آثار وآداب الصيام 2

الدرس في آثار وآداب الصيام 2، ألقاها

مفهوم الإخلاص وأهميته

الإخلاص هو تصفية العمل من الشوائب وإرادة الله عز وجل به، وهو شرط أساسي لقبول العبادة. بدون الإخلاص تكون الأعمال ناقصة أو باطلة.

الإخلاص في العبادات

الصيام يعزز الإخلاص في النفوس لأنه عمل خفي لا يراه الناس، وقد ورد في الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".

آثار الإخلاص على الفرد والمجتمع

الإخلاص في العمل يؤدي إلى نتائج عظيمة سواء على الفرد أو المجتمع، مثل قبول الطاعة كما ورد في قصة الثلاثة الذين توسلوا بأعمالهم الصالحة لينجو من الصخرة التي سدت عليهم الغار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى، كما تعلمون، في هذا الوقت معنا هذا الدرس وراء آثار رمضان، وأدابه. وإن شاء الله تعالى نأخذ أثرا من آثار رمضان والصيام، وهو الأثر العظيم الذي يترتب عليه هذا الصيام، وكذلك يكون عليه هذا الشهر العظيم، وهو أثر الإخلاص لله جل وعلا. فهذا الأثر العظيم الذي هو مقدمة الأمور، وهو السابق في كل أمر. فقبل أن نذكر أثر اكتساب هذا الإخلاص من الصيام، نتكلم أولا على ما هو الإخلاص، وأهميته في دين الله جل وعلا. فالإخلاص، عباد الله، هو من خلص الشيء أو خالصه، وهو التخليص من ما يشوبه، ما يشوب العمل من شوائب. ولهذا إذا أدخل الذهب أو الحديد يدخل الكير، فيخرج صافيا، إما ذهب صافيا، وإذا أدخل الحديد أيضا أخرجت شوائبه وصفيا. وهذا هو الإخلاص، هو تصفية العمل من الشوائب، تصفية العمل من ما يشوبه من الشوائب التي تعترض العمل لله جل وعلا. فالإخلاص الذي في الشرع هو إرادة الله عز وجل بالعمل، هو إرادة الله سبحانه وتعالى امتثال أوامره في العمل. فهذا هو الإخلاص في دين الله جل وعلا، وفي الأعمال، وهو المراد، أنه أن تخلص لله عز وجل، أو أن تخلص العمل من كل ما سوى الله جل وعلا، تخلص عملك من كل ما سوى الله سبحانه وتعالى، أي تريد بهذا الصيام وجه الله جل وعلا، وتتخلص من جميع الشوائب التي تعترض العمل وتعترض النية من إرادة النفس وإرادة الدنيا وإرادة الحاجات وقضائها، أو إرادة خدمة أو غرض من الأغراض، أو رفعة عند شخص أو غيرها من الأغراض والشوائب التي تعترض العمل أو تعترض نية العمل. فهذه الشوائب إذا أزيلت، فهو الإخلاص لله جل وعلا. فلهذا فالإخلاص عزيز وعظيم، وإذا وقع في العبادة، كانت العبادة ناجحة. ولهذا من أهمية الإخلاص أنه شرط في العبادة. وما أمروا إلا ليعبد الله مخلصين له الدين، ألا لله الدين الخالص. فلابد من العبادة لله الإخلاص في عبادة الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل أمر بذلك. قال الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: «قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين». فلهذا فالإخلاص له أهمية عظيمة في ديننا. ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مبينا أهمية الإخلاص، وأيضا مفهومه في ديننا، أن الإخلاص هو أمر الدين كله، الإخلاص هو أمر الدين كله، وهو مدار الأعمال، وهو ميزان الأعمال. قال: وقطب رحى القرآن حوله، أي تدور حول الإخلاص لله عز وجل. ثم ذكر قضية يوسف عليه الصلاة والسلام، لما قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. ذكر بعد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العبد قبل الإخلاص، وإن كان يعمل العمل، لكن لا يدوق حلاوة هذا العمل وحلاوة الإيمان، لأنه يعترضه الهوى فينتزعه. إذا كان الإخلاص غير موجود، الهوى يسبق يسبق العمل، فتكون هوى النفس متقدمة في الأعمال. فتجد أنه يعمل العمل لأجل غرض من الأغراض. يدخل الرياء بعد ذلك في العمل. قال رحمه الله: فإذا جاء الإخلاص، انقهر الهوى بلا علاج، ليس هناك علاج يعالج هذا الهوى إلا الإخلاص والصدق مع الله جل وعلا. فإذا أخلص العبد لله، ذهب الهوى بما فيه، وترك هذه الشوائب كلها. فلهذا فالإخلاص له أهمية عظيمة في هذا الدين، لأن الله عز وجل أقام هذا الدين على الإخلاص. كما ذكرنا في الآيات، وجاء كذلك في صحيح مسلم، في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال الله عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته للذي أشرك». فالإنسان مثلا إذا جاء يصلي، فزين صلاته لأجل فلان، أو أنه صلى لأجل فلان أن يراه، فهذا رياء، فصلاته غير مقبولة. إذا صام أيضا لغير الله، وإن كان الصيام كما سيأتي معنا لا يكون فيه رياء في فعله، وإنما يكون الرياء في الإخبار به. فلهذا فالخلاص إذا لم يدخل العبادة، فالعبادة غالبا تكون ناقصة، أو تكون باطلة أحيانا. الإخلاص يذهب كله. فهذا مثل أعمال المنافقين الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ليس في أعمالهم إخلاص. فالصيام يعلم الإخلاص، يعلم الإخلاص لله، وإن لا يستطيع الإنسان الذي ليس عنده دمة، وليس عنده عهد لله، وليس أيضا أو بعيد من الطاعة، أنه يذهب ويأكل في شهر رمضان. كما يفعل بعض الشباب هداهم الله، فيتنصلون عن أوامر الله جل وعلا. فلهذا فالصيام يعلم الإخلاص من هذا الباب، ويربي الناس على الإخلاص. الصائم يصوب للإخلاص. ولهذا كما تعلمون، في حديث أبي هريرة الذي جاء عنه من طرق كثيرة، أنه قال: يقول الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». فهذا فسره أكثر العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم»، أي كل عمل ابن آدم ينتفع بعملي، ويؤجر على قدر عمله، إلا الصوم، فإن أجره عظيم، وتكفل الله عز وجل بأجر الصائم. لماذا؟ قالوا: لأن الصوم فيه الإخلاص المجرد لله جل وعلا. ليس هناك عبادة مثل عبادة الصوم، ليس هناك عبادة فيها إخلاص العمل كعبادة الصوم. وتجد أن الرياء يدخل في جميع العبادات، حتى العبادات البدنية، الصلاة، الزكاة، كذلك الحج، كذلك غيرها من هذه الأمور يدخل فيها. ولهذا كلما أخفى الرجل عمله في العبادات البدنية أو العملية أو غيرها أو المالية، فإن أجره عظيم. فالإخلاص في العمل له آثار أيضا، له آثار في الفرد، وله آثار في المجتمع. ومن أعظم آثاره قبول الطاعة. وعلى سبيل المثال، ذاك الحديث الذي رواه عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عمر، في قصة الثلاثة الذين أطبقت الصخرة عليهم الغار. أنه لما بطرت السماء، دخلوا غارا حتى يكنوا أنفسهم في هذا الغار، فجاءت صخرة فسدت فوهة الغار، سدت فوهة الغار، فما استطاعوا أن يخرجوا. فقالوا: ما ينجيكم إلا أن تتوسلوا بأعمالكم الصالحة. فذكر ثلاثتهم أعمالا أخلصوا فيها لله عز وجل. فكانوا آخر شيء يقولون: «اللهم إن كان هذا عملي لك، تعلم أنه لك، فافرج عنا هذه الصخرة». فجعلوا يتوسلون بإخلاصهم في هذه الأعمال. فمنهم من ذكر ما هم به من ابنة عمه، ثم قام عنها إخلاصا لله جل وعلا. وكذلك الثاني ما كان من عمله لوالديه، ومن إخلاصه في خدمتهم وفي طاعتهم. والثالث فيما بدل ذاك الرجل من حفظ أجرة الأجير، حتى جاء وقد وجد أجرته كبيرة جدا، فأعطاه إياها كلها لله عز وجل. فهذه الأعمال أخلص فيها العمل، فأصدقهم الله جل وعلا في ذلك، فكان أثره عظيم. وهكذا أثر الإخلاص حتى على المجتمعات أثر عظيم. فنسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بمغفرة ورحمة، سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على