الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 141، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإحسان في العبادة له مرتبتان: مقام المشاهدة والمراقبة، ويتفاوت الناس فيهما بحسب بصائرهم. الإحسان فسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل.
الحديث يعني استحضار صفات الله وآلائه وليس تخيله، ويتضمن عبادة الطلب والشوق والخوف من الله. العلماء فسروا ذلك بمقام الاستحضار والمراقبة.
العبادة تحتاج إلى غاية الذل والمحبة لله، فالذل يعني التذلل لله والاعتراف بالحاجة إليه، والمحبة تعني أداء العبادة بحب وشوق. بدون هذين الأمرين لا تقبل العبادة.
يجب استحضار نعمة الله ومراقبته في جميع الأعمال لتحقيق الإخلاص في العبادة كما ورد في الحديث النبوي. أسأل الله أن ينفعنا بهذا الفهم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما هو الإحسان في العبادة؟ مضى معناه في مسألة أمس، أن الإحسان يقسمه العلماء إلى قسمين اثنين: إحسان مع الله، وهذا يكون في الإحسان مع العبادة، وإحسان مع عباد الله، وهو الإحسان في المعاملة. وذكرنا أن الإحسان مع عباد الله، وهو يكون بالإحسان في المعاملة، لخصه جماعة من أهل العلم كالإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بأنه بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. بذل الندى: وهو بذل الخير وبذل المعروف، وكف الأذى: أي أن تكف شرك، وطلاقة الوجه: أي أنك تنبسط بالوجه والسرور والرحب لأهل الإسلام، فهذا ما يتعلق بالإحسان مع عباد الله، وهو الإحسان في المعاملة. هنا سأل المؤلف رحمه الله تعالى بهذا السؤال: ما هو الإحسان في العبادة؟ أن يكون في الإحسان مع الله سبحانه وتعالى. قال: فسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل، لما قال له: فأخبرني عن الإحسان، قال عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». هكذا فسر نبينا صلى الله عليه وسلم الإحسان مع الله، أو قل الإحسان في العبادة: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال رحمه الله تعالى: فبين صلى الله عليه وسلم أن الإحسان على مرتبتين متفاوتتين، هذا حقيقة الإحسان الإحسان مع الله جل وعلا، وهو أنك تتصف بأحد صفتين، كلاهما مقام الإحسان مع الله، لكنهما هل هما في درجة واحدة؟ لا، ليست في درجة واحدة، بل الأولى أعظم من الثانية، الأولى أفضل من الأخرى، بدليل أن النبي بدأ بها. فما هي المرتبة العظيمة في الإحسان؟ قال: على مرتبتين متفاوتتين، أعلاهما عبادة الله كأنك تراه، وهذا مقام المشاهدة. قال: وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا هو حقيقة مقام الإحسان. الثاني: مقام المراقبة، وهذا في قوله تعالى: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، هذا يقتضي مقام المراقبة. قال: الثاني مقام المراقبة، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى، لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل. ويتفاوت أهل هذين المقامين بحسب نفوذ البصائر، وهذا كلام المؤلف رحمه الله تعالى ملخص من كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في جامع العلوم والحكم، إذ أنه بيّن رحمه الله تعالى هناك تفاوت الناس بين هذين المقامين. الإحسان أول درجة عليا في الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه»، سماها العلماء هذا هو مقام المشاهدة. «فإن لم تكن تراه»، إذا ما استطعت أن تستحضر مقام المشاهدة لله، حين استحضر الذي بعده وهو مقام المراقبة: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فأما المنزلة الأولى، وهي أعظم منازل الإحسان: مشاهدة الله سبحانه وتعالى، «أن تعبد الله كأنك تراه». وما الذي يعنيه ويعنيه العلماء بالمشاهدة؟ مشاهدة ماذا؟ قال علماء هنا: المشاهدة هي مشاهدة الصفات، لا مشاهدة الذات. لا عندما تسمع الحديث: «أعبد الله كأنك تراه»، ليس معناه تتخيل الله، حاش وكلا، ليس كمثله شيء، مهما تخيله المتخيلون وظن به الظانون فلن يصل إليه أبدا، ما تستطيع، ليس كمثله شيء، فلا تضرب لله الأمثال، فلا يمكن لأحد أن يستحضر الله أمامه. فإن الاستحضار هنا وما يسمى المشاهدة، ليس المقصود أنك تتصور أنك تشاهد الله، وإنما قال علماء: المقصود أنك تشاهد صفات الله، أنك تشاهد آلاء الله. إذا قمت للصلاة يا عبد الله، حاول أنك تشاهد صفة الله جل وعلا، مثاله: تشاهد صفة علم الله، فإن الله هو العالم وهو العليم، وأن من أثر هذه الصفة أن الله يعلم ما تكون به الضمائر وما يكون في السرائر، ويعلم ربنا جل وعلا بالنوايا. فأنت عندما تتعبد الله بعبادة تستحضر علم الله أمامك، فإذا سيكون حالك ستؤدي العبادة يا عبد الله على أكمل الوجوه. وهكذا قس باقي الصفات: صفة العلم، وصفة كذلك صفة رحمة الله ومحبة وجميع صفات الله تشاهدها أمامك، تستحضرها في عبوديتك لله. فكلما شاهدت وامتثلت هذه الصفات أمامك رأي العين أثرت فيك، أثرت فيك حينها. إذا ما استطعت وقليل من يستطيع لذلك، إذا ما استطعت أن تشاهد آلاء الله وصفات الله أمامك، فلا أقل أنك تستحضر مراقبة وصفات الله عليك، فحينها تجعلك تخبت، تجعلك أن الله مطلع عليه. ولهذا يعبر بعض العلماء تعبيرًا آخر يعبر عن بعض ما سمعت من كلام المؤلف، عبر عن قول نبينا: «اعبد الله كأنك تراه»، قالوا: هذا صفة المشاهدة، «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، هذا صفة المراقبة. بعضهم يأتي بتعبير آخر، فيرى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه»، هذا فيه مقام الاستحضار، يسمى مقام الاستحضار، أن تستحضر أنك بين يدي ربك سبحانه وتعالى. «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وهذا هو المقام الثاني، وهو مقام الاطلاع، أن تستشعر بأن الله مطلع عليك. فإن شئت عبرت بمقام المشاهدة والمراقبة، وإن شئت عبرت يا عبد الله بمقام الاستحضار والاطلاع. استحضار هو من جهتك أنت، من جهتك أنت، وأما المقام الثاني فهو من جهة الرب عز وجل. ولا شك ولا ريب أن المقام الأول، وهو مقام الاستحضار ومقام المشاهدة، أعظم من المقام الثاني، لأنك يا عبد الله أنت الذي تبدأ بالتفاعل، أنت الذي تستشعر، أنت الذي تستحضر، أنت الذي تريد ما عند الله سبحانه وتعالى. وفائدة العلماء كذلك فائدة في هذا الحديث، في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». كذلك قال علماء: في قول نبينا: «أعبد الله كأنك تراه»، قال علماء: جماعة من أهل العلم هذا فيه بيان لعبادة الطلب والشوق، لأن هذا من عندك أنت، تعبد الله، أنت الذي تعبد الله كأنك تستحضر آلاء الله وصفات الله أمامك، أنت الذي تطلب، كأن الشوق بدأ منك، فالشوق طلب جاء منك، فيسمع ما هذا فيه باب عبادة الطلب والشوق. «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، هذا فيه الخوف، فيه الخوف، الخوف بأن الله مطلع عليك وتخاف وتخبت لله جل وعلا، فتؤدي العبادة تحاول ألا تقصر فيها حتى لا ينالك شيء من غضبه سبحانه ولا من عقوبته، لأنك أخللت بعبادتك لله سبحانه وتعالى. فقال علماء: ففي قول نبينا: «أن تعبد الله كأنك تراه»، فيه عبادة الطلب والشوق، ما الذي يثمر هذا؟ قالوا: يثمر أن العبادة أدى مع كمال الحب مع كمال المحبة لله. وأنت يا عبد الله أنظر في نفسك، أنظر عندما أنت الذي تقدم على عبادة الله بنفسك طواعية وكلك لهفة وكلك رغبة على تأدية العبادة، ما الذي يثمر هذا؟ يثمر أن هذه العبادة الذي جاءت من هذا الطريق أنك تؤديها وأنت في غاية من المحبة في غاية من المحبة لله سبحانه وتعالى. لكن لو أنت جئت للعبادة لعلمك كأن الله مطلع عليك، تأتيها وأنت خائف، أنت خائف. وفي هذا استفاد العلماء فائدة في التأكيد على أن ما من عبادة إلا وهي تقوم على أمرين اثنين، ما من عبادة تقوم إلا على أمرين اثنين: على غاية الذل مع غاية المحبة لله، غاية الذل وغاية المحبة لله. فأي عبادة تفتقر إلى الذل أو تفتقر للمحبة لا تكون عبادة، ما تكون عبادة. فالعبادة تحتاج إلى الذل، أن تذل نفسك لله، فلا ترى أنك تفعل عبادة لأن الله محتاج إليك، بل أنت محتاج لربك، فما من عبادة تؤديها إلا وأنت في حالة من الذل والهوان والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى. وكذلك تؤدي العبادة وأنت محب لها، وأما من أداها وهو كاره لها فلا يقبلها الله، فلا يقبل ذلك: ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، فأحبط أعمالهم. فلابد للعبادة أي عبادة تؤدى لابد فيها من الذل وغاية الذل مع غاية المحبة، وهذا نقض ظهر في هذا الحديث: «أن تعبد الله كأنك تراه»، فمعناها أن تؤديها وأنت في غاية من المحبة والشوق والطلب. «فإن لم تكن تراه فاعلم أن الله سبحانه وتعالى يراك»، أي أن الله جل وعلا مطلع عليه. وهذا الأمر إخواني في الله مقام الإحسان يسر معنا في كل شيء، في عباداتنا مع الله، وفي كذلك تعاملنا مع خلق الله، وفي سكنات حركاتنا وسكتاتنا وسكناتنا وهكذا، في سرنا وجهرنا، ويكون في خلواتنا ويكون في إجهارنا، وفي جهرنا أننا نستشعر وجود الله معنا سبحانه وتعالى. فإن لم نستشعر بوجود الله فلنعلم أن الله مطلع علينا، وهو يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. فاستشعر هذا المقام يا عبد الله، بأن الله مطلع عليك، بأن الله مراقب لأحوالك، فما تكون من أمر، ما تكون فيه من شأن، ما تكون من عبادة من صلاة، سواء كنت في رأس جبل أو كنت في بطن واد أو خلف الكواليس وخلف الدهاليس أو كنت في الزوايا، اعلم أن الله لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى. وهذا الذي يجعل عباد يحسنون في الأعمال، يحسن العبد في عمله. وكما قلنا: والإحسان هو في اللغة الإتقان، فأعظم ما يعين العبد على إحسان عبادته لربه أن تستشعر هذا الحديث: «أن تعبد الله كأنك تراه»، هذا يجعلك في القمة. «إن لم تكن تراه اعلم أن الله يراك»، وهذا يجعلك أيضا تحسن العمل. فإذا كنت مثلًا في جوف الليل ولا أحد عندك، ما أحد عندك، الناس نيام، بإمكانك أن تصلي ركعة سريعة تنقرها نقر الغراب، فما تخبر أهلك أنك قد قمت الليل أو تخبر من يسألك، ونعم قمت الليل، لكن الله أعلم، ما أحد يدري كيف كان صلاتك للليل، ما الذي يجعلك تحسن فيها؟ هذا المقام، تستشعر بأنك مطلع على آلاء الله، وأن الله عليم بك، أو أنك تستشعر بأن الله مطلع عليك، فحينها يجعلك هذا لزاما أن تحسن في عملك، لأن الله يراقبك وما أنت عليه من عمل. وهكذا قل يا عبد الله في سائر أعمالك وعباداتك وطاعاتك، فالغاية من هذا الحديث: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فيه بيان إخواني في الله على ضرورة أن العبد يستحضر آلاء الله جل وعلا، فإن لم تكن فعليك أن تستشعر مراقبة الله عليك. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.