الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 73، ألقاها
يناقش أهمية إخلاص النية في طلب العلم والعمل به، ويحذر من حمل العلم للتباهي. يشير إلى أن حقيقة العالم تظهر في عمله وتوافق علمه مع سلوكه.
يُوضح أن العلم النافع يورث الخشية من الله، ويكون دليلاً على انتفاع صاحبه. إذا لم يورث العلم الخشية، بل الإعجاب والغرور، فهو دليل على عدم الانتفاع به.
يُبين فضل تعلم العلم والعمل به، حيث يُعتبر خيرًا من الدنيا. يظهر أثر العلم النافع على صاحبه في عبادته وتقواه وزهده في الدنيا، ويُشدد على أهمية التحقق من مصدر العلم.
يشير إلى ضرورة النظر في حال العالم الذي يُؤخذ منه العلم، للتأكد من أنه عامل بعلمه. يُستدل على ذلك بأقوال الإمام مسلم والإمام الدارمي، ويُبرز أهمية مصدر العلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله: «أخبرنا الحسن بن بشر، قال: حدثني أبي، عن سفيان، عن ثغير، وابن أبي فاختة، وهو متروك، عن يحيى بن جعدة، عن علي، قال: يا حملة العلم، اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله. وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه. أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله». هذا الأثر موقوف على علي رضي الله عنه، وهو ضعيف؛ فثغير ابن أبي فاختة متروك. وإن كان معنا ما في هذا الأثر صحيح من الحث على العمل بالعلم، وأن حقيقة العالم هو العامل بعلمه، ووافق علمه عمله. أما من علم ولم يعمل، وإنما جعل العلم للتباهي والافتخار، فهذا لم ينتفع بعلمه. قال رحمه الله: «وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه». وهذا الأثر صحيح. يقول مسروق بن الأجدع رضي الله عنه: «كفى بالمرء علما أن يخشى الله»، يعني هذا هو حقيقة العلم، وهذا حقيقة العلم، وهو ثمرة العلم. فإن العلم النافع ما أورث في قلب صاحبه الخشية من الله، فإذا أورثك العلم خوف الله والخشية من الله جل وعلا، فاعلم أنك انتفعت بهذا العلم. وأما إذا لم يزدك العلم إلا إعجابا وغرورا وتكبرا، فاعلم أنك لم تنتفع بهذا العلم. قال: «وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه»، إذا صار يعجب بعلمه ويغتر به ويترفع به على غيره، في الحقيقة هذا لم ينتفع بهذا العلم. قال رحمه الله: «أخبرنا الحكم بن المبارك، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن بوجير، عن معاوية بن قرة، قال: لو أن أدنى هذه الأمة علما أخذت أمة من الأمم بعلمه لرشدت تلك الأمة». وهذا الأثر صحيح. يقول معاوية بن قرة: لو أن أدنى هذه الأمة علما أخذت أمة من الأمم بعلمه لرشدت تلك الأمة، يعني إذا عمل بهذا العلم، معنى ذلك انتفعت الأمة بعلمه، وحصل الخير العظيم. قال رحمه الله: «وأخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا زائدة، عن هشام، عن الحسن، أي البصري، قال: إن كان الرجل ليصيب الباب من العلم فيعمل به، فيكون خيرا له من الدنيا وما فيها لو كانت له، فجعلها في الآخرة». وهذا الأثر صحيح للحسن. قال: «إن كان الرجل ليصيب الباب من العلم»، يعني يتعلم بابا من العلم فيعمل به، فقال: هذا خير له، «فيكون خيرا له من الدنيا وما فيها»، يعني كونه يعمل بالعلم هذا خير له من الدنيا وما فيها من أن يعطى شيئا من متاع الدنيا على أن يضيع العلم الذي معه، فكونه يعمل بعلمه وينتفع به هذا خير عظيم، خير له من الدنيا وما فيها لو كانت له، فجعلها في الآخرة. قال: قال الحسن، أي البصري رحمه الله: «كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في بصره وتخشعه ولسانه ويده ولسانه وصلته وزهده»، يعني كان أثر العلم يظهر عليه. يقول: كان الرجل إذا طلب العلم -يعني في زمن التابعين، في زمن الحسن رحمه الله- كان إذا طلب العلم ظهر أثر هذا العلم في عبادته، وفي لسانه، في أقواله، وفي أفعاله، وفي كذلك زهده، وبعده عن الدنيا، وإقباله على الآخرة. وهذا كله من آثار العلم النافع، هذا كله من آثار العلم النافع. قال رحمه الله: قال: وقال محمد: «انظروا عن من تأخذون هذا الحديث، فإنما هو دينكم». قال محمد، أي ابن سيرين، الإمام محمد ابن سيرين: «انظروا عن من تأخذون هذا الحديث، فإنما هو دينكم». وهذا الأثر ذكره الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه، وذكره الإمام الدارمي رحمه الله في هذا الموضع، كأنه يقول: إذا أردت أن تأخذ العلم، وأن تطلب العلم، فانظر في العالم الذي تريد أن تأخذ منه العلم، هل هو يعمل بعلمه؟ هل أثر العلم ظاهر فيه؟ في تخشعه، في عبادته، في طاعته، في أقواله، في أفعاله؟ إن كان كذلك فخذ منه العلم، وإن لم يكن كذلك فلا؛ لأن هذا العلم دين، هذا العلم دين، فلابد أن تنظر من تأخذ عنه دينك. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.