آثار وآداب الصيام 15

الدرس في آثار وآداب الصيام 15، ألقاها

مفهوم الاعتكاف ومشروعيته

الاعتكاف هو قطع العلائق مع الخلائق والاتصال بالخالق، وهو سنة نبوية ثبتت مشروعيتها بالسنة النبوية. يتضمن شروطا أربعة: المكث في المسجد، النية، المعتكف، والمسجد الذي يعتكف فيه.

شروط وأحكام الاعتكاف

الاعتكاف له شروط وأحكام، منها النية واللبث في المسجد، ويشترط في المعتكف أن يكون مسلما وعاقلا وبالغا أو طفلا مميزا، ويكون في مسجد تقام فيه الجماعة، والأفضل أن يكون مسجد جمعة.

تحديد مدة الاعتكاف ووقته

لم يحدد الشرع مدة معينة للاعتكاف، واختلف العلماء في تحديد أقل مدة له، فمنهم من قال بأنه يكون يوما أو ليلة، ومنهم من قال بأنه كل لبث في المسجد يكون اعتكافا إذا نواه الشخص.

اعتكاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العشر الأواخر

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى علم أن ليلة القدر في العشر الأخير، ثم اعتكف في العشر الأخير، وذكر بعض المسائل المتعلقة بالاعتكاف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله محمد تعالى ونستعين ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذا اليوم نذكر درسا آخر أو مرتبطا بدروسنا وسلسلتنا في آثار رمضان وآدابه، فنذكر اليوم مسألة الاعتكاف، فهو أيضا من آثار هذا الشهر العظيم وآدابه. فالاعتكاف شرعه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاعتكاف حقيقته هو قطع العلائق مع الخلائق، كما قال الإمام ابن رجب رحمه الله: قطع العلائق مع الخلائق والاتصال بالخالق جل وعلا، فهو مناجاة مع الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضا يناجي العبد ربه جل وعلا ويأنس بالله سبحانه وتعالى في هذا الباب، ويترك مشاغل الدنيا وهمومها وغيرها مما يلهي عن عبادة الله جل وعلا. وقد جاء عند أحمد وأبي داود من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قال الله عز وجل: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى ويدك رزقا، ولا تباعد عني فأملأ قلبك فقرا ويدك شغلا». وقوله: «فأملأ قلبك فقرا» أي يجعل قلبه فقيرا، وإذا افتقر القلب مهما أعطي من الدنيا فيرى نفسه أنه فقير، فتجده يلهث وراء الدنيا. فلهذا قال الله عز وجل: «تفرغ لعبادتي»، والمراد تفرغ لعبادتي أي لطاعة، وليس المراد ترك الأشغال والأعمال لا، لكن المراد أن الإنسان يركز على طاعة الله عز وجل ولا يجعل شيئا يلهيه عنها، أن يجعل العبادة هي المقدمة. «تفرغ لعبادتي» ومن أعظم التفرغ أن الإنسان يتفرغ في الاعتكاف في المساجد، وهو من أعظم التفرغ. «تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنا» معنى قناعة عظيمة يكون عند الإنسان، فيقتنع بكل ما أتاه الله عز وجل إن كان كثيرا أو قليلا، و«يدك رزقا» أن يده يكون فيها الرزق والخير، فيقتنع بكل ما أعطاه الله عز وجل. «ولا تباعد عني فأملأ قلبك فقرا ويدك شغلا» فيشغله من حيث لا يحتسب، تأتيه المشاغل وينصرف عن طاعة الله جل وعلا، ويضيع الصلاة، ويضيع الجماعة، وهكذا يضيع حقوق الله عز وجل، حقوق والديه، حقوق أبنائه، وكل هذا بسبب أنه أعرض عن الله جل وعلا، أبتعد. فلهذا في الاعتكاف عبادة عظيمة ترجع العبد إلى ربه جل وعلا، وكذلك يأنس العبد بالله سبحانه وتعالى، ويخلو بالله جل وعلا في مسجد من مساجده. ومعنى الاعتكاف من عكف يعكف أو يعكف، يعني بضم الكاف وبكسرها، وهو اللبث والمكر واللزوم. ولهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله كما في سنن حرملة: «إن الاعتكاف هو اللزوم والمكر وحبس النفس إما على طاعة وإما على خير وإما على شر». فلهذا قال: «على الأصنام عاكفون على أصنام لهم يعكفون»، بعض الذين رأوهم قوم موسى كانوا يعكفون على أصنام لهم ملازمين مكان الأصنام، فهؤلاء في شر. فالاعتكاف يكون في الشر كذلك، وكذلك في الخير «وأنتم عاكفون في المساجد» فهذا في خير عظيم أن الإنسان يعتكف في المسجد. فلهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: «إن الاعتكاف يكون في شر ويكون في خير كذلك أيضا». شرع الله عز وجل هذا الاعتكاف، فهو مشروع عند عامة العلماء، لم يخالف في ذلك أحد. وكذلك أيضا صرح أكثرهم بأنها سنة الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنها سنة وليس بواجب، وإنما يوجبه الإنسان على نفسه ممكن أن يوجبه الإنسان على نفسه بالنذر، إذا نذر أن يعتكف ثلاثة أيام في المسجد في أيام كذا وكذا، فهذا النذر يوجب الإنسان به على نفسه هذا الاعتكاف، وإلا الاعتكاف ليس بواجب، لكنه سنة عظيمة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاء في الصحيحين حديث الزهري عن عروة وعن عائشة أن النبي أو قالت عائشة رضي الله عنها: «قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ثم اعتكف أزواجه من بعده». قال الإمام الزهري رحمه الله: «عجبا للمسلمين يتركون سنة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو لم يتركها، لم يتركها سنة من السنوات حتى السنة كما جاء أيضا في عائشة في الصحيحين». «السنة التي تركها لما دخل إلى المسجد دخل إلى المسجد فوجد بعض الخيام، فسأل عن هذه الخيام، قال: خيام أزواجه زينب وعائشة وحفصة وكذا، فقال: البرارة حلوها، يعني حلوا هذه الخيام، كانت خيامهم من حصير يعطون بالحصير ويدورونه، فترك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاعتكاف في تلك السنة، فلم يعتكف في تلك العشر، واعتكف بعد ذلك، اعتكف صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك في شوال قضاها في شوال». وهذا يدل على حرصه صلوات الله وسلامه عليه على هذه العبادة. وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا عمل عملا أثبته، أي داوم عليه، ولا يفقه. ولهذا لما ترك الاعتكاف في تلك السنة قضاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شوال. فأيضا كذلك هذا الاعتكاف قال الله عز وجل هنا: «وأنتم عاكفون في المساجد». ذكر الإمام النووي رحمه الله في روضة الطالبين أن الاعتكاف له أربعة شروط. له أربعة شروط: الشرط الأول هو المكث في المسجد، والشرط الثاني النية، والشرط الثالث المعتكف، معنى الشخص الذي يعتكف، والشرط الرابع أو الركن الرابع المعتكف فيه، المكان الذي يعتكف فيه. فهذه أربعة أركان للاعتكاف كما ذكرها الإمام النووي رحمه الله. فأولا اللبث في المسجد لابد أن يكون هناك لبث في المسجد، وسيأتي إن شاء الله تعالى كم وقت هذا اللبث أيضا كذلك. النية ولا شك أن النية شرط وركن، لكن عند الشافعية يجعلونها ركنا، سواء كانت شرطا أو ركنا، أي أنها ملزمة، لابد أن يكون الإنسان بنية. لو جاء الإنسان وجلس في المسجد معنا مثلا ما وجد أو عنده مثلا حر في بيته، وقال: هناك في المسجد برود سأذهب إلى المسجد وأنام في المسجد أو سأجلس في المسجد، هناك برود أو هناك تكييفات وكذا، فجاء وجلس حتى ولو فترة مثلا من الصباح إلى العصر، وهو لم ينو الاعتكاف في المسجد، وإنما جاء المسجد لأجل أن يتبرد، جاء المسجد مثلا لأجل أن المسجد مثلا بارد أو مكان مهيئ، فلم يستطع أن ينام في بيته فجاء إلى المسجد لينام، فهذا ما يتحصل على أجر الاعتكاف، ما يتحصل على أجر الاعتكاف لأنه لم ينوه. فلهذا فلابد من النية، كذلك الركن الثالث هو المعتكف، وهو الشخص الذي يعتكف، من هذا الشخص الذي يعتكف؟ فلابد أن يكون هذا الشخص الذي يعتكف مسلما، وكذلك أيضا يكون عاقلا غير مجنون، ويكون كذلك أيضا بالغا أو طفلا مميزا، بالغا أو طفلا مميزا، أما الطفل غير المميز ما تقبل منه هذه الطاعات لأنه بلا نية، وكذلك المجنون لأنه بلا نية. فلهذا فاعتكافه أو طاعته فيها شيء، فلهذا لابد أن يكون هذا الطفل يكون مميزا راشدا، ويكون كذلك أيضا عاقلا، ويكون مسلما، هذا الذي لابد أن يكون في المعتكف. وإن كانت امرأة بعض أهل العلم يشترط أن تكون خالية من الحيض والنفاس، وتكون خالية من الحيض والنفاس، معنى ما تكون حائضا ولا نفساء. هؤلاء الذين يقولون بأنه لا يجوز للمرأة أن تمكث في المسجد، والأفضل مثلا، وحتى لو مثلا قلنا أن هذا الكلام ليس بصحيح أيضا، لا ينبغي أن المرأة تجلس في المسجد وهي حائض، لأنها ليس عليها صلاة، فلهذا فالأولى أنها تذهب إلى بيتها. طيب وأيضا المعتكف فيه، المكان الذي يعتكف فيه، فلا شك أن الآية جاءت في قول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فدل على أن الاعتكاف يكون في المساجد، فلهذا أخذ كثير من العلماء أن الاعتكاف يكون في المسجد ولا يكون في غير المسجد، يكون في المسجد ولا يكون في غير المسجد، هذا بإجماع العلماء. إلا أن الحنفية جوّزوا للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، جوّزوا للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، ما معنى مسجد بيتها؟ معنى المكان الذي تصل فيه، المكان الذي اعتاد أهل البيت أن يصلون فيه، فهذا مسجد البيت، لكن هذا الكلام غير صحيح، لأن الله عز وجل إنما ذكر المساجد، والمراد إذا أطلق المساجد فهي هذه بيوت العبادة التي تعبد فيها أهل الإسلام. فقال الله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فقالها العلماء: لابد أن يكون هذا الاعتكاف لابد أن يكون في المسجد. طيب والصحيح من أقوال العلماء أن هناك خلاف ما هو شرط هذا المسجد؟ فالأفضل وخروجا أيضا من خلاف أهل العلم أن يكون هذا المسجد مسجدا جامعاً تصلى فيه الجمعة. لأنه عند مالك والشافعي اشترطوا ذلك، وليس هناك حديث صحيح أو شيء يدل عليه أو على استحباب مثل هذا، أن يكون المسجد مسجد جمعة، وأن فيه تصلى الجمعة، قالوا: حتى لا يخرج حتى لا يضطر إلى الخروج إلى الجمعة، لأنه لابد أن يخرج إلى الجمعة. فلهذا بعض العلماء جاء على الشافعي رحمه الله أنه في فتوى قال: «إذا خرج بطل اعتكافه»، وفيه هناك فتوى عنه أيضا نقلها بعض أصحابه قال: «أنه لا يبطل اعتكافه». والظاهر هذا أنه لا يبطل، إن كان في مسجد مساجد التي تتصلى فيها جماعة المسلمين، فإذا خرج لا يبطل اعتكافه لأنه خرج بالضرورة، مثل خروجه لقضاء الحاجة، إذا لم يكن هناك مكان في المسجد لقضاء حاجته. فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قالت عائشة رضي الله عنها: «يخرج لقضاء حاجته»، يخرج لقضاء حاجته أو لما لابد منه. فلهذا فإذا كان مثلا اعتكف في مسجد جماعة، وهذا لابد أن يكون مسجد جماعة، أما مساجد الطرق التي لا يكون فيها أناس ولا تكون فيها جماعة إلا أحيانا، فهذه لا يعتكف فيها. لأنه سيضيع الجماعة وهي واجبة، سيضيع الجماعة وهي واجبة، فلهذا قال أكثر العلماء: «إنه لابد أن يكون هذا المسجد تصلى فيه صلاة الجماعة، تصلى فيه صلاة الجماعة». وجاء عن بعض السلف أنه قال: «لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: في المسجد الحرام، المسجد النبوي، المسجد الأقصى»، لكن لم يأت ذلك صريحا أو صحيحا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. جاء الحديث عن حذيفة بن اليمان، وقد خالفه عبد الله بن مسعود وجماعة من الصحابة، فلهذا فالصحيح من قول العلماء أن الاعتكاف يكون في مسجد جماعة، مسجد تصلى فيه جماعة المسلمين. لماذا قلنا مسجد جماعة؟ حتى لا يترك الجماعة وهي واجبة، حتى لا يترك الجماعة وهي واجبة. وإذا قلنا: «أنه سيخرج سيتكرر الخروج، وقد يكون ليس عنده أيضا مسجدا آخر يصلي فيه الجماعة»، فلهذا تتعطل عليه الجماعة، فمن هذا الباب قال العلماء: «أنه لابد أن يعتكف في مسجد جماعة»، والأفضل والأولى أن يعتكف في مسجد جمعة، في مسجد تصلى فيه الجمعة، حتى لا يخرج ولا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة. فأما الوقت، وقت الاعتكاف، فلم يأت تحديده في الشرع، لم يأت تحديده في الشرع، فقد جاء الله عز وجل قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فالأصل أن كل لبث يكون في المسجد يكون اعتكافا، وهذا هو قول الإمام الشافعي رحمه الله، أي لبث يكون في المسجد يكون اعتكافا. وبعض العلماء قيده باليوم من الليلة، قال: «لأنه لم يأت أقل من يوم وليلة، لم يأت في الأحاديث أنه يعتكف بأقل من يوم وليلة». فقد جاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف في الجاهلية يوما في المسجد الحرام». وجاء في رواية وهي رواية صحيحة كذلك قال: «قال ليلة»، في رواية: «يوما»، وفي رواية: «ليلة». فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله». فقال: «أوفي بنذرك». فهذا الحديث يبين أن عمر لما نذر في الجاهلية بالاعتكاف، فالاعتكاف طاعة، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعتكف، «أوفي بنذرك». فجاء أنه اعتكف يوما أو قال: «نذرت أن اعتكف يوما أو ليلة». فذهب أكثر العلماء على أن الاعتكاف يكون إما يوما أو ليلة، هذا أقل هو الذي جاء في النصوص. وقلنا أن الإمام شافعي أخذ بمعنى أو المعنى الأصل لهذا الاعتكاف، وهو اللبث في المسجد، فجعل كل اعتكاف أو كل لبث في المسجد إذا نواه الشخص، نواه اللبث في المسجد والمرض في المسجد، فهو اعتكاف، فهو اعتكاف. ولا داعي لما يذكره بعض الناس قديما في بعض المساجد، تجد أول عبارة أول ما تدخل المسجد تجدها على القبلة: «نويت الاعتكاف في هذا المسجد»، فهذا من البدع التي توسع فيها بعض الناس، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن الأئمة المتبوعين. بل التلفظ بالنية كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذلك العالم المحقق: «هي نقص في العقل والدين، اشتراط النية أو التلفظ بالنية في الأعمال هو نقص في العقل ونقص في الدين، نقص في العقل أن الإنسان يعمل الأعمال، فليس معنى أنه يتعقل العمل إذا لم ينو، معنى إذا لم يتلفظ». فهل معنى ذلك أنه كل عمل يقول: «نويت أن أذهب إلى السوق، نويت أن أذهب إلى المسجد، نويت أن أذهب إلى كذا»؟ فيجعل كل عمل يتلفظ في هذا حتى لا يساغ عقلا. معنى إذا أراد أن يذهب إلى المسجد يقول: «نويت أن أذهب إلى المسجد»، وإذا أراد مثلا أن يذهب إلى بيت يقول: «نويت أن أذهب إلى بيت»، مثلا قائم يقولون: «في الطاعة ممكن»، هذه الأعمال أيضا في الطاعة، الذي يذهب إلى المسجد هو في طاعة، الذي يذهب إلى بيت لأجل مثلا أن يرى أهله يتفقد أولاده أيضا هو في طاعة. فهذا كما قال شيخ الإسلام: «هو نقص في العقل أن اللسان يأتي في كل شيء يقول: نويته هذا خطأ». وأيضا هو نقص في الدين لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن أتباعهم ولا عن الأئمة المتبوعين، حتى الأئمة المتبوعون كالإمام الشافعي رحمه الله ومالك وأحمد وأبو حنيفة وسفيان الثوري بن حنبل وغيرهم من هؤلاء الأئمة، لم يأت عن أحد منهم كلمة ولا نصف كلمة في شيء من هذا التلفظ. حتى هؤلاء الذين يزعمون أنهم شافعية لم يأتوا بشيء عن الإمام الشافعي أنه قال بهذا أبدا. فهذه الأم كتاب الأم للإمام الشافعي رحمه الله، فليقرأوه من أوله إلى آخره، فما سيجدون شيئا بالتلفظ بالنية، لا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الحج ولا في غيره. وكذلك سنن حرملة، والمختصر للمزني، وغيرها من كتب الإمام الشافعي التي كتبت عنه رحمه الله ورضي الله عنه، ما سيجدون شيئا فيه شيء من هذا التلفظ بالنية أبدا، لا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الاعتكاف ولا في الحج ولا في غيره. وإنما اختلقها بعض الموسوسين أو بعض من دخل الوسواس في قلبه، ثم تناقلها بعض العلماء على أنها سنة وعلى أنها على المذهب، وهي ليست على المذهب أبدا، ليست على مذهب الشافعي ولا على غيره. فليس هذا من المشروع، لكن الاعتكاف ممكن كما قال الإمام الشافعي: «أن يكون كل لبث في المسجد يكون اعتكافا». وقد جاء ذلك المعنى عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا دخل المسجد اعتكف، دخل المسجد يقول: «سأعتكف في المسجد». وأخذ ذلك أو أخذ بعض أهل العلم عنه، فجعل الاعتكاف كل دخول أو لبث في المسجد، أقصد كل لبث في المسجد هو اعتكاف، ينوي به الشخص بقلبه أنه معتكف لله جل وعلا. لكن أفضل الاعتكاف ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وقد اعتكف كما جاء في حديث أبي سعيد: «اعتكف في أول العشر، ثم اعتكف في أواسط العشر، ثم بعد ذلك اعتكف في العشر الأواخر». لما اعتكف أولا في العشر الأول، فلما أراد أن يخرج قال لأصحابه: «إن ليلة القدر أمامكم، ليلة القدر أمامكم، فاعتكفوا بعد ذلك العشر الأوسط». فلما أراد أن يخرج قال لأصحابه رضي الله عنهم: «إني قد رأيت ليلة القدر، وإني أصبح أسجد على ماء وطي، وإني أصبح من ليلتها أسجد على ماء وطي». قال: «فاعتكفنا في تلك العشر»، فكانت أول ليلة، فأصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد سجد على ماء وطي، أي في ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان في ذلك العام. فدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر حتى أعلمه الله عز وجل أن ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان، فاعتكف في العشر الأخير من رمضان. فهذه بعض المسائل في هذا الاعتكاف، وإن شاء الله تعالى لعل لنا لقاء آخر نذكر بعض الآداب أو بعض الأشياء التي يذكرها العلماء في هذا الباب، فنكتب بذلك. والله تعالى أعلم.

شاركنا على