطعي؛ لماذا؟ لأن مثل هذا لا يسوغ فيه الجهل، يعلم، لا يسوغ فيه التأويل؛ لظهوره ولعلم الناس به وإحاطتهم له. ثم إني قائل، وبالله أقول: إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين، فخاضوا في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار، وصار معولهم على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به -أي يعني صار معولهم في ذلك ما هو؟ مرجعهم في ذلك ما هو؟ أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به- أي سوء الظن بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من الإخبارات، بل حسنوا الظن بأنفسهم، فتبعوا ذلك الهوى الذي ظنوه حقا. قال رحمه الله: «وصار معولهم على أنه»، جاء في بعض النسخ: «قال وصار معولهم على أحكام هواجس النفس هواجس النفس»، ليس على أحكام هو حسن النفس، على هواجس النفوس المستخرج من سوء الطوية. قال رحمه الله: «أي أن الآيات تخالفهم، الآيات تخالف ما ذهبوا إليه واعتقدوا، فما يستطيع دفعها، ولا هي كذلك موافقة لما عندهم من المخالفة». قال رحمه الله: «فتأولوا على ما وافق هواهم وصححوا بذلك مذهبهم»، احتجت -أي لما يقول رحمه الله تعالى لما أنه لما اختلطوا في أحكام التوحيد إلى آخر قال-: «احتجت»، فيكون هناك قول: «احتجت»، وقع في جواب لما، أي فاحتجت. قال رحمه الله: «احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ومأخذ المؤمنين ومناهج الأولين؛ خوفا من الوقوع في جمرة أقاويلهم التي حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ومنع المستجيبين له حتى حذرهم»، ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتنازعون في القدر، وغضبه، وحديث: «لا ألفين أحدكم»، وحديث: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، وهذا كما ذكرناه -يعني قريبا- أن الحديث جاء عن جماعة من الصحابة، جاء من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أنس، وجاء من حديث معاوية، ومن حديث عوف بن مالك، وهو حديث حسن. قال رحمه الله: «فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه»، ثم قال: «فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان المعروفين بنقل الأخبار ممن لم يقبل المذاهب المحدثة»، فيتصل ذلك قرنا بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والأمانة، الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة. قال رحمه الله: «إلى أن قال -أي من الأمة- رحمه الله تعالى: من الأمة الحديث والسنة الذين تناقلوا تناقل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم الذين يلونهم، كما يقال: كابرا عن كابر، وثقة عن ثقة، وحافظ عن حافظ، بحمد الله رب العالمين جل وعلا». قال رحمه الله: «إلى أن قال: فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها، ذكر أسماء الله عز وجل في كتابه، وما بين صلى الله عليه وسلم من صفاته في سنته، وما وصف به عز وجل مما سندكر قول القائلين بذلك»، مما لا يجوز لنا بذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له. قال رحمه الله: «ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق -يعني أنظر يقول-: ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية»، ففي إشارة إلى معنى التوحيد الذي بعث الله جل وعلا به الرسل. قال رحمه الله: «أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق بما بدأ من أسمائه وصفاته، وأكد عليه السلام بقوله فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾»، إلى أن قال: «بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل، فقال لموسى عليه السلام: ﴿وَأَصْنَعُ إِلَيْكَ نَفْسِي﴾، وقال: ﴿وَيَحْذَرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وللصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح عليه السلام، فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، وقال عز وجل: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وأكد عليه السلام صحة إثبات ذلك في سنته، فقال -يقول الله عز وجل-: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي»، وقال: «كتب كتابا بيده على نفسه إن رحمتي غلبت غضبي»، وقال: «سبحان الله رضى نفسه»، وقال في محاجة آدم لموسى: «أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه»، فقد صرح بظاهر قوله أنه أثبت لنفسه نفسا، وأثبت له الرسول ذلك». قال رحمه الله: «فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنيا على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾»، بمعنى أن أهل السنة والجماعة ما يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، هم مستحبون للقاعدة الكلية التي أخبر بها ربنا جل وعلا عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فلله سمع ليس كمثله شيء، وله بصر ليس كمثله شيء، وله كذلك ذات ليس كمثله شيء، إلى غير ذلك، والقرآن يبين بعضه بعضا، ويوضح بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا؛ لأن كله من عند الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله: «ثم قال: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه عليه السلام بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به صلى الله عليه وسلم، وإن مما قضى الله علينا في كتابه ووصف به نفسه، ووردت السنة بصحة ذلك أن قال الله: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم قال عقيب ذلك: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، وبذلك دعاه صلى الله عليه وسلم: «أنت نور السماوات والأرض»، ثم ذكر حديث أبي موسى: «حجابه النور أو النار، لو كشفه لا أحرقت سبحات وجهه من تهى إليه بصره من خلقه»، وقال: «سبحات وجهه جلاله ونوره»، نقله عن الخليل وأبي عبيد، وقال عبد الله بن مسعود: «نور نور نور وجهه». قال رحمه الله: «ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي»، وذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، والحديث: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»، قال: «ومما تعرف الله إلى عباده»، طيب هذا الحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه، رواه الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه من طريق عبد الرحمن بن موهب، وقال فيه أبو حاتم: «الرئيس صالح»، وهذه رتبة شاذ متابعات. قال رحمه الله: «قال: ومما تعرف الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له وجها موصوفا بالجلال والإكرام، فأثبت لنفسه وجها»، وذكر الآيات، وهو كذلك الحياة، الحي من صفات الذاتية، من أسماء الله جل وعلا، هو متضمن لصفة الحياة، وهي من الصفات الذاتية لله جل وعلا، وكذلك الوجه، وهي كذلك من الصفات الذاتية لله جل وعلا. قال رحمه الله: «ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم، فقال: في هذا الحديث من أوصاف الله عز وجل لا ينام، موافق لظاهر الكتاب: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام»، الحديث في الصحيح. قال رحمه الله: «وأن له وجها موصوفا بالأنوار، فهو لا ينام جل وعلا؛ لكمال حياة ولكمال قيوميته لا ينام»، وأن له بصرا كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير، ثم ذكرنا حديثا في إثبات الوجه، وفي إثبات السمع والبصر، والآيات الدالة على ذلك. قال رحمه الله: «ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين أن قال له: ﴿يَدَانِ قَدْ بَسَطَهُمَا بِالرَّحْمَةِ﴾»، وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت، ثم ذكر حديثا: «يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع فيها رجله»، وهي رواية البخاري، وفي رواية أخرى: «يضع عليها قدمه»، تذكرت شيئا -يعني في ألفاظ الأحاديث في الصحيحين في البخاري وغيره- يعني: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه»، وجاء في بعض الروايات: «حتى يضع الرحمن فيها قدمه»، وفي رواية: «رجله»، قلنا فيما مضى معنا كما ذكرنا في أول كتاب: أن في رواية جاءت: «حتى يضع الجبار فيها قدمه»، قلنا: هذه الرواية كما مر معنا أن خارج الصحيح، والحديث رواه البزار بإسناد صحيح، الحديث رواه البزار بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهم وأرضى. قال رحمه الله: «ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين، وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله»، وذكر قول مسلم البطين نفسه، وقول السدي، وقول وهب بن منبه، وأبي مالك، وبعضهم يقول: «موضع قدميه»، وبعضهم يقول: «واضع رجليه عليه»، طيب وحديث ابن عباس رضي الله عنه قد مر معنا وأنه ثابت صحيح إليه، وأنه موقوف له حكم رافع. قال رحمه الله: «ثم قال: فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة»، موافقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم، متداولة في الأقوال، ومحفوظة في الصدر، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم، نقلتها الخاصة والعامة، مدونة في كتبهم، إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم ممن حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم ومكالمتهم، هذا دعاء عليهم -يعني يدعو أن الله يقلل عددهم- أن لا يكثروا من أهل الأهواء. قال رحمه الله: «وأمرنا أن لا نعود مرضاهم، ولا نشيع جنائزهم»، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه -يعني كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في القدرية-: «إذا ماتوا فلا تشهدوهم، وإذا مرضوا فلا تعودوهم»، الحديث، وبعض أهل العلم يمشي هذا الحديث، وبعضهم يتكلم فيه. قال رحمه الله: «وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس»، وكفروا المتقدمين، وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين، فظلوا وأظلوا عن سواء السبيل، ثم ذكر المأثور عن ابن عباس وجوابه لنجدة الحروري، ثم حديث الصورة، وهو من رؤوس الحرورية، كان يكثر من مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما، كان يكثر من مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما. قال رحمه الله: «ثم حديث الصورة، وذكر أنه صنف فيه كتابا مفردا، واختلاف الناس في تأويله»، ثم قال -يعني اختلاف الناس في تأويله- هل الصورة عائدة على آدم أو عائدة على الله جل وعلا؟ يعني في الحديث: «إن الله خلق آدم على صورته»، هل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان بحيث أبي هريرة: «إن الله خلق آدم على صورته»، هل الضمير عائد على آدم؟ أم أن الضمير عائد على الله رب العالمين جل وعلا؟ ذهب إلى أن الضمير عائد على آدم ابن خزيمة رحمه الله تعالى، وبعض العلماء، والذي عليه أكثر علماء أهل السنة رحمه الله تعالى: أن الضمير عائد على الله جل وعلا، بل جاء عن إمام أحمد رحمه الله تعالى أنه أنكر على من قال: بأن المقصود به آدم، أنكر ذلك إنكارا شديدا؛ ففي الحديث إثبات الصورة لله جل وعلا مع أصحاب القاعدة الكلية، ما هي القاعدة الكلية؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال رحمه الله: «ثم قال: وسنذكر أصول السلف وما ورد من الاختلاف لما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزق وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة إن شاء الله»، ثم ذكر الخلافة في الإمامة، واحتج عليها، وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم الصديق، وأنه أفضل الأمة، الإمامة: أن أبا بكر أحق الناس بالإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافا لما ادعته وزعمته الرافضة من أن عليا هو الأحق بذلك. قال رحمه الله: «ثم قال: وكان الاختلاف في خلق الأفعال هل هي مقدرة أم لا؟»، قال: «وقولنا فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة»، وذكر إثبات القدر، ثم ذكر الخلافة في الإمامة، وهذا في رد على القدرية الذين يقولون: بأن أفعال العباد ليست مخلوقة لله جل وعلا، وإنما هي من خلق العباد، كما هو المعروف عن القدرية، والقدرية كما ذكر ومر معنا في دروس مضت: على قسمين أو طائفتان، غلاة الذين ينكرون العلم، وهؤلاء كفرهم الأئمة رحمهم الله تعالى، وانقرضوا بفضل الله جل وعلا، ذهبت هذه الفرقة، وبقيت الرافضة الأخرى أو القدرية الأخرى الذين ينكرون المشيئة -أي مشيئة الله جل وعلا على العباد- وخلق الله جل وعلا أفعال العباد. قال رحمه الله: «ثم ذكر الخلافة في أهل الكبائر ومسألة الأسماء والأحكام»، وقال: «قولنا فيها أنهم مؤمنون على الإطلاق، وأمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم»، طيب قوله رحمه الله تعالى: «ثم ذكر الخلافة في أهل الكبائر»، أي هل يسلب عنهم اسم الإيمان أم لا؟ هل يسلب عنهم اسم الإيمان كما فعلت المعتزلة والقادرية؟ فقالوا: ليس بمؤمنين، فقالت الخوارج: كفار، وقالت المعتزلة: في منزلة بين منزلتين، أم أن لا نقول ذلك؟ هو يقول رحمه الله: «قال قولنا فيها أنهم مؤمنون على الإطلاق»، وأمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم. والصواب في ذلك: أنهم لا يعطون الإسم المطلق، لا يعطون الإسم المطلق، ولكن يعطون -ولا يسلب عنهم- أصل الإسم، بمعنى أنهم لا يقال: بأنهم مؤمنون، فيفهم منهم أنهم مؤمنون كاملوا الإيمان، ولا يقال: ليسوا بمؤمنين، فيفهم منهم أنهم سلب عنهم الإيمان، ولكن يقال: إما أن يقال: بأنهم مؤمنون بإيمانهم وفاسقون بمعاصيهم، أو يقال: بأن عندهم أصل الإيمان، مؤمنون عاصاه، أو يقال: مؤمنون عاصوا، وما شابه ذلك من الألفاظ التي تدل على المعنيين: تدل على أنهم مؤمنين، وعلى أنهم ليسوا من أهل الإيمان المطلق الذي يمدح صاحبه. فقول رحمه الله: «قولنا فيهم أنهم مؤمنون على الإطلاق»، الإطلاق ليس من أهل الإيمان -كما سمعتم- المطلق، ولكن عندهم أصل الإيمان، وليس عندهم الإيمان المطلق الكامل الذي يحتاجون أو الذي يسن به عليهم. وقول رحمه الله: «وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم»، في هذه الحيثية -يعني هذا القول- قريب من قول المرجئة، المرجئة لا يسلبون عنهم اسم الإيمان، لكن في الآخر يقولون: هم تحت المشيئة، واضح. قال رحمه الله: «وقال: أصل الإيمان موهبة يتولد منها أفعال العباد، فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال»، يعني كلام فيه شيء من الخفاء، فيكون -والله أعلى وأعلم- أصل الإيمان موهبة، قد يراد: بأن الإيمان يقذفه الله جل وعلا بالقلب، فيتولد من أفعال العباد، فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال، والله أعلم. فالأصل كما هو معلوم عند أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فأصله الإقرار والتصديق، فلعله أراد بالموهبة: أي أن الله جل وعلا إن أراد أن يهدي العبد جعل في قلبه ما يكون به متهيئا لقبول الإيمان. قال رحمه الله: «ثم كان الاختلاف بالقرآن مخلوقا وغير مخلوق»، فقولنا: «وقول أئمتنا إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه صفة الله، منه بدأ قولا وإليه يعود حكما»، أي منه بدأ قولا بمعنى: أن الله جل وعلا تكلم به حقيقة ابتداء، وإليه يعود حكما: أي أن حكم الكلام يعود إلى قائله ابتداء، فالمتكلم بكلام ينسب إليه الكلام، يقال: فلان تكلم، ويقال: الله جل وعلا تكلم، فقال كذا وكذا، فالكلام صادر عن من تكلم به ابتداء وهو عائد إليه. قال رحمه الله: «ثم ذكر الخلافة في الرؤية»، وقال: «قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يرى في القيامة»، وذكر الحجة. قال رحمه الله: «اعلم رحمك الله أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين لكل الأزمنة، وقد بدأت أن أذكر أحكام الجملة من العقائد»، فنقول ونعتقد: «أن الله عز وجل له عرش، وهو على عرشه فوق سبع سماواته بكل أسمائه وصفاته، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ولا نقول: إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه؛ لأنه عارم بما يجري على عباده، ثم يعرج إليه»، إلى أن قال: «ونعتقد أن الله تعالى خلق الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء»، أي خلاف المعتزلة الذين يقولون: بأن خلق الجنة والنار الآن عبث، والله جل وعلا قد أخبر بأنهما مخلوقتان، وأنهما معدتان، يعدهما الله جل وعلا لأهل الجنة الجنة لأهلها، والنار لأهلها. قال رحمه الله: «إلى أن قال: ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى بنفسه -أي بقسمه وروحه- بقسمه وروحه، لا كما يقول بعض الناس: بأنه بروحه دون قسمه، بل الحق بأنه عرج به بروحه وجسده»، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، كما قال الله جل وعلا سبحانه: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، فالعبد هو مجموع الروح والجسد، وكما ثبت ذلك في الأحاديث الكثيرة: «وأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب البراق، ودوابه دون الخيل وفوق الحمار»، إلى غير ذلك. قال رحمه الله: «إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار»، كما جاءت الأحاديث في ذلك. قال رحمه الله: «أي ففي إثبات القبضة لله جل وعلا»، قال: «ونعتقد أن للرسول صلى الله عليه وسلم حوضا، ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع»، وذكر الصراط والميزان والموت، وأن المقتول قتل بأجله واستوفى رزقه، خلافا للمعتزرة. قوله: «ونعتقد أن للرسول صلى الله عليه وسلم حوضا»، لمن أنكره من الفلاسفة وأفراخهم، وقوله: «ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع»، كذلك خلافا لمن أنكر هذا من الجهال المنكرين للأشياء الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال: «وذكر الصراط والميزان والموت، وأن المقتول قتل بأجله واستوفى رزقه»، لا كما تقول المعتزلة: من أن المقتول قطع أجله وقطع رزقه، وأنه لو لم يقتل لما مات، بل لمد في عمره. قال رحمه الله: «هذه كل المسائل قد مرت معنا بحمد الله جل وعلا في الشروحات التي مضت معنا، ومن آخرها شرح العقيدة الطحاوية». قال رحمه الله: «إلى أن قال: ومما نعتقد أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ذرة الليل الآخر، فيبسط يده فيقول: ألا هل من سائل»، الحديث، كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، وليلة النصف من شعبان، وعشية عرفة، وذكر الحديث في ذلك، طيب. قال رحمه الله: «قال: ونعتقد أن الله تعالى كلم موسى»، يعني كما دل على ذلك كتاب الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، واتخذ إبراهيم خليلا -يعني كما قال الله عز وجل-: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾- قال: «وإن الخلة غير الفقر»، لا كما قال أهل البدع: أي أن الخلة -كما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى- أنها من أعلى مراتب المحبة؛ لأنها تتخلل الروح العبد وقسمه، فالله جل وعلا باعتبار تخلل المحبة -معناه أن الله جل وعلا قد أحبى أو قد أخذ اتخذ إبراهيم خليلا- فكان من أعلى مراتب العبد بالنسبة لربه جل وعلا: أن جعله الله جل وعلا خليلا -خليلا أي مقربا محبوبا إلى ربه جل وعلا- وليس أن الخلة: «وأن الخلة غير الفقر»، غير الفقر، لا كما يقول أهل البدع: يعني أهل البدع يزعمون: أن الله جل وعلا إن احتاج -إن أحب- فهذا فيه دليل على مدع الحاجة والاحتياج، وهذا ليس بصحيح. قال رحمه الله: «ونعتقد أن الله تعالى خص محمدا صلى الله عليه وسلم بالرؤية، واتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا»، ونعتقد: «أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾»، الآية، ونعتقد: «المسح على الخفين ثلاثا للمسافر، ويوما وليلة للمقيم»، وهذا وإن لم يكن من باب العقائد، ولكن العلماء رحمهم الله تعالى يذكرونه في جملة أو في كتب العقائد؛ لأن الرافضة والشيعة لا يرون جواز المسح على الخفين، فذكر العلماء رحمهم الله تعالى مثل هذه المسائل الفقهية في كتب العقائد؛ لأنه صار شعارا لأهل بدع عدم المسح على الخفين، فكان من شعار أهل السنة والجماعة المسح على الخفين، فلأجلها ذكرت هذه المسائل ونحوها في كتب العقائد. قال رحمه الله: «ونعتقد الصبر على السلطان من قريش -ما كان من جور أو عدل- ما أقام الصلاة من الجمع والأعياد والجهاد معهم، ماض إلى يوم القيامة، والصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب إذا لم يكن عذر أو مانع»، طيب قوله: «الصبر على السلطان من قريش»، نقول: من قريش أو من غير قريش؟ إن استتب له الأمر، واجب الصبر عليه، والصلاة خلفه، والجمع والجماعات والأعياد، إلى غير ذلك، ما هو معتقد أهل السنة والجماعة الذي أجمعت عليه الأمة بحمد الله جل وعلا، واستقر على ذلك الإجماع. قال رحمه الله: «والصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب إذا لم يكن عذر أو مانع، والتراويح سنة»، ونشهد: «أن من ترك الصلاة عمدا فهو كافر»، والشهادة والبراءة بدعة، الشهادة معناها: أن تشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر بدون علم بما ختم الله