التعليقات على كتاب الأدب المفرد 249

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 249، ألقاها

فضل النفقة واحتساب الأجر

يشرح المقطع أهمية الإخلاص في النفقة واحتساب الأجر عند الله، حتى في الأمور الشخصية. يشدد على أن الإخلاص في النية يحول الأعمال العادية إلى عبادات.

نزول الله إلى السماء الدنيا وتأويلاته

يفسر الحديث النبوي نزول الله في الثلث الأخير من الليل، ويبين أنه يليق بالله، مع الرد على تأويلات أهل الأهواء الذين نفوا هذه الصفة.

فضل الدعاء في ثلث الليل الآخر والتوفيق للطاعة

يبرز أهمية الدعاء في ثلث الليل الآخر كعبادة عظيمة ووقت فاضل تستجاب فيه الدعوات، ويشمل الدعاء بالتوفيق للطاعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: باب يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى في امرأته. قال: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع الحمصي البهراني، ثقة ثبت، وهو مشهور بكنيته. وأكثر أحاديثه عن شعيب، مناولة. وما هي المناولة؟ نعم، أن يناول الشيخ التلميذ الكتاب، فيقول له: ارو عني، فيحدث عنه ويروي عنه. قال: حدثنا شعيب، وهو ابن أبي حمزة، واسمه واصم أبيه دينار، وكنيته أبو بشر، وهو ثقة عابد. قال ابن معين: هو من أثبت الناس في الزهري. شعيب بن أبي حمزة من أثبت الناس في الزهري. قال عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، إمام من أئمة أهل الحديث. قال: حدثني عامر بن سعد، وهو عامر بن سعد بن أبي وقاص، ثقة، عن سعد بن أبي وقاص، أنه أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: «أي ابن أبي وقاص، إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله عز وجل إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فم امرأتك». والحديث في الصحيحين، وهو قطعة من حديث طويل حين مرض سعد، فزاره النبي عليه الصلاة والسلام، فكان مما ذكره في هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله عز وجل إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فم امرأتك». يعني أنك إذا أنفقت النفقة تتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، فإنك تؤجر عليها، ولو كانت شيئا يسيرا، بل ولو كانت نفقتك على أهلك، بل ولو كانت فيما هو أدنى من ذلك، وضعك اللقمة في فم امرأتك، فإنك تؤجر على ذلك. حتى ما تجعل في فم امرأتك، مع أن هذا في الغالب يقع على وجه المداعبة، ومع ذلك فإنه يؤجر على إطعام أهله، بل وكذلك على إطعام امرأته اللقمة. فكيف باللقمة الكثيرة التي يطعمها أهله، فإنه يؤجر عليها. فدل الحديث على استحباب أن ينفق الرجل، ويحرص المسلم على إنفاق النفقة التي يبتغي بها وجه الله، التي يبتغي بها وجه الله عز وجل. وفي هذا إشارة إلى الحرص على الإخلاص في الأعمال، أو منها في باب النفقات، أنه ينفق يبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، لا ينفق رياء ولا سمعة ولا شهرة، وإنما يبتغي ما عند الله سبحانه وتعالى، حتى ما ينفق على أهله، فينبغي أن يحتسب ذلك. كما مر معنا في حديث ابن مسعود: النفقات ينفقها الرجل على أهله يحتسبها، فهي له صدقة. وفيه كذلك أيضا بيان أن ما يقع بين الزوجين من مداعبة ونحو ذلك، فإنه إذا نوى بها النية الطيبة أو الصالحة، فإنه يؤجر على ذلك. فوضعه اللقمة في فم امرأته يؤجر عليه، بل مجامعته لامرأته يقصد بذلك أن يعف نفسه، فإنه يؤجر عليها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وفي وضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟» قالوا: بلى. قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له فيها أجر». وبوب الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب: باب يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى في امرأته. قال: باب الدعاء إذا بقي ثلث الليل. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك عن ابن شهاب، ومحمد بن مسلم الزهري، عن أبي عبد الله الأغر، وهو سلمان الأغر، وهو ثقة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا، حتى يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: بأن ربنا جل وعلا ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر. ففي هذا الحديث إثبات صفة النزول لله سبحانه وتعالى، وأن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا نزولا يليق به جل وعلا، فإن صفاته لا تماثل صفات المخلوقين، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فنثبت هذا النزول كما أثبته النبي صلى الله عليه وسلم، نزولا حقيقيا يليق بالله جل وعلا. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، خلافا لأهل الأهواء، الجهمية وغيرهم، الذين نفوا صفة النزول. وقالوا: لو أثبتناها، لأثبتنا لله جل وعلا الجهة، والله جل وعلا لا يحيط به شيء من مخلوقاته. وهذا قول باطل، فالله سبحانه وتعالى في السماء، في العلو. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ينزل، وهو عليه الصلاة والسلام أعلم الخلق بربه سبحانه وتعالى. والله جل وعلا لا يحيط به شيء من مخلوقاته. فنثبت هذه الصفة كما أثبتها عليه الصلاة والسلام. ولهذا قالوا: ينزل الذي ينزل، ينزل هو أمر الرب جل وعلا، ليس هو الرب ينزل، ربنا أي أمر ربنا. وقالوا: ينزل ملك من ملائكة ربنا. وكل هذا من التأويل الباطل، فهو خلاف ظاهر اللفظ. وكذلك الأصل الأخذ بظاهر اللفظ، عدم التقدير. ثم تقصيص نزول الأمر في آخر الليل ليس عليه دليل، بل هو في كل وقت، كما أخبر الله جل وعلا في قوله: «إليه يرجع الأمر كله». أو كذلك القول بأنه ملك من الملائكة، فهو كذلك مع كونه خلاف الظاهر، فإنه يبطله قوله في آخر الحديث: «فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». والذي يملك ذلك هو الله سبحانه وتعالى وحده، فعلم أن القائل لذلك هو الله سبحانه وتعالى، ليس هو الملك. وفيه كذلك إثبات صفة العلو لله جل وعلا، وهذه كذلك من الصفات الثابتة لله جل وعلا، دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وهي كثيرة. كما قال ابن القيم رحمه الله: لو جمعت لبلغت ألف دليل في إثبات علوه. والله عز وجل، وهذا كذلك قول أهل السنة والجماعة، خلافا لأهل الأهواء من الجهمية وغيرهم، الذين نفوا علوه الله جل وعلا، وقالوا: إن الله في كل مكان. ومنهم من نفى المكان عن الله، كان الله ليس له مكان. وكل ذلك من أقوال الباطلة. قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا النزول في كل ليلة. في كل ليلة ينزل ربنا جل وعلا إلى السماء الدنيا. قال: «حين يبقى ثلث الليل الآخر»، أي في آخر الليل، حين لا يبقى من الليل إلا الثلث الأخير. قال: «فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟». وهذا فيه إثبات صفة القول لله جل وعلا، وهو مما يدل على إثبات صفة الكلام لله جل وعلا، وهي كذلك من الصفات الفعلية الذاتية الثابتة لله جل وعلا. قال: «فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». من يدعوني، من يقول: يا رب، فيستجيب الله سبحانه وتعالى له. يسألني فأعطيه، اللهم أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، اللهم أسألك من فضلك، يسأل ربه جل وعلا العافية، إلى آخر ذلك من فضل الدنيا والآخرة. فالله سبحانه وتعالى يحث عباده ويرغبهم أن يدعوه، وأن يسألونه، ووعد الله جل وعلا بالإجابة: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟». والدعاء من أعظم العبادات، بل جعله النبي صلى الله عليه وسلم هو أصل العبادة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة». والله جل وعلا يقول: «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين». وسمى الله جل وعلا دعاءه عبادة. وقال الله سبحانه وتعالى: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون». هكذا يحث ربنا جل وعلا عباده بدعائه، واللجوء إليه، والتضرع له سبحانه وتعالى، فإن الأمر كله بيد الله، والخير بيد الله. وهكذا كذلك الشر، فهو كذلك من خلق الله جل وعلا، لا يستطيع أحد أن يصرفه عن المخلوق إلا الله سبحانه وتعالى. قال: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». من يستغفرني يطلب المغفرة، أن يغفر الله سبحانه وتعالى له ذنبه وتقصيره. فالله جل وعلا هو الذي يملك ذلك، لا أحد من العباد يملك غفران الذنوب، وإنما يملكها ربنا سبحانه وتعالى وحده. وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى. قل: من يغفر الذنوب إلا الله؟ فلا أحد يغفر الذنب إلا الله سبحانه وتعالى. فإذا علم ذلك العبد، فينبغي أن يحرص على الدعاء، واللجوء إلى ربه سبحانه وتعالى، وسؤاله المغفرة والرحمة، وكذلك يسأل ربه من فضله، ومن إحسانه وجوده، فإنه لا يستغني العبد عن ربه جل وعلا، فهو أي العبد فقير إلى ربه سبحانه وتعالى. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. وفيه كذلك بيان فضيلة ثلث الليل الآخر، فإنه من أفضل الأوقات التي تستجاب فيها الدعاء. من أفضل الأوقات التي تستجاب فيها الدعاء، فإن الله جل وعلا في هذا الوقت العظيم ينادي عباده: من يدعوه فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه؟ من يستغفره فيغفر له؟ فينبغي للمسلم أن يحرص على مثل هذا الوقت العظيم، أن يكون له فيه نصيب من الطاعة والعبادة، حتى يدرك هذا الوقت الفاضل بالدعاء. وأقل ذلك أن يجعل في هذا الوقت الوتر، يوتر قبل الفجر في السحر، فيدرك فضيلة هذا الوقت. وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على الوتر في آخر الليل، كما في حديث جابر في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يوتر أول الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخره، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل». يعني الوتر في آخر الليل، فهو يدرك هذا الوقت الفاضل، وقت شهود الملائكة، وكذلك أيضا ينزل فيه الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا، فيكون له نصيب من إدراك هذا الوقت الفاضل العظيم. فكذا ينبغي أن يكون المسلم حريصا على إدراك الأوقات الفاضلة التي بها يتقرب إلى ربه جل وعلا وينتفع. والاستدلال بالحديث على ما أفاده وعليه رحمه الله ظاهر. باب الدعاء إذا بقي ثلث الليل، يعني الحرص على الدعاء إذا بقي ثلث الليل، فإنه من الأوقات الفاضلة التي يستجاب فيها الدعاء. أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لطاعته، إنه على ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على