مختصر فقه الأسماء الحسنى  63

مختصر فقه الأسماء الحسنى 63

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 63، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إثبات اسم الله المنان ومعناه اللغوي والشرعي

يستعرض الدليل على ثبوت اسم الله المنان من حديث أنس بن مالك المرفوع، ويبين معناه بأنه كثير العطاء واسع الإحسان الذي يدر النعم تفضلاً وإكراماً قبل السؤال، مستدلاً بآية المن على المؤمنين بإرسال الرسول. ويؤكد أن هذا الاسم ثابت بالسنة الصحيحة بخلاف اسم الحنان الذي لم يثبت.

أعظم منن الله: الهداية والعلم النافع وحفظ الإيمان

يبيّن أن أعظم منن الله على العبد هي الهداية للإيمان والعلم النافع الذي يزيل الشك والشهوات، وحفظ العبد من المعاصي، مستشهداً بقول الشيخ السعدي في فضل العلم النافع. ويعدد منن الله الخاصة بأوليائه كهدايتهم لسبيل الجنة ودفاعه عنهم وحبب الإيمان إلى قلوبهم.

حصر النعم في الله ووجوب الشكر والدعاء بالخاتمة

يؤكد أن جميع النعم الدينية والدنيوية من الله وحده لا من جهد العبد، ويوجه إلى التدبر في سورة النحل لتعداد النعم، مبيناً أن ثمرة الإيمان بهذا الاسم هي دوام الحمد والشكر والدعاء بالتوفيق. ويختتم اللقاء بالحمد والدعاء حتى يرضى الله معلناً الاكتفاء بما تم ذكره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله المنان. قال: وثبت هذا الاسم في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. روى الإمام أحمد وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى». وهذا الحديث يثبته ويصححه جماعة من أهل الحديث، منهم العلامة الألباني. ولذلك أثبت أهل السنة بصحة الحديث هذا الاسم لله سبحانه وتعالى في قوله: «المنان بديع السماوات والأرض». أما الحنان، فهذا ما ثبت. الصوفية الآن يدعون بالاسمين معاً، نسمعهم في بعض أورادهم البدعية يقولون: يا حنان يا منان. المنان نعم ثبت على صحة هذا الحديث، لكن الحنان هذا من أين أتوا به؟ أهل السنة بارك الله فيكم في باب الأسماء الحسنى لا يثبتون إلا ما صح، أو إلا ما جاء في القرآن الكريم، أو في صحيح سنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. فبناء على صحة هذا الحديث أثبت أهل السنة هذا الاسم لله سبحانه وتعالى. وما معنى المنان بعدما عرفنا دليل إثباته؟ إن شاء الله تتعرفون على معناه. قال: والمنان هو كثير العطاء، عظيم المواهب، واسع الإحسان، الذي يدر العطاء على عباده، ويوالي النعماء عليهم تفضلاً منه وإكراماً. لأن المنان على وزن فعال من صيغ المبالغة التي تفيد التكثير، فلذلك قال: المنان هو كثير العطاء، مثل الغفار: كثير المغفرة، كثير المغفرة. فالمنان من المن والعطاء، فهو سبحانه وتعالى كثير العطاء: العطاء في المال، في العلم، في الإيمان، في الولد، في الزوجة، في كل شيء مما يرزق به العبد. ﴿وَلَا مَنَّانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال. يعني أن العبد ينال مطلوبه قبل أن يسأل ربه. له المن على عباده، فمن منة الله عز وجل عليك أن هداك للإسلام والإيمان والسنة، وشرح صدرك للطاعة، هذه من عظيمة. ولذلك امتنى الله عز وجل على الصحابة بما هداهم إليه من الإسلام والإيمان: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. هذا أعظم منه، أعظم منه أعطيها الإنسان من المنان سبحانه وتعالى أن هداك للإيمان ولاتباع النبي عليه الصلاة والسلام. استشعر هذا يا عبد الله، هذه أعظم منن. بعض الناس إذا ذكر اسم الله المنان اتجه طلبه وقلبه إلى الدنيا فقط. لا، اسأل الله أن يمن عليك بالهداية، أن يمن عليك بالاستقامة، أن يمن عليك بالطاعة، أن يمن عليك بحفظ القرآن وتعلم العلم النافع. هذا من أعظم المنان، هذا من أعظم المنان. ماذا يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في المنظومة الفقهية؟ يقول: «اعلم هداك الله أن أعظم المنن: المن بالعلم النافع الذي يزيل الشك عنك والدرن». هذا أعظم منه، يمتن بها الله عز وجل على عبده. العلم النافع أعظم المنن، علم يزيل الشك عنك والدرن، يزيل الشهوات والشبهات. فاطلب ذلك من المنان سبحانه وتعالى. فالمنة المطلقة هي لله سبحانه وتعالى وحده، ولا منة لأحد منهم عليه. فمن عبد الله فإنما ذلك لنفسه، والله الغني وأنتم الفقراء. فلا منة لأحد على الله سبحانه وتعالى، بل هو الذي يمتن على عباده. تعالى الله علواً كبيراً. وهو أمر مشهود للخليقة كلها، يعني امتنان الله عز وجل على عباده بكثرة عطائه وعظيم مواهبه وواسع إحسانه، هذا أمر مشاهد وملموس يحسه الناس. ولذلك قالوا: وهو أمر مشهود للخليقة كلها، برها وفاجرها، من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه، وسعة رحمته وبره ولطفه وإجابته لدعوات المضطرين. كل آدمي منة الله عز وجل على عباده، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها. يعني ربما يظن العبد أنه هالك لما يرى من أسباب الهلاك، فالله عز وجل يلطف به وينجيه من هذه الكرب والمحن. وهذا معنى قوله: بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، تقع فلا تستمر بل تذهب وتنقطع، ولطفه تعالى في ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال. قال: ومن عظيم مننه سبحانه هدايته خاصته وعباده إلى سبيل دار السلام. هذا من أعظم المنن أن يهديك الله، وهذه الهداية خاصة بمن هداهم الله إلى سبيل دار السلام، دار الجنة. قال: ومدافعته عنهم أحسن الدفاع. وهذا من منة الله أن يدافع الله عز وجل عنك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: وحمايته من الوقوع في الآثام، عصمتك من الذنوب والمعاصي، هذا منه من الله سبحانه وتعالى. ﴿وَحَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. وهذا قد بسطه من الآية في سورة الحجرات: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. قال: إلى غير ذلك من أنواع نعمه وصنوف مننه. القائل سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. كم نحن نتمتع بنعم الله الذي امتن بها علينا؟ نعم دينية: كم من الخلق في هذا الوقت في الضياع والغفلة وفي المعاصي، وأنت امتن الله عز وجل عليك بالجلوس في هذا المجلس تسمع إلى آيات الله وتتفقه في أسمائه وفي دينه وشرعه. هذه منن عظيمة، هذه منن عظيمة ونعمة عظيمة. وهكذا غيرها من النعم. النعم الدنيوية: كم أنعم الله عز وجل علينا بالسعي في الأرزاق، وبكذلك الزوجات والأولاد والوظائف، وبكذلك المآكل والمشارب. فنأكل من ألذ المأكولات، ونشرب كذلك من أحلى المشروبات. هذه نعمة عظيمة، كلها من المنان سبحانه وتعالى الذي امتن بها علينا. فهذه تحتاج منا إلى شكر. قال: والقائل جل شأنه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. ما من نعمة إلا وهي من الله المنان سبحانه وتعالى، ليس بذكائك، وليس بحرصك، وليس بقوتك، وليس بكذلك علمك، وإنما هو فضل من الله وتوفيق منه سبحانه وتعالى. قال: ومن أراد مطالعة أصول المنان فليدم سرح النظر في رياض القرآن الكريم. ومعنى: من أراد مطالعة أصول المنان، يعني ما من الله عز وجل عليه من نعم، فليدم سرح النظر، يسرح نظره، يعني يقلب أوراق وصفحات القرآن، وليتأمل ما عدد الله من نعمه العظيم وعطاياه الكريم ومننه الجزيلة. انظر على سبيل المثال السورة التي تسمى بسورة النعم، ما هي؟ سورة النعم، من يجيب؟ سورة النعم تعرفها: سورة النحل. سرح نظرك في هذه السورة، كم ذكر الله عز وجل فيها من نعم؟ نعم الهداية والإيمان، ونعم المساكن والملابس والمشارب. كم ذكر الله عز وجل من نعم كثيرة في هذه السورة؟ فسرح نظرك فيها لتعلم نعمة الله عز وجل عليك ومنته ومنته عليك أيضاً. قال: ومن عرف ربه سبحانه بهذا الاسم العظيم، وأنه وحده ولي المن والعطاء، صاحب الهبة والنعماء، أوجب له ذلك أن يحمد ربه على نعمائه. هذا من آثار الإيمان بهذا الاسم، ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم أن من آمن باسم الله المنان، فإن من مقتضى الإيمان بهذا الاسم أن يديم حمد الله وشكره على ما أنعم وأسدى. فهذا معنى قوله: أوجب له ذلك أن يحمد ربه على نعمائه، وأن يشكره على فضله وعطائه. قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. فهكذا ينبغي أن يردد المسلم، يدعو ربه أن يعينه على شكر هذه، على شكر الله عز وجل على هذه النعم. قال: فاللهم لك الحمد على ذلك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً، شكراً.