كتاب العلم من صحيح البخاري  12

كتاب العلم من صحيح البخاري 12

الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 12، ألقاها

بداية الدرس وأهمية كتابة العلم

يبدأ الدرس بمناقشة أهمية كتابة العلم وأحاديث حول الكتابة في الإسلام، حيث يستشهد بأحاديث نبوية تشير إلى جواز كتابة الأحكام والعلوم. يُظهر المقطع تفاصيل فقهية متعلقة بالقتل والديّة في مكة.

السمر في العلم والوعظ بالليل وأهمية حفظ العلم

يتناول المقطع أهمية السمر في العلم والوعظ بالليل، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية تظهر جواز السهر لأغراض العلم والوعظ. يشير إلى أهمية حفظ العلم في الصدور وليس فقط في الكتب.

التواضع في العلم وعدم ادعاء المعرفة الكاملة

يتناول المقطع أهمية التواضع في العلم وعدم ادعاء المعرفة الكاملة، ويستدل بقصة موسى عليه السلام مع الخضر، حيث سئل موسى عن أعلم الناس فقال أنا، فعاتبه الله لأنه لم يرد العلم إليه، ثم ذهب موسى في رحلة مع الخضر ليتعلم منه.

ختام الدرس والدعاء

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء أن ينفعهم الله بما تعلموه، ويشكر الله عز وجل. يُعبر عن أمله في أن يكون الوقت كافيا للدرس بإذن الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب كتابة العلم. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا وكيع عن سفيان، سفيان هنا الثوري، أن غالبا وكيع يروي عن سفيان الثوري، وقد روى عن ابن عين، وغالبا إذا روى عن ابن عين عين أنا، قال: عن ابن عين أو سفيان ابن عين، وإذا أطلقه فهو الثوري، وهذا الصحيح؛ لأن بعض العلماء هنا من شراح البخاري أو من اهتم بالرجال البخاري ذكر أنه ابن عين وليس صحيحا. قال: عن مطرف، وهو ابن طريف الكوفي، عن الشعبي، الشعبي هو عامر بن شراحيل، الشعبي رحمه الله حافظ الكوفة، قال: عن نبي جحيفة، وهو وهب بن عبد الله السوائي، صحابي رضي الله عنه، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب أنا خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم به؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. ولا يقتل مسلم بكافر. العقل هي الديات، أنا ما يكون من الديات وقدرها، وفكاك الأسير: أي ما يفك به الأسير، الأسير الذي يكون عند الكفار. ولا يقتل مسلم بكافر: إذا قتل كافر إذا قتل مسلم كافرا فلا يقتل به، وهذا هو ما عليه الأئمة، إلا أن مالكا رحمه الله يقول: إذا قتله غيلة، إذا قتله غيلة فإنه يقتل به، إذا قتله اغتاله بدون استعداد ولا مواجهة فإنه يقتل، واختار ذلك الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، على أنه جعل ذلك من المحارب، أنا قاس هذا بالمحارب والمحارب يقتل. قال رحمه الله تعالى: ووجه الشاهد من هذا الحديث هو قوله: «إلا ما في هذه الصحيفة»، على أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لعلي أن يكتب صحيفة فيها أحكام، فيه إجازة النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة. قد جاء النهي عن كتابة غير القرآن، لكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة في آخر حياته رخص صلى الله عليه وسلم ببعض الأشياء كما سيذكرها المؤلف هنا أو ذكر بعضها. قال رحمه الله: حدثنا ابن عين، الفضل بن دكين الكوفي، قال: حدثنا شيبان، وهو ابن عبد الرحمن النحوي، أيضا كوفي، قال: عن يحيى، وهو ابن كثير الطائي، عالم أهل الجزيرة وحافظهم، كان يقول: لا ينال العلم براحة الجسد، كما ذكره مسلم عنه، لا ينال العلم براحة الجسد، بل يحتاج العلم إلى جهد وتعب. قال: عن يحيى، عن أبي سلمة، وهو ابن عبد الرحمن، أبو سلمة، قيل أن اسمه كنيته أبو سلمة، اسمه وكنيته، وقيل أن اسمه عبد الله، وقيل غير ذلك، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بكثير منهم، قتلوا على كأنهم استوفوا ذلك القتيل وأخذوا القود منه بقتله، وقتلوا في مكة، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فركب راحلته فخطب صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: «إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيلة»، شك أبو عبد الله، «وسلط عليهم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لأحد بعدي، ألا وإنها حلت لساعة من نهار، ألا وإنها ساعة هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا تلتقط ساقطتها»، لا يعضد: معنى لا يقطع، ولا تلتقط: ولا يختلى شوكها أيضا، لا تخرج هذه الأشجار التي لها شوك، وجاء: «ولا يختلى خلاها»، والخلاء هو العشب الرطب. قال: «ولا تلتقط ساقطتها إلا المنشد». وأكثر العلم يقولون: أنها لا يتملكها أبدا، لقطة الحرب لا تملك، هذا قول أكثر العلم، وإنما ينشدها، فإذا جاء السنة الأخرى ينشدها أو يعطيها لمن ينشدها السنة الأخرى. لكن بحمد الله عز وجل أن جعله هنا في الحرب أمانات، فيعطيها لهذه الأمانات، فمن ضاعت عليه إلى هذه الأمانة. قال: «فمن قتل فهو بخير النظرين، إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل»، معنى إما أن يطلب الدية، وإما القصاص. قال: فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: «اكتبوا لأبي فلان». وجاء في رواية أنه يقال له يقال لهذا الرجل أبو شاه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه». قال رحمه الله: فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: «اكتبوا لأبي فلاد». فقال رجل من قريش: إلا الإذخر. وجاء في حديث ابن عباس أن الذي قال هذا الكلام هو العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر». والظاهر لعلة الرائحة التي فيه. قال: فقال أبو عبد الله، أي البخاري: يقال: يقاد بالقاف. فقيل لأبي عبد الله: أي شيء كتب له؟ قال: كتب له هذه الخطبة، على الخطبة التي كتبها، التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، سفيان هنا هو ابن عيينة، قال: علي بن عبد الله مختص في سفيان ابن عيينة، ولم يرو عن الثوري، قال: حدثنا عمر، وهو ابن جنيار، قال: أخبرني وهب بن منبه، وهو اليماني، أخو همام على أخيه، وهو همام بن منبه، صاحب أبي هريرة، وهي نسخة، نسخة همام عن أبي هريرة، كتاب معنى. وقد ذكر البخاري المسند، أغلبه، قال: على أخيه. قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب ولا أكتب. تابعه معمر عن همام عن أبي هريرة، أي تابع وهب وهذا الحديث فيه الكتاب أيضا، أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر الكتابة. قال: حدثنا يحيى بن سليمان، ويحيى بن سليمان مصري، قال: حدثنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، ديوان العلم، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه، قال: توني بكتاب، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. أنا يريد أن يكتب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يعين من سيكون بعده الخليفة. قال: عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط لكثر الكلام بينهم حتى ارتفع. قال: فقال صلى الله عليه وسلم: «قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه. فهذه كل الأحاديث التي ذكرها لما انبغى في هذا الباب تدل على كتابة الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز كتابتها. وقول: «كل الرزية»، الرزية: معنى المصيبة. قال: باب العلم والوعظ بالليل. قال: حدثنا صدقة بن عبد الله، قال: أخبرنا ابن عيينة، وسفيان عن معمر، عن الزهري، عن هند، وهي هند الفراسية، قال: عن أم سلمة رضي الله عنها. قال: وعمر، ويحيى بن سعيد، عن الزهري: ما لا يقول ابن عيينة أيضا، حدثه عمر، ويحيى بن سعيد، أي عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة. ويحيى بن سعيد يعد من مشايخ الزهري، لكن هنا روى عن الزهري أنه هو أكبر من الزهري. قال: عن هند، عن أم سلمة: قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: «سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن؟ هيقظوا صواحبات الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة». فهذا العلم والوعظ بالليل، قام النبي صلى الله عليه وسلم في الليل فوعظ بهذا الوعظ العظيم، وعيقظ أزواجه لكي يصلين. وأيضا وعظهم بقول: «فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة»، ما عندها أعمال، فالكساء يوم القيامة هو الأعمال. وفيه وجه الشاهد هنا: أنه قام النبي صلى الله عليه وسلم يعظ بالليل. وجاء في حديث أبي، الذي في سنن الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الليل، فقال: «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه». قال: باب السمر في العلم. قال: حدثنا سعيد بن عفير، وهو المصري، قال: حدثني الليث، وهو الليث بن سعد، أبو الحارث الفهمي، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، وهو مصري أيضا، فهمي مصري، وقد كان أميرا في مصر، عن ابن شهاب، عن سالم، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة: أن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال: «رأيتم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد». أنا بواب عليه الإمام البخاري باب السمر في العلم؛ لأنه قام بعد صلاة العشاء وتكلم بهذا، فيجوز للإنسان أن يسمر لأجل العلم، وهذا كان دأب السلف رحمهم الله، وكان أيضا أبو بكر وعمر يسهران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لمصلحة المسلمين، فيجوز لهذه الأغراض الحميدة أن الإنسان يسهر، بل سهره عبادة. وأما السهر لما لا ينفعه فهذا مما لا ينبغي أن يكون، وكذلك خاصة السهر إذا كان في معصية فهذا أعظم. قال رحمه الله: حدثنا آدم، وهو ابن أبي إياس العسقلاني، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا الحكم، وهو ابن عتيبة، محدث وفقيه من فقهاء الكوفة، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام، ثم قال: «نام الغليم». على تصغير غلام. «نام الغليم أو كلمة تشبهها». قال ابن عباس: كان يعمل نفسه أنه نائم حتى يرد نبي صلى الله عليه ما يفعل في ليله. ثم قام، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه. فيه أن الإنسان يجب عليه إذا صلى مع إمام وهو وحده يصطف عن يمينه. وفيه وجه الشاهد: كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، وتكلم مع ميمونة بعد صلاة العشاء. قد جاء أيضا في حديث عائشة: أنه كان إذا أراد شيئا من أهله نام. قال: قال: فقمت عن يساري، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات، ثم صلى ركعتين، يعني صلى أول الليل صلى أربع ركعات قبل أن ينام، ثم صلى خمسا عندما قام، ثم صلى ركعتين، ثم نام. وهاتان ركعتان هما ركعتا الفجر، ثم نام حتى سمعت غطيطا أو خطيطا، ثم خرج إلى الصلاة. فهذا فيه كما تقدم ما ذكره المؤلف في السمر في العلم. قال: باب حفظ العلم. قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، وهو ليث، قال: حدثني مالك، وهو خاله، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، عن ابن شهاب، عن العرج، والعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، عبد الرحمن بن هرمز العرج، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة. ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا. ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:159] إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، الصفق: أي ما يكون من التجارة من البيع والشراء، ما قوله: الصفق؟ معنى: عقد البيع والشراء. قال: وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم. وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، على ما سواء كان وجد طعاما أو لم يجد، قال: ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. فيه حفظ العلم، وأن المسلم أو طالب العلم يهتم بحفظ العلم، ولا يجعله في الكراريس، يجعله في الدفاتر، بل يحاول أن يحفظ العلم؛ فإن العلم الذي يكون محفوظا في الصدور، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم. وما يجحد بآياتنا. فالله عز وجل ذكر القرآن، وذكر أنه محفوظ في صدور العلم، فالعلم هو الذي يحفظ في الصدور، هذا الذي ينفع الإنسان. أما إذا كان في الكراريس دون أن ينظر إليه ودون أن يراجعه فهذا ما سينفعه. قال: وحدثنا أحمد بن أبي بكر، أبو مصعب الزهري، صاحب مالك، إمام من أئمة المالكية، روى عنه البخاري في العلم، أو هذا الحديث في هذا الكتاب، فهو زهري مدني، وهو من خيرة أصحاب مالك، وأيضا قد روى الموطأ عن مالك، قال: حدثنا محمد بن مهران، وهو مدني كذلك، قال: عن ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب، وهو مدني، عن سعيد المغربي، وسعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة. وهذا إسناد كله مدني. قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه. قال: «بسط دائك». فبسطته. قال: «فغرف بيدي، ثم قال: ضمه». فضممته. قال: فما نسيت شيئا بعده. وهذا يدل على كثرة السبب الذي جعل أو جعل من أبي هريرة حافظا كبيرا؛ فإنه بعد هذا الأمر حافظ هذا الحديث ولم ينساه. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي، عبد العزيز، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المغربي، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. على الظاهر كما قال العلماء: أنه في الفتن، وفي تعيين بعض الناس، فلهذا لم يبثه أبو هريرة، وليس هذا من كتمان العلم، وإنما لأجل المصلحة، وليس المراد أيضا كذلك أن هذا العلم لم يبث، وإنما بثه للعلم، قد يكون من عند غير أبي هريرة، من عند غير أبي هريرة، وقد يكون أيضا يسر أبو هريرة ببعضه لبعض أصحابه المقربين. قال: باب الإنصات للعلماء. أن الإنصات للعلم له دور العظيم، فهو بوابة الفهم، وبوابة الحفظ. قال: حدثنا حجاج، وهو حجاج بن منهال، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني علي بن مدرك، عن أبي زرعة، وهو ابن عمر بن جرير، قال: عن جرير، وجرير بن عبد الله البجلي، جد أبي زرعة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له في حجة الوداع: «استنصت الناس». أن أجعلهم اسكتوا حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض». فالإنصات للعلماء والاجتماع لما يقولونه مهم جدا، لا يجلس الإنسان في مجلس علم ولا ينصت للعالم أو يشتغل بغيره؛ فإن هذا يلهيه عن هذه الفوائد التي تكون من ذلك العالم. قال: باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو المسند الجعفي، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، عرفنا أنه ابن عيينة برواية المسند الجعفي، وكذلك بروايتي عن عمر بن دينار، قال: حدثنا عمر بن دينار، قال: أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بن إسرائيل، إنما هو موسى آخر. معنا الذي ذكره الله عز وجل في سورة الكهف. وقال: كذب عدو الله. وإنما قال: عدو الله: زيادة في التنفير، مثل هذه الأقوال التي تأتي بغير علم، حتى لا يتجرأ فيأتي بأقوال ليس عنده علم بها، أو كذلك لغيره، لا يتجرأ أن يأتي بأقوال لا يعلم، أو أقوال خطأ وبعيدة عن كتاب الله جل وعلا، أو عن تفسيره. فقال: كذب عدو الله. قال: حدثني أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه قال: قام موسى النبي خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه: أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال: يا ربي، وكيف به؟ فقيل له: احمل حوتا في مكتل، فإذا فقدته فهو ثم. قال: إذا فقدت هذا الحوت فتجد الخضر في ذلك المكان، فهو ثم. أي هناك. قال: فانطلق، وانطلق بفتاه يوشع بن نون، وحملا حوتا في مكتل، حتى كان عند الصخرة، وضع رؤوسهما ونام، فانسل الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله في البحر سربا. وكان لموسى وفتاه عجبا. فانطلق بقية ليلتهما ويومهما، يعني كان الحوت ميتا، فأخرج إلى البحر، فرأى السباحة في البحر ودخل. قال: فانطلق بقية ليلتهما ويومهما. فلما أصبح، قال موسى لفتاه: «آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصب». أي تعب. ولم يجد موسى مسا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به. فقال له فتاه: «رأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت». قال موسى: «ذلك ما كنا نبغي». فارتد على آثارهما قصصا، أي تتبعا آثار أرجلهما. قال: فلما انتهى إلى الصخرة، إذا رجل مسجى بثوب، على مغطى، مسجى: معنى مغطى بثوب، أو قال: تسجى بثوبه. فسلم موسى. فقال الخضر: «وأنا بأرضك السلام». فقال: أنا موسى. فقال: موسى بن إسرائيل. قال: نعم. قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟ قال: «إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى». أي يقول الخضر لموسى عليه السلام: يا موسى، إني على علم من علم الله علمني، لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه أنت لا أعلمه، أن هذا العلم الذي مع الخضر علم لا يعلمه موسى، وموسى رسول الله، فهو أعلم من الخضر في مسألة النبوة ومعرفة الله عز وجل. قال: «ستجدني إن شاء الله صابرا، ولا أعصي لك أمرا». وانطلق يمشيان على ساحل البحر، ليس له مركب، فمرت بهما سفينة، فكلموهم من يحملوهما، فعرف الخضر أن أصحاب السفينة كانوا يعرفونه في ذلك المكان. قال: فعرف الخضر، فعرفوا، أو فعرف الخضر: يعني عرف على صيغة المجهول: أن هؤلاء أصحاب السفينة، أو أن الخضر كان معروفا عندهم، فحملوهما بغير نول، بغير أجرة. فجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة، على طرف السفينة، فجاء هذا العصفور، فنقر نقرة أو نقرتين في البحر. فقال الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر. سبحان الله، علم الله عز وجل واسع، ومهما أخذ الإنسان من العلم فهو لم يأت من العلم إلا قليلا، وما أتيت من العلم إلا قليلا. قال: فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة، فنزعه. وقال موسى: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ قال: «لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا». قال: لا تؤاخذني بما نسيت. فكانت الأولى من موسى نسيانا. فلنسى ما كان. قال له: قال: فانطلقا. وإنما موسى نسى؛ لأن هذا الذي فعله الخضر لا يفعله في الظاهر، كيف أحسنوا إليك ثم تسيء إليهم؟ هذا في الظاهر. قال: فإذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه، فاقتلع رأسه بيده. فقال موسى: «قتلت نفسا زكية بغير نفس». قال: «لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا». قال ابن عيينة: وهذا أوكد. فانطلقا حتى إذا أتى أهل قرية، استطعم أهلها. وجاء في القرآن: أن الله عز وجل قال لموسى: «إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرا». قال: حتى إذا أتى أهل قرية، استطعم أهلها، فأبوا أن يضيفوهما. فوجد فيها جدارا يريد أن ينقض، فأقامه الخضر بيده، فأقام هذا الجدار. فقال له موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجرا. قال: هذا فراق بيني وبينك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى، لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما». فهذا تقدم معنا الكلام على هذا الحديث، وأن الإنسان أو العالم مهما بلغ علمه فإنه لا ينبغي أن يقول: أنا أعلم الناس، أو أعلم من في هذا المكان أو كذا، بل يتواضع لله جل وعلا، وإن كان حتى ولو كان الأمر حقيقة، فإنه لا يقول هذا الكلام؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام كان نبيا لله، فهو أعلم من كان في ذلك الوقت، فقال بحسب علمه، فعاتبه الله عز وجل على ذلك. فلعل الوقت إن شاء الله تعالى قد أخذنا، فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا. الحمد لله رب العالمين، ونسأل الله...

شاركنا على