الدرس في آثار وآداب الصيام 12، ألقاها
المحور الأول يتحدث عن أهمية قيام الليل في الإسلام، ويبين فضله ومكانته في الشرع، مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
المحور الثاني يبين أن قيام الليل من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله، ويشير إلى أحاديث نبوية تشير إلى فضله وأجره العظيم.
المحور الثالث يستعرض الأحاديث والفضائل المتعلقة بقيام الليل، ويشير إلى أنه سيتم التطرق لقيام رمضان في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذا اليوم نأخذ أثرًا من آثار هذا الشهر العظيم، وآدبًا من آدابه، ألا وهو قيام الليل، أو ما يسمى بالتراويح. فهذا الأمر، أو هذا الأثر، هو أثر عظيم جاء في هذا الشهر خاصة، أي في جماعة، ولم يشرع في جماعة إلا في هذا الشهر. وإلا فصلاة الليل مشروعة في كل وقت، بل إن الله عز وجل فرضها على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾. فهذا يدلنا على أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يقوم الليل. وقد كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يتخلف عن ذلك، صلوات الله وسلام عليه. فإذا صاح الصائح -وهو الديك- قام صلى الله عليه وسلم، يقوم نصف الليل غالبًا، ويصلي ثلثه، وينام سدسه، مثل صلاة نبي الله داود، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر. وكذلك أيضًا كان أحيانًا يقوم أول الليل، ويقوم وسطه، ويقوم آخره، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «من كل الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم». فلهذا كانت هذه الصلاة لها أثر عظيم في شرعنا. وقد أثنى الله عز وجل على الصحابة رضي الله عنهم بصلاتهم، أو بأنهم كانوا يقومون الليل ويصلون الليل في عدة آيات. ولما وصف الله عز وجل عباد الرحمن قال: ﴿الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما﴾، يبيتون لربهم، أي يبيتون من الليل والناس النيام، وهم قيام يصلون لله عز وجل. كذلك الله عز وجل يقول: ﴿إن المتقين في جنات وعيون، آخذين ما آتاهم ربهم، إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون﴾، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، أي ما ينامون ويرقدون. كما قال الحسن ابن أبي الحسن أبو سعيد البصري رحمه الله: «كابدوا الليل فقاموا للصلاة، ثم نشطوا فمدوا إلى السحر، وبالأسحار هم يستغفرون»، أي مدوا ليلهم حتى كان السحر، استغفروا الله عز وجل. ولهذا، كما جاءت نصوص كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضله. وكذلك أيضًا الله عز وجل مدحهم أيضًا في سورة السجدة: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون﴾، تتجافى جنوبهم عن المضاجع، أي أنهم لا يستمرون في المضاجع، وليقوموا ويثوروا من هذا المضجع، ويصلون لله جل وعلا. ثم قال الله عز وجل: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. قال الحسن رحمه الله: «لما أخفى قوم عبادتهم لله، أخفى الله عز وجل عنهم -أو أخفى لهم سبحانه وتعالى- ما لم تر عين، ولا خطر على قلب بشر». الله عز وجل جازى هؤلاء الذين هم يصلون والناس النيام، أخفوا أعمالهم لله جل وعلا إخلاصًا لله، فجازاهم الله عز وجل أن أخفى لهم الثواب العظيم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾، معنى من الراحة والنعيم والسرور الذي يجدونه يوم القيامة. فلهذا فالجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما في حديث أبي هريرة في البخاري. طيب، فأيضًا كذلك جاء عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المتقين، وفي فضل قيام الليل. ومن ذلك ما رواه حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، قال: «صلاة الليل». وأفضل الصيام بعد رمضان، قال: «صيام شهر الله المحرم». فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة -بعد الفرائض- هي صلاة الليل، أعظم صلاة جعلها الله عز وجل لعباده. وقد تقدم معنا حديث علي ومالك الأشعري، وكذلك أيضًا جاء من حديث عبد الله بن عمر، وجماعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها». فقيل: «لمن يا رسول الله؟» قال: «لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وصلى بالليل والناس نيام». وكذلك أيضًا روى زرارة بن أوفي عن عبد الله بن سلام ذلك الحبر، عبد الله بن سلام الذي تغلغل الإسلام في قلبه حتى بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وكان صادقًا رضي الله عنه، لما سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم أسلم من أول وهلة، وهو من أول من أسلم من اليهود في المدينة. وقد روى حديثه في السنن، عن زرارة بن أوفي، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، قال: «لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فنظرت إليه، أو تشرفت إلى أن أنظر إليه، فرأيت وجهًا ليس بوجه كذاب». ثم سمعته يقول: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا جنة ربكم بسلام». فهذا يبين لنا هذا الفضل العظيم الذي أعطاه الله عز وجل في هذا الليل الذي يكابده الإنسان. ومن فضل الله عز وجل أن الله عز وجل جعل في الليل ساعة يستجاب فيها الدعاء، كما جاء في الحديث الذي رواه الأعمش، عن سفيان، عن طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن في الليل لساعة، لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل خيرًا إلا أعطاه الله إياه». خرجه الإمام مسلم رحمه الله. فهذا الحديث يبين أن في الليل هناك ساعة جعلها الله عز وجل لاستجابة الدعاء، والظاهر أنها في الثلث الأخير من الليل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر، أو الذي رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واشتهر عن أبي هريرة من عدة طرق، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى ينفجر الفجر، أو حتى يأتي الفجر». على اختلاف الروايات. فهذا الحديث يبين لنا أن هناك ساعة تكون في آخر الثلث، أو في الثلث الأخير من الليل، إذا اغتنمها الإنسان ودعا الله عز وجل، أو صلى ودعا في صلاته، فإنه أقرب ما يكون العبد إلى ربه، كما في حديث عمر بن عبسة في صحيح مسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر». فهذا يبين لك أن الإنسان يجتهد في صلاة الليل، ويدعو كما ذكر الله عز وجل عن أهل الإيمان، الذين وصفهم بالخير من الصحابة رضي الله عنهم: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون﴾. وكذلك أيضًا جاء التحديث أيضًا في فضل قيام الليل، وهي كثيرة. نذكر بعضها، فمن ذلك مثلًا ما جاء في حديث سهل بن سعد، رواه عنه أبو حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به». واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس. وهذا الحديث جاء من طريق زافر بن سليمان، وهو فيه ضعف، لكن له شواهد تدل على أن الحديث صحيح. وكذلك أيضًا جاء في حديث ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومكفرة لسيئاتكم، ومنهاة للإثم، وقربة إلى ربكم». فهذه الفضائل العظيمة التي ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، أو في صلاة الليل، هي أجور عظيمة جدًا، لا ينبغي للمؤمن أن يفرط فيها. وزد على ذلك أن الله عز وجل يحب ويستبشر بعباده الذين يقومون الليل. فجاء في معجم الطبراني، وكذلك البزار، من طريق جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، وكذلك جاء نحوه عن عبد الله بن مسعود، قال أبي الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاثة يحبهم الله عز وجل، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم». وذكر منهم: «رجل كان له امرأة حسناء، وفراش وطئ، فراش هنيء، وفراش أيضًا لين، فقام إلى الصلاة». فيقول الله عز وجل: «انظروا إلى عبدي قام ليصلي، أو أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم». وفي حديث عبد الله بن مسعود: «يعجب ربك من رجلين: رجل ثار إلى الصلاة، ويترك حبه وأهله، عنده أهله، وعنده امرأته، ويترك حبه وأهله، وفراشه». فيقول الله عز وجل: «انظروا إلى عبدي قام ليصلي، لي وترك شهوته». أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا يدل على قلب المؤمن أنه معلق بصلاة الليل. وهكذا المؤمن إذا أراد أن يقوم الليل، لابد أن يكون قلبه معلقًا بذلك، نيته بذلك، أنه سيقوم الليل. فلهذا تجد أن من اعتاد قيام الليل يقوم بدون أن أحد ينبهه، ولو حتى منبه ما يجعله لا منبه ولا غير، فيأتي الوقت الذي يريده فيقوم إليه، لأنه عود نفسه على ذلك. وكذلك النية لها دور في ذلك، إذا توضأ الإنسان قبل أن ينام، وأتى بأذكار النوم، ونوى أنه سيقوم الليل إن شاء الله عز وجل، يوفقه الله سبحانه وتعالى إلى قيام الليل. فهذه بعض الأحاديث، وبعض ما جاء في فضل قيام الليل. ويدخل في هذا قيام رمضان، إن شاء الله تعالى، في درس لاحق نتكلم على قيام رمضان، ونذكر بعض المسائل التي في هذا القيام. فلعلنا نكتفي بهذا الذي ذكرناه، إن شاء الله تعالى، نكمل في درس لاحق. فالحمد لله رب العالمين.