التعليق على تفسير سورة الكهف 10

الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 10، ألقاها

تفسير الآيات القرآنية ومعانيها

يتضمن تفسير العديد من الآيات القرآنية وشرح دلالاتها مثل ظن المجرمين دخول النار ومنع الناس من الإيمان. يوضح معاني الآيات ويشرح دلالاتها.

عقوبة الإعراض عن الله والتوبة

يشرح عقوبة من يصر على ذنوبه ويعرض عن آيات الله، كما يبين رحمة الله ومغفرته لمن يتوب. يسد الله على العاصي أبواب الهداية ويغفل قلبه عن الحق.

رحلة موسى للقاء الخضر

يروي قصة موسى عليه السلام عندما سافر للقاء الخضر، حيث فقد هو وفتاه الحوت الذي كانا يتزودان منه. كانت هذه علامة على وجود الخضر عند مجمع البحرين.

فضل الصلاة على النبي

يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وهي من الأعمال الصالحة التي يحبها الله تعالى. تعبر عن التقدير والاحترام لنبي الإسلام محمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله، بتفسيره بقول الله جل وعلا: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم واقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا﴾، قال: أي لما كان يوم القيامة، وحصل من الحساب ما حصل، وتميز كل فريق من الخلق بأعمالهم، وحقت كلمة العذاب على المجرمين، فرأوا جهنم قبل دخولها، فانزعجوا واشتد قلقهم لظنهم أنهم واقعوها. قال: وهذا الظن، قال المفسرون: إنه بمعنى اليقين، فأيقنوا أنهم داخلوها، ولم يجدوا عنها مصرفا، أي معدلا يعدلون إليه، ولا شافع لهم من دون إذنه. وفي هذا من التخويف والترهيب ما ترعد له الأفئدة والقلوب، فالظن هنا بمعنى اليقين، فظنوا أنهم واقعوها، يعني أيقنوا لما رأوا النار بأعينهم، أيقنوا بدخولهم فيها، وكذلك أيضا بحصول العذاب، وأن لا مصرف لهم، وليس لهم معدلا يعدلون إليه، ولا من ينجيهم من عذاب الله سبحانه وتعالى. والآية في بعضها أيضا قراناها، قال رحمه الله، بتفسير قوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا﴾، قال: أي ما منع الناس من الإيمان، والحال أن الهدى الذي يحصل به الفرق بين الهدى والضلال، والحق والباطل قد وصل إليهم، وقامت عليهم حجة الله، فلم يمنعهم عدم البيان، بل منعهم الظلم والعدوان عن الإيمان، فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله وعادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب، أو يرون العذاب قد أقبل عليهم ورأوه مقابلة ومعاينة، أي فليخافوا من ذلك، وليتوبوا من كفرهم قبل أن يكون العذاب الذي لا مرد له. قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل لِيُدحِضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا﴾، قال: أي لم نرسل الرسل عبثا، وليتخذهم الناس أربابا، وليدعوا إلى أنفسهم، بل أرسلناهم يدعون الناس إلى كل خير، وينهون عن كل شر، وأعظم خير يدعون إليه التوحيد، وأعظم شر ينهون عنه هو الشرك، وهذا مما اتفق عليه جميع الأنبياء والرسل، قالوا: يبشرونهم عن امتثال ذلك بالثواب العاجل والآجل، وينذرونهم على معصية ذلك بالعقاب العاجل والآجل، العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة، فقامت بذلك حجة الله على العباد، ومع ذلك يأبى الظالمون الكافرون إلا المجادلة بالباطل ليدحضوا به الحق، فسعوا في نصر الباطل مهما أمكنهم، وفي إذحاض الحق وإبطاله، واستهزأوا برسل الله وآياته، وفرحوا بما عندهم من العلم. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ويظهر الحق على الباطل، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. ومن حكمة الله ورحمته أن تقييضه المبطلين المجادلين للحق بالباطل من أعظم الأسباب إلى وضوح الحق وتبين شواهده وأدلته، وتبين الباطل وفساده، فبذلك تتبين الأشياء، فوجود الباطل والمدافعين عنه والمنافعين عنه هذا مما يظهر الحق ويبينه ويوضحه. وكما قيل كذلك أيضا في بيان هذا المعنى: «وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود، لولا احتراق النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العودي»، فبوجود المضاد والمقابل يظهر بذلك الحق ويتبين. قال رحمه الله: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا﴾، قال: يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلما ولا أكبر جرما من عبد من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل والهدى من الضلال، وخوف ورهب ورغب، فجمع له بين الترغيب والترهيب، رهب من عذاب الله وعقابه، ورغب فيما عند الله من الأجر والثواب، فأعرض عنها فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه، ونسي ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب، فهذا أعظم ظلما من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها. قال: ولكن الله تعالى عقبه بسبب إعراضه عن آياته ونسيانه لذنوبه ورضاه لنفسه حالة الشر ما علمه بها، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل على قلبه أكنة، أي أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات، وإن سمعها فليس في إمكانه الفقه الذي يصل إلى القلب، وفي آذانهم وقرا، أي صمما يمنعهم من وصول الآيات ومن سماعها على وجه الانتفاع، وإن كانوا بهذه الحالة فليس لهدايتهم سبيل، وهذا لشدة إعراضهم وعدم قبولهم للحق، فسد الله سبحانه وتعالى عليهم أسباب الهداية. قال: وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا، قال: لأن الذي يرجى أن يجيب الداعي للهدى من ليس عالما، وأما هؤلاء الذين أبصروا ثم عموا، ورأوا طريق الحق فتركوه، وطريق الضلال فسلكوه، وعاقبهم الله بإقفال القلوب والطبع عليها، فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ورجع سقل قلبه، فإذا زاد ازدادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله جل وعلا: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾»، يعني ختم على قلوبهم بسبب ما اكتسبته أيديهم من الأعمال والذنوب والمعاصي. قال: فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق، وفي هذه الآية من التخويف لمن ترك الحق بعد علمه، وأن يحال بينه وبينه، ولا يتمكن منه بعد ذلك ما هو أعظم مرهب وزاجر عن ذلك. ثم أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب ويتوب الله على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لابد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة. فالله عز وجل يمهل ولا يهمل، يعني يمهل العبد ويعطيه فترة وزمنا لعله أن يتوب أو يرجع، وفي نفس الوقت فهو لا يهمل الظلمة ومن وقع في الذنوب والمعاصي، بل إذا شاء جل وعلا أن يعجل لهم العذاب والعقوبة فعلى ذلك. فإن لم يفعل آخذهم على أعمالهم يوم القيامة، وكما قال الله جل وعلا: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾، أي لو يؤاخذ الله الناس بأعمالهم وما اكتسبته أيديهم من ذنوب ومعاصي ومخالفات ومنكرات لما ترك الله عز وجل على ظهر هذه الأرض أحدا من الدواب، ولا عجل لهم بالعقاب وأبادهم سبحانه وتعالى. قال: بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا، أي لهم موعد يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم منه، ولا مندوحة لهم عنه، ولا ملجأ ولا محيد عنه، وهذه سنته في الأولين والآخرين، ألا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم، أنزل بهم بأسه. ولهذا قال: ﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا﴾، أي بظلمهم لا بظلم منا، وجعلنا لمهلكهم موعدا، أي وقتا مقدرا لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون، وهذا فيه أيضا تخويف للعباد وموعظة أن يتعظوا ويعتبروا بحال تلك القرى الكثيرة الذين عجل الله سبحانه وتعالى لهم العقوبة بسبب ظلمهم، وكذلك أيضا كفرهم وعنادهم. قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا إلى قوله تعالى وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾، قال: يخبر تعالى عن نبيه موسى عليه السلام وشدة رغبته في الخير وطلب العلم، أنه قال لفتاه، أي خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، وهو يوشع بن نون، وهو نبيه من الأنبياء الذي نبأه الله بعد ذلك: «لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين»، ويوشع بن نون الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تحبس الشمس إلا ليوشع»، يعني أخر الله سبحانه وتعالى غروبها حتى فتح الله عليه، ثم بعد ذلك غربت. قال: أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين، أي لا أزال مسافرا وإن طالت علي الشقة ولحقتني المشقة حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحى إليه أنك ستجد فيه عبدا من عباد الله العالمين، عنده من العلم ما ليس عندك، وذلك كما جاء في الصحيح البخاري. غير أن موسى عليه السلام سأل بعض أصحابه هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال: لا، فأعتب الله عز وجل عليه ذلك، فأوحى إليه أن عبدي الخضر أعلم منك. قال: يا رب كيف الوصول إليه؟ فجعل الله سبحانه وتعالى له آية وهو إذا فقد الحوت الذي معه في المكتل، فهو في ذلك المكان. قال: أو أمضي حقبا، أي مسافة طويلة، المعنى أن الشوق والرغبة حمل موسى أن قال لفتاه هذه المقالة، وهذا عزم منه جازم، فلذلك أمضاه. فلما بلغ أي هو فتاه مجمع بينهما، نسي حوتهما، وكان معهما حوت يتزودان منه ويأكلان، وقد وعد وعد أنه متى فقد الحوت فثم ذلك العبد، يعني هو في ذلك الموضع. قال: الذي قصدته فاتخذ ذلك الحوت سبيله، أي طريقه، فهو في البحر سرب، وهذا من الآيات. قال المفسرون: إن ذلك الحوت الذي كان يتزودان منه لما وصل إلى ذلك المكان أصابه بلل البحر، يعني قطرات من ماء البحر، فانسرب بإذن الله في البحر، وصار مع حيواناته حيا، حوت يابس كان ميتا يابسا يتزود منه للأكل منه. فلما وصل إلى هذا الموضع الذي فيه أو يوجد فيه الخضر أصابه هذا الحوت بلل الماء، فانخرط في البحر يجري ويتحرك مع الأسماك في الماء، وهذه آية من الآيات التي أُيد بها موسى عليه السلام. قال: فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين، قال موسى لفتاه: «آتنا غدا إنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصب»، أي لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط، وإلا فالسفر الطويل الذي وصل به إلى مجمع البحرين لم يجد من التعب فيه. وهذا من الآيات والعلامات الدالة لموسى على وجود مطلبه، وأيضا فإن الشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان سهل لهم الطريق. فلما تجاوزا غايتهما وجدا مس التعب. فلما قال موسى لفتاه هذه المقالة، قال له فتاه: «أرأيت إذا أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره»، لأنه السبب في ذلك، «واتخذ سبيله في البحر عجبا»، أي لما انسرب في البحر، أي الحوت، ودخل فيه كان ذلك من العجائب، ولا شك أن هذا من الأمور العجيبة، حوت ميت ما تدري إلا ويقوم وينخلط في البحر يجري. قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا. فلما قال له الفتاه هذا القول، وكان عند موسى وعد من الله أنه إذا فقد الحوت وجد الخضر، قال موسى: «ذلك ما كنا نبغي»، أي نطلب، فارتد، أي رجع على آثارهما قصص، أي رجع يقصان أثرهما الذي نسيا فيه الحوت. فلما وصل إليه وجد عبدا من عبادنا، وهو الخضر، وكان عبدا صالحا، لا نبيا على الصحيح، هكذا قال المؤلف رحمه الله. والصحيح أنه نبي، وليس بولي، الصحيح أنه نبي من أنبياء الله، ويدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾، والمراد بهذه الرحمة هي الوحي، المراد بها الوحي كما في آيات أخر تدل على هذا المعنى. وهكذا أيضا في قوله: ﴿وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾، قوله: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، يعني أن هذا ليس فعل ذلك صادر مني، وإنما هو بوحي من الله سبحانه وتعالى، وهذا هو قول المحققين من أهل العلم أن الخضر نبيا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على