مختصر فقه الأسماء الحسنى  47

مختصر فقه الأسماء الحسنى 47

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 47، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

المعنى الأول لاسم الله الجبار: القهار الغالب

يُبيّن هذا المحور المعنى الأول لاسم الله "الجبار" الوارد في القرآن مقروناً بـ "العزيز"، وهو معنى القهار القاهر لكل شيء، الذي دان له جميع المخلوقات في العالمين العلوي والسفلي خضوعاً لملكه وتدبيره، فلا يملك المخلوق من الأمر شيئاً لا شرعاً ولا قدراً ولا جزاءً.

المعنى الثاني لاسم الله الجبار: جبر الكسير ولطف الرحمة

يتناول هذا المحور المعنى الثاني المرتبط برحمة الله ولطفه بعباده، حيث يجبر الكسير برفع الشدة وإغناء الفقير وتيسير العسير وشفاء المريض، ويشمل جبراً خاصاً لقلوب الخاضعين بالتوفيق للعلم والعمل الصالح، مستحضراً دعاء "اللهم اجبرني" بين السجدتين.

المعنى الثالث: العلو المطلق وتحذير المتكبرين من عذاب الجبارين

يستعرض هذا المحور المعنى الثالث لاسم "الجبار" وهو العلو بجميع أنواعه (علو الذات، القدر، القهر)، ويختتم بتحذير شديد من تجبر الخلق وتكبرهم، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي توعد الجبارين العنيدين بالعذاب الشديد والنار يوم القيامة.

المصورون كثالث فئة تدعو مع الله إلهاً آخر

يُذكر في هذا المحور أن الفئة الثالثة من الذين يدعون مع الله إلهاً آخر هم المصورون، ويختتم المتحدث الحديث عند هذا الحد مع الإشارة إلى انتهاء العرض.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً ومباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه «مختصر فقه الأسماء الحسنى»: «اسم الله الجبار». قال: «وقد ذكر هذا الاسم مرة واحدة في القرآن الكريم، مقروناً باسم الله العزيز، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾». وفي السنة ذكر أيضاً، لكن قلنا: المؤلف هنا يختصر ويذكر دليلاً إن وجد من القرآن أو أكثر. فـ «الجبار» -بسم الله الجبار- ذكر مرة واحدة في القرآن، وفي هذه الآية التي اجتمعت على عدة أسماء. وما معنى الجبار؟ قال: «والجبار له ثلاثة معاني، وكلها يدل عليها هذا الاسم، فلما تذكر هذا الاسم تستحضر هذه المعاني جميعاً. الأول: بمعنى القهار، وهو معنى أيضاً من معاني العزة، فإن من معاني العزة عزة القهار، كما تقدم معنا باسم الله العزيز. فالجبار يأتي بمعنى القهار. وما معنى القهار؟ قال: فهو سبحانه القاهر لكل شيء، الذي دان له كل شيء. الله عز وجل قاهر لجميع عباده، فهم تحت ملكه وتحت تصرفه، يفعل فيهم ما يشاء. مهما بلغ جبابرة الدنيا من الجبروت ومن الغطرسة، فهم يمرضون، وهم يهزمون، وهم يشتقرون، فهم تحت قهر الله عز وجل. من الذي أمرضهم؟ من الذي أفقرهم؟ من الذي أذلهم؟ إنه الجبار القهار سبحانه وتعالى. فهذا معنى من معاني الجبار: القاهر لكل شيء، صغر أم كبر، عظم أم ذل». قال: «وخضع له كل شيء، فالعالم العلوي والسفلي بما فيهما. العالم العلوي فيه من الملائكة ومن خلق الله الذي لا يعلمهم إلا الله، والسفلي فيه من الإنس والجن والخلق الذي لا يعلمهم إلا الله. فالعالم العلوي والسفلي بما فيهما من المخلوقات العظيمة كلها قد خضعت في حركتها وسكناتها وما تأتي وما تذر، يعني ما تأتي وما تترك، لمليكها ومدبرها. كل هذه المخلوقات خضعت لله، فهو مليكها وهو مدبرها، فليس لها من الأمر شيء. هذا ربنا عز وجل يقول لنبيه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. فمهما حاول المخلوق أن يتجبر أو أن يحقق آمالاً، فهي تحت تدبير الله. فالله عز وجل قادر أن يجعل هذا المخلوق في عجز وضعف عن تحقيق ما أراد، فيقهره سبحانه وتعالى». قال: «فليس لها من الأمر شيء، ولا من الحكم شيء، بل الأمر كله لله، والحكم الشرعي والقدر والجزاء كله له. عرفنا ما هو الحكم الشرعي: يعني ما شرعه الله على لسان رسله. والقدر: ما قدره وأبراه سبحانه وتعالى. والجزاء: ما عاقب به عباده من نزول العقوبات وكذلك العذاب. لا حاكم إلا هو، ولا رب غيره، ولا إله سواه، فالأمر لله. فهذا معنى من معاني الجبار، هذا معنى من معاني اسم الله الجبار، فهو يأتي بمعنى القهار». قال: «الثاني: المعنى الثاني من معاني اسم الله الجبار، يرجع إلى لطف الرحمة والرأفة، فهو الذي يجبر الكسير. يعني الجبار من جبر الكسير بمعنى اللطف به ورحمته، وكذلك نزول النعم عليه ونحو ذلك، فيرجع إلى لطف الرحمة والرأفة. فهو الذي يجبر الكسير: الكسير الذي انكسر قلبه لنزول فاجعة أو مصيبة أو شدة، فيخفف الله عنه، فيجبر كسرته، بمعنى يرفع عنه الشدة، ويغني الفقير، ويسر العسير، ويجبر المريض والمصاب بتوفيقه للصبر. هذا أيضاً من جبر الكسير: أن يوفقه للصبر، وإن لم يرفع عنه البلاء، وتيسير المعافاة له، يسر له الشفاء والمعافاة». قال: «مع تعويضه على مصابه أعظم الأجر، والمؤمن يتسلى إن أصيب بشيء من ذلك بما أعد الله عز وجل للصابرين، فيخف عنه ألم المصاب لما يستشعر المؤمن ما أعد الله للصابرين، ويرجو أن يتضاعف أجره وأن ترفع درجته، فتهون عليه هذه المصيبة، وهذا من لطف الله ورحمته، فهو بمعنى اسم الله الجبار». قال: «ويجبر جبراً خاصاً قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله، ذاك يريد مغفرة الذنب، وذاك يريد غفران الذنب، فالله عز وجل يجبر كسرهم، ويجبر جبراً خاصاً قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله، وقلوب المحبين له الخاضعين لكماله، الراجين لفضله ونواله، بما يفيضه على قلوبهم من المحبة وأنواع المعارف والتوفيق الإلهي والإذعان والرشاد. ومن ذلك التوفيق لطلب العلم، فالله عز وجل يوفق طالب العلم لترويض نفسه وصبره، وكذلك لهدايته وإرشاده، فيجلس في مجالس العلم وهو منشرح الصدر، وهو قانع بما اختار له ربه سبحانه وتعالى من هذه الحال: حال الأتقياء، وحال العلماء، وحال طلاب العلم. فهذا من هذا المعنى: أن الله عز وجل جبر قلب هذا الطالب، فوفقه لهذا الطريق وأعانه ورحمه، فيشمل هذا المعنى». قال: «وقول الداعي: اللهم اجبرني، يراد به هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره والشرور عنه. هل تستشعر هذا عندما تدعو بهذا الدعاء؟ هذا الدعاء أين جاء؟ جاء بين الجلوس بين السجدتين، من أدعية الجلوس بين السجدتين في الصلاة، كما قال هنا: «وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني». فما معنى «اجبرني»؟ يعني: وفقني لصلاح القلب والتوفيق للعمل الصالح، وهكذا خفف عني ما قد أصيب به من مكاره ومشاق. ممن يستشعر مثل هذه المعاني الجليلة؟ وهذا من آثار الإيمان بأسماء الله الحسنى: أن تقولها وأنت تستشعر معانيها، وأنت تستشعر معانيها. فمعنى: «واجبرني»، كما قال: الجبر حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره والشرور عنه. فأنت تدعو الله بهذا الدعاء. هذا المعنى الثاني يرجع إلى لطف الرحمة والرأفة، وهو من جبر الكسر، فهو من جبر الكسير، من جبر الكسير: فإن كان فقيراً أغناه، وإن كان عسيراً يسر أموره، وإن كان مريضاً شفاه، وهكذا». المعنى الثالث من معاني الجبار: قال: «الثالث من معاني الجبار: أي العلي على كل شيء، الذي له جميع معاني العلو: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. فهو بمعنى العلو، فهو يشمل المعنى الأول وزيادة، لأن المعنى الأول بمعنى القهار، وهو علو القهر. وأما هذا المعنى فهو يشمل علو القهر، وعلو الذات، وعلو القدر، لأن العلو على ثلاثة أقسام: علو الذات، أي أن الله عز وجل على عرشه استوى، فهو فوق خلقه سبحانه وتعالى، ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، هذا علو الذات. وعلو القدر: يعني علو المنزلة والرفعة، فالله عز وجل كما قال عن نفسه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَ قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، فهو سبحانه وتعالى علي في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته سبحانه وتعالى. وأما علو القهر: فهو بمعنى لا يعلو عليه أحد، فهو المدبر، وهو المتصرف في خلقه، وهو على كل شيء قدير». طيب، من يعيد لنا هذه المعاني الثلاثة عند من دون أن ينظر إلى الكتاب؟ الجبار له ثلاث معاني. المعنى الأول: ها عندك يا أخي، المعنى الأول، ها، المعنى الأول من معاني اسم الله الجبار، ارفع صوتك، ما أسمع شيئاً. طيب، طيب، بمعنى لطف الرحمة والرأفة، فالجبار بمعنى الذي يجبر الكسير، هذا المعنى الثاني. المعنى الأول عندك؟ لا يزال السؤال عندك، صلا عندك أنت، الله أعلم، عندك يا آدم: بمعنى القهار. أحسنت. والمعنى الثالث عندك يا... قال آدم: لا يزال السؤال عند آدم، بمعنى هذا أتى به بمعنى الذي يجبر الكسير، جبار. المعنى الثالث عندك يا فضل: نعم، بمعنى العلي لجميع أنواع العلو: علو الذات، والقدر، والقهر. من يعيدها دفعة واحدة؟ هاته دفعة واحدة عندك: أولاً، المعنى الأول: الجبار بمعنى القهار. أحسنت. المعنى الثاني: أحسنت. الثالث: أحسنت. نعم، اضبطوا هذه المعاني الثلاثة. قال رحمه الله -أو حفظه الله-: «والجبروت لله وحده، ومن تجبر من الخلق باء بصخط الله واستحق وعيده». فـ «الجبروت لله وحده»، بمعنى: الذي يتجبر على الخلق فيقهر الخلق ويتكبر عليهم ويظلمهم ونحو ذلك، فهذا قد باء بصخط الله، لأن الله عز وجل هو الجبار وهو القهار سبحانه وتعالى. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو في ركوعه، وهذا من أدعية الركوع: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». فالجبروت والكبرياء والعظمة لله سبحانه وتعالى، من نازع الله فيها عذبه ربنا سبحانه وتعالى وأهلك. قال: «وقد توعد جل وعلا من كان كذلك بالنكال الشديد، والطبع على القلوب، ودخول النار يوم القيامة». قال الله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. وقال: «روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصر بهما، وأذنان يسمع بهما، ولسان ينطق به، فيقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من ادعى مع الله إلهاً آخر، والمصورين». والشاهد من هذا الحديث: «بكل جبار عنيد». جبار: بمعنى متكبر، بمعنى متغطرس، بمعنى متمرد على أوامر الله سبحانه وتعالى، فيظن أن الأمر أمره، وأن الملك ملكه، فيتسلط على عباد الله. فيخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصر بهما، وأذنان يسمع بهما، ولسان ينطق، والله عز وجل على كل شيء قدير، فيقول: وكلت بثلاثة. من هؤلاء الثلاثة عندك؟ كل جبار عنيد. كل من دعا مع الله إلهاً آخر. والثالث؟ الثالث: المصورون. المصورون. أحسنتم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر