الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول هذا المحور ورود اسم "الكريم" في ثلاثة مواضع قرآنية هي سورة النمل وسورة الانفطار وسورة المؤمنون، مع توضيح الفرق بين إثبات الأسماء بالكتاب والسنة. كما يناقش قراءة رفع "الكريم" في آية رب العرش الكريم كدليل على إثباته اسماً لله تعالى.
يبين المحور أن الكرم ليس مجرد عطاء بل صفة جامعة للمحاسن تشمل كثرة الخير ودوامه وحسن المنظر وعظم الخلق. كما يوضح وصف الله به لكلامه وعرشه ورزق أهل الجنة كما ورد في سورة المؤمنون وسورة العلق.
يستعرض المحور المعاني المتعددة للاسم الواردة عن أهل العلم ككثرة الخير، وعلو القدر، والتنزه عن النقائص، والإحسان بلا عوض، ومغفرة الذنوب. ويختم بأن أعظم أسباب نيل كرامة الله هي التقوى مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
يوضح المحور أن من لا يتقي الله ولا يلتزم بحدوده يفقد كرامته ويصبح مهاناً ذليلاً. ويؤكد أن ترك التقوى يؤدي بالضرورة إلى الذل والهوان في الدنيا والآخرة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد المحسن... قال الشيخ عبد الرزاق... من عبد المحسن العباد حفظهم الله تعالى، في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى". قال: أسماء الله: الكريم، الأكرم. قال: أما "الكريم" فقد ورد في القرآن في ثلاثة مواضع. والمؤلف هنا، لأن هذا الكتاب مختصر، فهو يختصر في أدلة الأسماء من الكتاب، وإلا فكثير من الأسماء كذلك وردت في السنة، وردت في السنة مثل اسم "الكريم"، ورد في السنة عند ابن ماجه وغيره، وحسنه العلامة الألباني: «إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً خائبتين». لكن المؤلف هنا يقتصر... يعني تركزون أنه يقتصر في أدلة الأسماء من الكتاب، ليس معناه أنه لا تُؤخذ أدلة الأسماء إلا من الكتاب فقط، لا، ولكن على سبيل الاختصار، وإلا فمعلوم من قواعد أهل السنة في باب الأسماء أن الأسماء تُثبت إما بالكتاب، وإما بالسنة، وإما بالكتاب والسنة على ما ورد. فقد يكون هناك اسم يُثبت بالكتاب فقط ولم يذكر في السنة، وقد يكون هناك اسم من أسماء الله يُثبت بالسنة فقط ولم يذكر في الكتاب، وقد يكون هناك اسم ذكر في الكتاب والسنة. فوجب التنبيه على ذلك. قال: أما "الكريم" فقد ورد في ثلاثة مواضع. قال تعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. في أي سورة هذه؟ سورة النمل. سورة النمل في قول سليمان، نعم، فلما رآه مستقراً عنده قال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. واقتران اسم الله "الكريم" باسم الله "الغني" يزيده معنى، فغنى الله سبحانه وتعالى مع كرم وعطاء، وكذلك مع عدم انقطاع لما يهب ربنا عز وجل لعباده. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. ما غرك بربك الكريم. وهذا أيضاً فيه فائدة في ذكر اسم الله "الكريم" في هذا الموضع، وهو أن هذا الإنسان الذي عطاء الله وإحسان الله له متوالي ومتتابع، فكيف لا يفيق من غفلته ولا يفيق من كذلك كفره وطغيانه؟ فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، يكرم عليك، يرزقك، يعافيك، وأنت مغتر بصحتك، مغتر بمالك. في أي سورة هذه الآية عندك يا أيمن؟ الانشقاق؟ والله الانفطار. الانفطار. وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. على قراءة من قرأ برفع "الكريم"، يعني: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، برفع اسم الله "الكريم" على أنه صفة للرب، لأننا لو جررناه سيكون صفة للعرش، واضح؟ فمتى نثبته اسماً لله بهذه الآية؟ إذا رفعنا هذا الاسم فيكون صفة للرب، رب العرش الكريم، كأنك تقول: فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو الرب الكريم، الرب الكريم. واضح. ويجوز وهي قراءتنا كسر "الكريم". طيب، فيكون هنا ليس فيه دليل على إثبات اسم الله "الكريم" لأنه يكون صفة للعرش، يكون صفة للعرش لأنه عرش حسن بهي، واضح. في أي سورة هذه الآية عندك عبد العزيز؟ عندك أبعض؟ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ في أي سورة؟ نعم، سورة المؤمنون. أحسن. التي قبلها: ﴿فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. إذن هذه ثلاث آيات من القرآن فيها إثبات اسم الله "الكريم". قال: وأما "الأكرم" فقد ورد في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، وهي في سورة ماذا؟ العلق. قال: وهو دال... يعني اسم الله "الكريم" قال: وهو دال على ثبوت الكرم وصفاً لله عز وجل، لأن كل اسم يتضمن صفة، "الكريم" يدل على ثبوت صفة الكرم لله عز وجل. قال: ولفظ الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد، وكل إحسان يدل عليه هذا الاسم، وكل حمد كذلك يدل عليه هذا الاسم. قال: لا يراد به مجرد العطاء، ليس الكرم مجرد العطاء فقط، فقد يكون عطاء لكن ليس بتام، وليس بمتواصل، وليس عن محبة ونحو ذلك، فيكون الكرم أعم من ذلك. قال: بل العطاء من تمام معنى من تمام معنى هذا الاسم، وليس هو كل معنى هذا الاسم. قال: ولذا ورد عن أهل العلم في معنى هذا الاسم أقوال عديدة، يعني: ما معنى اسم الله "الكريم"؟ فقيل معناه: كثير الخير والعطاء. وقيل: الدائم بالخير. وكل هذه المعاني صحيحة: كثير الخير والعطاء، وهذا من الكرم، وهذا العطاء ليس حينياً بل دائم متواصل، وهذا معنى الدائم بالخير. ولذلك وصف ربنا عز وجل كلامه بالكرم، لماذا؟ لأنه كثير العلم وغزير العلم، وكذلك علمه لا ينقطع، الآية الواحدة ذاك العالم يخرج منها علماً وذاك يخرج منها علماً آخر، القرآن كثير وغزير العلم، فوصفه الله عز وجل بالكرم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. يدل هذا على أن معنى الكرم كثرة الجود والعطاء والخير، وهكذا استمرار هذا العطاء وهذا الخير. وهكذا وصف عرشه سبحانه وتعالى بالكرم، فقال على رواية الكسر في الآية المتقدمة: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، ففسر وصف العرش بالكريم: أي حسن المنظر، وكذلك بهاء الشكل، بهاء الشكل وعظيم الخلق، عظيم الخلق، وكل هذا من معاني الكرم. وهكذا وصف ربنا عز وجل ثوابه العظيم ونعيمه المقيم بما أعده لعباده المؤمنين بالكرم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وصف هذا الرزق بأنه كريم. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَنُدْخِلُهُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾، أي على المؤمنين، والمدخل الكريم هو الطيب الحسن السالم من العيوب والآفات والنقائص والمنقصات والمكدرات والهموم والغموم، وكل ذلك من كرم الله سبحانه وتعالى. بل حتى في الدنيا وصف النبات بأنه كريم، بأنه كريم، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، يعني لكثرة خيره وحسن منظره، حسن منظره وغير ذلك، وكل هذا بمعنى هذا المعنى الذي قاله بعض أهل العلم في معنى اسم الله "الكريم": كثير الخير والعطاء. وقيل كذلك: الدائم بالخير الذي لا ينقطع خيره. وقيل: يعني في معنى هذا الاسم: الذي له قدر عظيم وشأن كبير، فهذا أيضاً من المعاني. وقيل: أي المنزّه عن النقائص والآفات. وقيل معناه: المكرم المنعم المتفضل. وقيل: الذي يعطي لا لعوض، يعني ما يعطي لأن خلقه أعطوه أبداً، فالله كما تقدم غني عن عباده، فهو الذي يعطي لا لعوض. وقيل: الذي يعطي لغير سبب، وهو بالمعنى المتقدم. وقيل: الذي يعطي من يحتاج ومن لا يحتاج. وقيل: الذي إذا وعد وفى. وقيل: الذي ترفع إليه كل حاجة صغيرة أو كبيرة. وقيل: الذي لا يضيع من توسل إليه ولا يترك من التجأ إليه. وقيل في معنى: الذي يتجاوز عن الذنوب ويغفر السيئات، وهذا من أعظم الكرم أن الله يكرم عباده بالتجاوز عن الذنوب والسيئات. قال: وإلى غير ذلك مما قيل في معنى هذا الاسم العظيم. قال: وكل ذلك حق، ويشمله معنى هذا الاسم. لماذا قال؟ لأن هذا الاسم من الأسماء الحسنى، وقلنا ما معنى الأسماء الحسنى؟ هي البالغ في الحسن، فكل معنى تخيله المتخيل أو كذلك وضعه المادح والمثني على الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يستحق ذلك وزيادة، لأنها أسمى حسن، غاية في الحسن، غاية في الحسن. فلذلك قال هنا رحمه الله حفظه الله: لأن هذا الاسم... الأسماء الحسنى تدل على معاني عديدة، لا على معنى مفرد، لا على معنى مفرد، فتكون المعاني المتقدمة كلها حق وتدخل في معنى هذا الاسم، في معنى هذا الاسم. قال: وإذا اعتبرت جميع ما قيل في معنى هذا الاسم علمت أن الذي وجب لله تعالى من ذلك لا يحصى من جلائل المعاني وكرائم الأوصاف، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». فكل عبد أثنى على الله سبحانه وتعالى فلا يستطيع أن يحصي ثناء على الله كما أثنى على نفسه سبحانه وتعالى. وأعظم أسباب نيل كرامة الكريم سبحانه وتعالى هي التقوى، أن تتقي الله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يكرمك بخيري الدنيا والآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فإذا أردت أن تكون كريماً على الله فازدد تقوى له سبحانه وتعالى، فإنه يكرمك إكراماً عظيماً. ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾. من لم يتق الله ولم يقف عند حدود الله، فمن ذا الذي يكرمه؟ فيكون مهاناً ذليلاً حقيراً، لأنه ترك سبباً عظيماً من أسباب إكرام الله له. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.