آثار وآداب الصيام 14

الدرس في آثار وآداب الصيام 14، ألقاها

قيام رمضان وعدد الركعات

درس يتناول تفاصيل قيام رمضان، حيث ناقش الأفضلية بين الصلاة جماعة أو فردًا، وعدد الركعات في صلاة التراويح. وأوضح أن الأمر فيه سعة، وأن الأفضل هو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أفضلية وقت صلاة القيام في الليل

الأفضل للإنسان أن يصلي صلاة واحدة في الليل، إما في أوله أو آخره، ويكتب له أجر قيام الليل كله إذا صلى مع إمامه حتى ينصرف. يجوز الصلاة في أول الليل وآخره إذا كان إمامًا يصلي بالناس.

أوقات صلاة القيام وزيادتها في العشر الأواخر

المقطع يبين جواز صلاة القيام في أي وقت من الليل، سواء في أوله أو آخره، مستندًا إلى ممارسات السلف الصالح والتابعين. زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان هو أمر مستحب ومشروع.

التعويض بصلاة آخر الليل إذا كانت القراءة في البداية قليلة

إذا كانت القراءة في بداية الليل قليلة، يجوز للإنسان الصلاة في آخر الليل ويزيد في القراءة. هذا الأمر جائز ويدل عليه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في درس سابق الكلام على قيام رمضان، أو ما يسمى بالتراويح، وأصل هذه التسمية، وهذا كما هو معلوم، سلسلة لدروسنا في آثار رمضان وعباداته. وقد أخذنا بعض المسائل في قيام رمضان من باب التوضيح. فمن ذلك أن رمضان، أو قيام رمضان، هل الأفضل أن يكون جماعة أو إفرادًا؟ وقلنا: صحيح أن الأفضل جماعة، ولكن من رأى أنه في صلاته في بيته أخشع، وأيضًا أطول، يطيل لأجل الإطالة، ولأجل الهدوء والخشوع، فهو أولى. قد كان كثير من السلف يصلي في بيته، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم يثبت أنه كان يصلي مع الناس، وكذلك كان ابن عباس، وابن عمر، وجماعة من الصحابة، بينما أن جماعة أيضًا من الصحابة كانوا يصلون مع الناس، كأبي بن كعب، وتميم الداري، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كذلك مسألة العدد، وقلنا: إن الأفضل في العدد هو أن يصلي الرجل ثمانية، أو إحدى عشرة ركعة، أو ثلاثة عشر ركعة، فهذا الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الثابت عن عمر، وفي زمنه رضي الله عنه، وكذلك في زمن عثمان، وفي زمن علي، وفي زمن الخلفاء، كانوا عندما يصلون جماعة يصلون إحدى عشرة ركعة، هذا هو الصحابة. وجاء أيضًا أنهم كانوا يصلون عشرين ركعة في عهد عمر، لكن لم يثبت شيء بذاته، لكن كثرت الروايات تدل على أن له أصلًا. ولعل ذلك أنه قد يحصل في زمن عمر من يصلي كذلك. وقد ذكر بعض الفقهاء أن أهل المدينة لما صلوا أكثر من إحدى عشرة ركعة، إنما صلوا اقتداءً بأهل مكة، فزادوا في الركعات. وإلا كانوا يصلون إحدى عشرة ركعة. فكان أهل مكة يصلون عشرين ركعة ويوترون، وكان أهل المدينة في زمن الخلفاء يصلون إحدى عشرة ركعة، ومنهم من يصلي أكثر. ومن ثم بعد ذلك زادوا في المدينة، خاصة في عهد الأمويين، زادوا إلى ست وثلاثين ركعة، كانوا يصلون ست وثلاثين. وقال بعض الفقهاء، كالإمام النووي وغيره، أن زيادة أهل المدينة بست وثلاثين اقتداءً بأهل مكة، فكان أهل مكة يصلون عشرين ركعة، وفي كل ترويحة يطوفون، وفي كل ترويحة -والترويحة معناها بعد أربع ركعات- يقوم أكثرهم يطوفون على البيت. فكان أهل المدينة جعلوا بدل الطواف ركعات أو ترويحات، فزادوا، فزادوا أربع ترويحات، فزادوا أربع ترويحات بين كل ترويحتين ترويحة، فصارت العدد ست وثلاثين. وكذلك جاء عن أبي عثمان النهدي رحمه الله بإسناده الصحيح عند المروزي في قيام الليل، أن عمر رضي الله عنه جمع القراء، أن عمر رضي الله عنه جمع القراء في عهده، فكان أمر من كان أسرعهم بالقراءة أن يقرأ بأربعين آية، أو أقصد بثلاثين آية، ومن كان أبطأهم في القراءة -أي ليس بسريع- أن يقرأ بخمس وعشرين آية، ومن كان أبطأهم في القراءة جعله يقرأ بعشرين آية. وهذا يدل على أن عمر رضي الله عنه أيضًا حصل في عهده التخفيف، وكذلك كثرة الركعات، فلهذا كما قلنا: أن كثرة الركعات بسبب التخفيف في القراءة، كلما قلت القراءة كلما زادوا في الركعات، كلما قلت القراءة زادوا في الركعات. فلهذا كما قلنا: حتى أنه وصل في عهد عمر أن الإمام يقرأ بعشرين آية، بل وصل في عهد عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الأئمة أن يقرأوا للناس -أي تخفيفًا لهم- أن يقرأ الإمام بعشر آيات في الركعة الواحدة، بعشر آيات في الركعة الواحدة. فإذا جاء عند السور الصغار قرأ بالسورتين والثلاث، هكذا جاء في عهد عمر، وإسناده صحيح. وقد كانوا يصلون ست وثلاثين، ويوترون بخمس ركعات، يوترون بخمس ركعات. فكل هذا يدلنا على أن الأمر جائز، وكله صحيح، والأفضل هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن يصلي الرجل إحدى عشرة ركعة. طيب، هل يجوز للرجل أن يخرج، أن يصلي مثلًا ثمان ركعات مع من يصلي عشرين ركعة، أو مثلًا يصلي أقل من هذا، ويصلي بعد ذلك مثلًا في آخر الليل؟ فأمر صلاة الليل كما قلنا أمر مفتوح، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر ولو بواحد». فلهذا قلنا: أن صلاة الليل أمرها مفتوح، فمن أراد أن يصلي ثمان ركعات مع الإمام، صلى، وخرج له، لكن ليس هذا الأفضل. لكن ليس هذا الأفضل. وقد تقدم معنا حديث أبي ذر عند أحمد والنسائي، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بنا في سبع بقين من الشهر، أي في ثلاثة وعشرين، خرج النبي صلى الله عليه وسلم وصلى بهم، ولم يصلي بهم من بداية الشهر، لكن صلى بهم في ثلاثة وعشرين، ثم صلى، ثم لم يصلي بهم في ست خلون، وصلى بهم في خمس خلون -أي في خمس وعشرين من الشهر- قال: فصلى بهم، فقالوا: يا رسول الله، لو لفلتنا ليلتنا هذه، أنا أكمل لنا هذه الليلة إلى السحر. فقال لهم نبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من صلى مع إمامه حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة». من صلى مع إمامه حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة. فإذا صلى مع إمامه، يصلي مثلًا إحدى عشرة ركعة، يصلي معه إلى أن ينتهي، ولا ينبغي أن يقطع، على أن يخرج من ثمان، ولا يوتر؛ لأجل أن يوتر مثلًا في بيته، أو لأجل أن يوتر مثلًا آخر الليل. وإن كان هذا أمر جائز، الأمر كما قلنا جائز، لكن ليس هو الأفضل. الأفضل أن يصلي، ويكمل الصلاة، ولو حتى أن الإمام يصلي عشرين ركعة، فله أن يصلي مع الإمام، وهو أفضل. أن يصلي مع الإمام حتى ينصرف، «من صلى مع إمامه حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة». بدلًا من أن تتعب نفسك، أنك تصلي أول الليل، تصلي آخر الليل، فصلاتك مع إمامك يكتب لك أجر الليل كله، يكتب لك أجر هذه الليلة كلها، كأنك صليت الليلة كله. وهذا الأجر العظيم، وهذا الذي يريده الإنسان. فلهذا فليس من الأفضل أن الإنسان يصلي صلاتين في ليلة واحدة، يصلي أول الليل، ويصلي آخر الليل، فهذا ليس صحيحًا، إلا إذا كان هو إمامًا. إذا كان إمامًا مثلًا سيصلي بالناس في أول الليل، سيصلي بالناس في آخر الليل، هذا ما في شيء. وقد كان السلف يفعلون هذا، كان أبي بن كعب، وكذلك معاذ الأنصاري يفعل هذا، وكذلك طلق بن علي الصحابي المشهور، كان يصلي كما قال قيس بن طلق: جاءنا طلق بن علي إلى مسجدنا، وأقام عندنا، وصلى بنا العشاء، وقيام الليل، ثم بعد ما انتهى، ذهب إلى قومه، وصلى بهم. ذهب إلى قومه، وصلى بهم أيضًا. وهذا الحديث في سنن أبي داود، بسند صحيح. فتبين من هذا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفعلون هذا، وهم أئمة، يعني يصلون في هذا، ويصلون في هذا، وهذا لأجل مصلحة. أما إنسان مثلًا ليس بإمام، فلا داعي أن يصلي، يصلي مثلًا في أول الليل، وآخر الليل، يكفيه أن يصلي أول الليل، أو يؤخر إلى آخر الليل، يؤخر إلى آخر الليل. فلهذا فقلنا: أن هذا الأمر جائز، ولكن الأفضل أن يصلي شخص مع إمامه. يصلي مع إمامه. أيضًا مسألة وقت صلاة قيام الليل معلوم، أن قيام الليل من بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل، بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل. وإن كان في صلاة الليل حتى مثلًا إذا جمع بين المغرب والعشاء، إذا جمع مثلًا بين المغرب والعشاء جمع تقديم، له أن يصلي بعد ذلك، بعد العشاء، صلاة الليل. فصلاة الليل كما قال الفقهاء: هي بعد صلاة العشاء، سواء كان صلى العشاء في وقتها، أو قدمها مثلًا مع المغرب، فيصليها كذلك. فكل صلاة بعد صلاة العشاء تسمى صلاة ليل. وقد جاء في حديث أبي تميم الجيشاني، قال: أتينا عمر بن العاص رضي الله عنه، فقال، حدثني أبي، بصرة الغفاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «قد زادكم الله عز وجل صلاة بعد صلاة العشاء، صلاة الليل». هذا الحديث حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد، وكذلك جاء عند أبي داود وغيره، من حديث عمر، فهو صحيح. أن صلاة الليل بعد صلاة العشاء إلى آخر الفجر، إلى الفجر. فلهذا فالإنسان إذا صلى بعد صلاة العشاء، يكون صلاة الليل. وقد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، لما سألها أبو سلمة بن عبد الرحمن عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت رضي الله عنها: «قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل، وانتهى وتره إلى السحر». وجاء في رواية مسلم: أنه قالت: «قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الليل، ووسطه، وانتهى وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره». ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فليقم، فإنها صلاة مشهودة. فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن صلاة آخر الليل أفضل من أول الليل، لكن الأمر سواء، كان صلى الإنسان في أول الليل، أو في آخر الليل، فكله سواء، لكن أفضل أن يكون آخر الليل. ولهذا عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في رمضان، فقال: «نعمة هذه البدعة، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون إليها». التي ينامون عنها -صلاة آخر الليل- فهي يقول أفضل من هذا. فلهذا كما قلنا: هنا مسألة، وهي مسألة: إذا صلى الإنسان أول الليل، أو هل يصلي كذلك آخر الليل؟ فقلنا: الأفضل أن الإنسان يصلي صلاة واحدة، لكن وجود الجماعتين في مسجد واحد؛ لأن هناك من العلماء من ينكر هذا الأمر، من ينكر هذا الأمر. وكما قلنا: أن مسألة قيام الليل مفتوحة، من أراد أن يصلي أول الليل، ولو كان جماعة، صلى، ومن أراد أن يصلي آخر الليل، ولو كان جماعة، صلى. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكرنا قبل، في حديث ابن عباس، لما بات عند خالته ميمونة رضي الله عنها، فإنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صلى العشاء، ثم دخل إلى بيته. قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة صلى العشاء، ثم دخل إلى بيته، فصلى أربع ركعات، ثم نام حتى سمعت غطيطه». قال: «ثم قام وتوضأ من شنة عنده في بيته، ثم قام يصلي، فقمت عن يمينه، أو عن يساره». قال: «فأزاحني حتى أقامني عن يمينه، ثم صلى خمسًا». معنى أنه صلى أول الليل أربع ركعات، وفي آخر الليل صلى خمس ركعات. ثم قال: «صلى بعد ذلك ركعتين خفيفتين، ثم اتجه حتى أيقظه بلال بالصلاة». فهذا الآن بالفعل، النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى أربع ركعات في أول الليل، وصلى بقية الركعات في آخر الليل. هذا يدل على أصل هذا العمل، وأنه جائز، وأنه جائز. ممكن أن الإنسان يصلي أربع ركعات في أول الليل، ويصلي بقية الركعات مثلًا إذا كان يريد مثلًا يصلي إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا مع الوتر في آخر الليل. وإنشاء الله أيضًا، كما ذكرنا أيضًا، كما ذكرنا في الحديث الذي مر، حديث قيس بن طلق، لما قال: «جاءنا طلق بن علي رضي الله عنه، وصلى بنا صلاة العشاء، والوتر، ثم انصرف إلى قومه، وصلى بهم». يبين أنه يجوز للإنسان أن يصلي أول الليل، وآخر الليل، في جماعة. طيب، من ناحية العصر، كما قلنا: أن الأفضل أن الإنسان يصلي صلاة واحدة، وتكون صلاة في مسجد واحد، تكون صلاة واحدة في المسجد، ما تكون صلاتين، أول الليل، وآخر الليل. لكن إذا كان مثلًا هناك عذر يجعل الناس يختارون للصلاة، وهذا جائز، بل قد كان يحصل في عهد عمر رضي الله عنه. كان بعض الناس يؤخر الصلاة إلى آخر الليل، حتى قال ابن عباس رضي الله عنه: «تسحرت عند عمر -أي في السحور- قال: فسمي عمر هجعًا في المسجد». فقال: «ما بال هؤلاء؟» قالوا: «الناس يخرجون من المسجد، قد صلوا القيام». فخرج، فدل على أنه في عهد عمر أيضًا الناس يصلون في آخر الليل، وكذلك يصلي الناس في أول الليل. فهذا جائز، أمر جائز، أن هناك تكون جماعة في أول الليل، وجماعة تكون في آخر الليل، وهذا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحصل كذلك. قال الحسن البصري، كما عند ابن نصر في قيام الليل: أنه قال الحسن رضي الله عنه: «كان الناس في زمن عمر يصلون -أو قال: ينامون- الربع الأول، ثم يقومون يصلون الربعين، ومن ثم بعد ذلك لا يقومون في الربع الأخير، أو ينامون في الربع الأخير». قال: «وكانوا يصلون بين ذلك». معنى أنه كانوا يصلون بين ذلك. معنى أنه كانوا -أي غالب ما كانوا يفعلونه في عهد عمر- ما كانوا يصلون العشاء في أول وقتها، وإنما كانوا يؤخرونها إلى الربع الأول من الليل. معنى إذا قسمنا الليل مثلًا إلى اثنتي عشرة ساعة، فيكون الربع الأول في الساعات الثلاث. معنى مثلًا من ساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، هذا الربع الأول. ومن ثم من ساعة مثلًا واحدة، أو أقل من الواحدة، فهذا الربع الثاني، معنى نصف الليل، وهكذا. أو أقصد: الربع الثاني عشر، والثاني عشر، وأقل يكون الربع الثاني، ثم نصف الليل، ثم ثلث الأخير يبدأ مثلًا ساعة واحدة، أو واحدة وعشر، وهكذا. فهذا كانوا -معنى غالب ما كانوا يفعلونه في عهد عمر- ما كانوا يصلون العشاء في أول وقتها، وإنما يؤخرونها. وهكذا كان يفعل علي رضي الله عنه في عهده، كان إذا أفطر هجع -أي نام- هجع حتى بلغ مثلًا ربع الليل، قام يصلي العشاء، ويصلي كذلك قيام رمضان. وكذلك كان في عهد عمر العمل، فكانوا يصلون في الربع الأول -معنى يأخرون صلاة العشاء- أولًا ينامون بعد العشاء، ثم يقومون ويصلون في الربع الأول، ويصلون في الربعين. وقال الحسن: «وكانوا يصلون فيما بين ذلك». معنى: منهم من يصلي في ذلك الوقت، ومنهم من يؤخر، ومنهم من يجعل صلاة أخيرة. أيضًا كان ابن عباس، وابن عمر، ما كانوا يصلون إلا بعد ما يصلي الناس، ما كانوا يصلون إلا بعد ما يصلي الناس. فقال نافع: «كنت إذا صليت العشاء، أذهب إلى ابن عمر، وأوقظه». فكان يقوم بعد ذلك إلى المسجد، ويصلي إلى آخر السحر، إلى آخر الليل. فالأمر كما قلنا: في هذا يدل على السعة. وقد قال جماعة من أهل العلم بجواز هذا، مثل ما جاء عن الشافعي رحمه الله، قال: «من شاء أن يصلي أول الليل صلى، ومن شاء أن يزيد في القراءة، ويقل في الركعات، فعل». يزيد في القراءة، ويزيد في الركعات، أو يقل في القراءة، ويقل في الركعات. أقصد: يزيد في القراءة، ويقل في الركعات، أو يزيد في القراءة، ويزيد في الركعات، أو يقل في القراءة، ويزيد في الركعات. فكل حسن. قالوا: أفضله -كما قال الإمام الشافعي- يقول: أفضل أن يزيد في القراءة، ويقل في الركعات. معنى: لو صلى إحدى عشرة ركعة، وزاد في القراءة، أفضل من أن يصلي مثلًا عشرين ركعة، وقراءة قليلة. لكن كما قلنا: كل الأمر واسع. وقد جاء عن السلف رحمه الله هذا الأمر، للعمل الذي جاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر ولو بواحدة». فكما قلنا: فدل على جواز فعل هذا الأمر، وأن الإنسان ممكن يصلي أول الليل، وممكن يصلي آخره. لكن مثلًا مسألة التهجد مثلًا في العشر -معنى صلاة الليل في العشر- صحيح أن هذه لم تأت عن أحد من السلف، أنه يجعل صلاة خاصة في العشر، معنى تسمى صلاة التهجد، أو صلاة الليل. لكن كان السلف رحمهم الله يزيدون في الصلاة في العشر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره، يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره. لكن وجد في عهد عمر بن عبد العزيز أن الناس كانوا يصلون في آخر الليل؛ لأنه كان يخفف القراءة في الصلاة، فكان الناس يصلون في آخر الليل، ويكون اجتهادهم في العشر أكثر من اجتهادهم في غيرها. فلهذا لو مثلًا صلى الإنسان، واجتهد في العشر، فصلى صلاة أطول، أفضل. وقد كان السلف كما قلنا، وقدوتهم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يصلي الليل، ويصلي قيام رمضان، وإذا دخلت العشر اجتهد أكثر. وجاء في الصحيحين، في حديث عائشة: قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل العشر، أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله». أي اشتد في العبادة، وزاد فيها. وقد كان كثير من السلف إذا كانوا يصلونها عشرين ركعة مثلًا في الشهر، كانوا يزيدون في العشر. كان أهل المدينة يزيدون ترويحة -معنى فوق الستة وثلاثين- يزيدون ترويحة، أربع ركعات، يجعلونها أربعين. وكان أهل مكة يزيدون ترويحتين -معنى بدل ما يصلون عشرين ركعة مع الوتر- يصلون ثمانين، وعشرين ركعة مع الوتر. وهكذا أهل الكوفة، وأهل الشام يفعلون في العشر، كانوا يزيدون في الترويحات؛ لأنهم كانوا غالبًا -غالب السلف- كانوا يصلون من بعد العشاء إلى آخر السحر، غالبًا. ومنهم من يصلي إلى ثلث الأخير. فلهذا كانوا إذا دخلت العشر زادوا في الترويحات، زادوا في الركعات، وزادوا في القراءة، زادوا في الركعات، وزادوا في القراءة. وهذا أفضل. لكن إذا وجد أن القراءة في بداية الليل قليلة، فلا بأس مثلًا أن الإنسان يصلي في آخر الليل، وينشئ الجماعة مثلًا، فيصلي في آخر الليل، ويزيد في القراءة، فهذا كله أمر جائز. ويدل عليه أصل الأدلة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فلعلنا نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين، أجاركم الله خيرًا.

شاركنا على