الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 38، ألقاها
يشرح الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته كعهد بين العبد وربه، ويبين اختلاف العلماء في تفسيره بين كونه أمرًا غيبيًا متعلقًا بالقدر أو المراد به الإشهاد على ربوبية الله. يُعتبر هذا الميثاق أساسًا للإيمان بالقدر.
يناقش تفسير الميثاق في القرآن والأحاديث، ويشير إلى أن الفطرة بالإسلام قد تتناقض مع بعض الأحاديث إذا لم تفسر بتوحيد الألوهية، ويقدم تفسيرًا لآية الميثاق بأنها تشير إلى استخراج ذرية آدم من ظهور آبائهم.
يفسر الآية القرآنية حول إشهاد بني آدم على أنفسهم بوجود الله، ويفرق بين هذا الإشهاد والميثاق المذكور في الأحاديث، موضحًا أن الميثاق يتعلق بالقدر وليس بالآية الكريمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. أما بعد، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي رحمه الله: "قال والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق". وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه. وهذا قوله هنا "والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق". هذا الميثاق الذي أخذه الله عز وجل من آدم وذريته فسره بعض العلماء بتفسير معروف. وبعض أهل العلم قال إن هذا من الأمر الغيبي، أي هذا الميثاق هو أمر غيبي لا يعلمه أحد، لكنه متعلق بالقدر. ولهذا تجد كثيرًا ممن يؤلف في العقائد يذكر هذا الميثاق في القدر. هذا الميثاق يذكره في القدر، وهو يعتبر عهدًا بين العبد وربه، بين بني آدم وربهم جل وعلا، يعاهدون الله عز وجل على شيء معين. والظاهر أنه المراد به القدر، كما يقول بعض أهل العلم: هذا العهد هو القدر نفسه، أو أنهما يستلزم الإيمان به. ومن أهل العلم من قال إن الميثاق هو المقصود به ما جاء في قول الله جل وعلا ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾، فالميثاق قالوا هنا هو نفسه الذي في هذه الآية. وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى، أي أشهدهم على ربوبيته سبحانه وتعالى. أشهدهم على ربوبيته وعلى أنه هو الرب سبحانه وتعالى. فهذا الإشهاد هل حصل على أنه يذكره بني آدم؟ قالوا إنه لا يذكرونه، لكن كيف حصل هذا؟ قالوا إن الله عز وجل جعل هذا الإشهاد، ثم إن بني آدم لا يذكرون هذا الشيء، لكن جعله الله عز وجل هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وهو إيمانهم بالله جل وعلا. لكن القول بهذا التفسير أو بهذا التفسير يكون في طريقه إشكالات. فأولًا إذا قلنا إن المراد بالمثاق هو توحيد ربوبية، وأن الله عز وجل أشهد الناس على ربوبيته قبل أن يخلقهم أو بعد أن خلقهم من ذرية آدم أو من ظهره، فهنا جعل الله عز وجل على قول هؤلاء مثلًا جعل هؤلاء الذرية يؤمنون بربوبيته سبحانه وتعالى. لكن هل هنا داخل فيه ألوهيته وأسماؤه وصفاته؟ لأن لو قلنا الفطرة هي الإسلام، هي الإسلام الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا لم نفسرها بالإسلام أو ما يتعلق بتوحيد الألوهية، فسيكون معارضًا للأحاديث. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه". فلم يقل "أو يسلمانه". فمعنى ذلك أنه ينشأ على التوحيد، ينشأ على الإسلام، والعقل فيه أنه مسلم أيضًا. والحديث "حمار بعير" أن الله عز وجل قال "إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم". فهؤلاء حنفاء، أي على طريقة صحيحة وعلى الإسلام، لكن يأتي الشياطين ويأتي أيضًا المعرضون عن الإسلام فيحرفون هذا الطفل، يحرفون فطرته. فبين أن هناك فرقًا بين الآية وبين الأحاديث في الفطرة. فلهذا لو قلنا مثلًا ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ قد تفسر الآية في قول الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ أي استخرجها. استخرج ربنا سبحانه وتعالى ذرية آدم من ظهورهم، أي من أصلابهم. وهذه تفسرها الآيات الأخرى أنه أخرج هؤلاء، معنى كل إنسان أخرج ابنه من صلبه وأخرجه من ماء مهين. هذا الماء المهين يخرج من الصلب كما قال الله عز وجل في سورة الطارق ﴿من كل نفس لما عليها حافظ * فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب﴾. يخرج هذا الماء من أين؟ من بين الصلب، صلب الرجل وهو ظهره، والترائب هي ترائب المرأة، عن الثدي. فلهذا فالآية ليس فيها أنه هناك عهد بين الله عز وجل وبين بني آدم، وإنما يذكر ربنا سبحانه وتعالى أنه استخرج بني آدم من ظهر آبائهم. فقال ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ أي استخرج بني آدم من ظهور ذريتهم، فهو استخرج هذه الذرية من ظهور آبائهم. ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ أي أشهد بعضهم على بعض. أشهد بعضهم على بعض ألست بربكم قالوا بلى. فهذا شهادة وليست ميثاقًا. فلهذا قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية وغيره من الأئمة أن هذه الآية لا تدل على الميثاق الذي ذكر في الأحاديث. من ذلك مثل ما جاء في الصحيح أن الله عز وجل أخذ على آدم وذريته ميثاقه، أن الله عز وجل أخذ على آدم وذريته ميثاقهم، فعلم أهل الجنة وعلم أهل النار. فتبين أن الأحاديث المقصود بها هو القدر، المقصود بها هو القدر، ليس المقصود بها عهد معين، وإنما الميثاق هذا الذي أخذه الله عز وجل هو القدر، وهو سر الله عز وجل في خلقه. فلهذا قال "والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق" هو حق جعله الله عز وجل على آدم وذريته ميثاقًا وعهدًا. وهذا العهد هو كما قلنا عهد غيبي لا يدرى ما هو، لكنه متعلق بالقدر. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في القدر. فلهذا "قد علم الله فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار" هذا أيضًا جاء في نفس الحديث. فتبين أن المراد به القدر، لأنه قال له "ففيما العمل يا رسول الله؟" قال "إلى عمله". فكل ميسر لما خلق له. فلهذا الميثاق الذي قال به كثير من أهل العلم، وهو قول جمهور أهل العلم والمحققين منهم، أن الميثاق هذا أمر غيبي متعلق بالقدر، أمر غيبي متعلق بالقدر، وليس هو الذي جاء في الآية. فالآية ليست فيها ميثاق. ولهذا كما قلنا التفسير هذا قال به بعض العلماء، ولكنه غير صحيح، وهو أن يفسر الميثاق بالآية، وهي قول الله عز وجل ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾. فالآن استدل بعضهم بهذه الآية على أن المراد بالميثاق هو توحيد ربوبية، وهذا قد قال به بعض أهل العلم، لكن فيه خطأ. لماذا؟ لأن الآية ليست فيها ميثاق، وليست فيها عهد، وإنما الآية فيها خبر يخبر الله عز وجل أنه استخرج بني آدم من ظهور آبائهم، قد أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى. وهذا خلاصة ما يذكر، إن شاء الله تعالى، لعله نكمل في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.