شرح الشمائل المحمدية 38

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 38، تابع : باب ما جاء في صفة إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الوضوء مما مست النار وخلاف العلماء

استعرض المقطع حديث جابر رضي الله عنه في أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة وصلاته دون وضوء، مستدلاً به على عدم وجوب الوضوء مما مست النار وهو قول الجمهور. وبين خلاف الزهري في الوجوب وترجيح الدارمي والنووي لقول الجمهور بإجماع على عدم الوضوء إلا من لحوم الإبل.

مشروعية الحمية للمريض وأصول الطب النبوي

أكد المقطع على مشروعية الحمية للمريض كوقاية وعلاج مستشهداً بمنع النبي صلى الله عليه وسلم علياً من أكل البسر لإصابته بناقه. وذكر إباحة التيمم للمريض حفظاً لصحته ضمن أصول الطب النبوي في حفظ الأبدان.

أحكام صيام النافلة ونية النهار

شرح المقطع حديث عائشة رضي الله عنها في جواز نية صيام النافلة من النهار قبل الزوال وجواز قطعه للأكل مع تفصيل أقوال المذاهب الأربعة. وتطرق لوصف طعام الحيس الذي كان يتناوله النبي صلى الله عليه وسلم.

آداب الأكل والتواضع في تناول البقايا

ذكر المقطع حديث أنس في أكل الثفل وهو بقايا الطعام والتحذير من الإسراف في رمي الطعام. وختم بتواضع النبي صلى الله عليه وسلم في أكل ما تبقى من الطعام تواضعاً وزهداً مع التسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد، فما زلنا في كتاب الشمائل للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وفي باب ما جاء في إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وآخر ما أخذنا أن النبي عليه الصلاة والسلام أولم على صفية بتمر وسويق، وهذا حديث أنس وهو حديث صحيح. وأخذنا حديث سلمى، وفيه ضعف، أن الحسن بن علي وابن عباس وابن جعفر أتوها فقالوا لها: "اسمعي لنا طعامًا مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحسن أكله". قالت: "يا بني لا تشتهيه اليوم". قالوا: "بل اصنعيه لنا". ثم قامت فأخذت الشعير فطحنته في قدر، وصبت عليه شيئًا من الزيت، ودقت الفلفل والتوابل ونحو ذلك، ثم قالت لهم: "هذا مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقلنا: هذا الحديث ضعفه الألباني رحمه الله. وحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في منزلهم فذبحوا له شاة، فقال عليه الصلاة والسلام: "كأنهم علموا أن نحب اللحم". قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا ابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى العدني، قال: حدثنا سفيان، يعني ابن عيينة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، أضاجح، ضعفه أنه سمع جابرًا، قال: قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكذر عن جابر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة، فأكل منها، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف. قال: فأتته من علالة الشاة فأكل، ثم صلى العصر ولم يتوضأ. والحديث صححه الألباني رحمه الله كما في المختصر برقم مئة وثلاثة وخمسين، يعني أنه حسن بغيره بشواهده. ففي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يتعاهد أصحابه، فيدخل على أصحابه ويزورهم في بيوتهم. فدخل على امرأة من الأنصار، فقامت وأكرمت النبي صلى الله عليه وسلم، فذبحت ما تيسر عندها، ذبحت شاة، وأتت النبي عليه الصلاة والسلام بالرطب فأكل منه، ثم توضأ عليه الصلاة والسلام للظهر وصلى، ثم انصرف، ثم أتته أيضًا مما تبقى من الشاة، ثم أكل منه عليه الصلاة والسلام، ثم صلى العصر ولم يتوضأ. وهذا الحديث كغيره من الأحاديث السابقة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل اللحم، أي لحم الغنم، ثم صلى ولم يتوضأ. وفي هذا الحديث مسألة من المسائل التي ذكرها أهل العلم، وهو ترك الوضوء مما مست النار. وقد بوب الترمذي رحمه الله في جامعه على هذا الحديث المذكور هنا في الشمائل، فقال: "باب ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار". ثم قال: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم". وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول، حديث الوضوء مما مست النار. أي هناك حديثان متعارضان: فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالوضوء في بداية الأمر مما مست النار، يعني أي شيء يطبخ في النار فإن المسلم يتوضأ منه، ثم بعد ذلك نسخ هذا الأمر. وفي حديث جابر رضي الله عنه أنه قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار". وهذا الحديث أحدها، جاء من فعله عليه الصلاة والسلام أنه صلى العصر ولم يتوضأ، وقد أكل من تلكم الشاة. وعلى هذا جمهور العلماء، كما ذكر هنا الترمذي رحمه الله في جامعه. قلت: ذهب الزهري إلى عكس ما ذهب إليه الجمهور، حيث يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة. يعني الزهري رحمه الله خالف الجمهور وعكس الأمر، فيرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار هو الناسخ لأحاديث الإباحة. لكن الجمهور اعترضوا عليه بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار"، رواه أبو داود والنسائي. وحكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال: "لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح منها، نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فرجحنا به أحد الجانبين". يعني هناك أحاديث متعارضة، فيقول: لم يتبين لنا أيهما المتقدم من المتأخر حتى نقول هذا ناسخ لهذا. ثم قال: نظرنا في عمل الصحابة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا عملوا؟ مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، قال: فرجحنا أحد الجانبين. فثبت عن هؤلاء الصحابة أنهم تركوا الوضوء مما مست النار، ولهذا ارتضى هذا الترجيح الذي حكاه الدارمي الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذب، قال: "كان الخلاف فيه معروفًا بين الصحابة والتابعين، ثم استقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار، إلا ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل". ولحوم الإبل قد جاء فيها نص عن نبينا صلى الله عليه وسلم، رواه الإمام مسلم، وهو أنهم سألوا رسول الله عليه وسلم: "نتوضأ من لحوم الغنم؟" قال: "لا". قال: "ونتوضأ من لحوم الإبل؟" قال: "نعم". فلحوم الإبل يتوضأ منها، فإذا طبخت وأكل الإنسان لحم إبل، فإن كان معه وضوء انتقض وضوءه وتوضأ للصلاة، كما في هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. فإذا الأصل أنه لا وضوء مما مست النار، لا وضوء مما مست النار إلا ما كان من لحم الإبل، فباقي على هذا الأصل. وقال: وجمع الخطاب بوجه آخر، وهو أن حديث الأمر محمول على الاستحباب لا على الوجوب، واختاره صاحب المنتقى. يعني بعضهم يقول: يستحب الوضوء مما مست النار وليس بواجب. هذا ترجيح أو ما ذكره الخطاب رحمه الله جمعًا بين الأدلة. واختار الشوكاني رحمه الله أن حديث الأمر بالوضوء مما مست النار ليس بمنسوخ، الوضوء مما مست النار ليس بمنسوخ بحديث جابر رضي الله عنه الذي قال فيه: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار". فيرى أن هذا الحديث باق على عمومه، وأن الأحاديث الواردة في ترك الوضوء من لحوم الغنم مخصصة لعموم الأمر بالوضوء مما مست النار، وما عدا لحوم الغنم داخل تحت ذلك العموم. وما عدا لحوم الغنم يقول: داخل تحت ذلك العموم. يقول: نحن نتوضأ مما مست النار إلا ما ذكر. فيقول: ترك الوضوء من لحوم الغنم مخصصة لهذا العموم. فيقول: الأصل العموم أن كل ما مسته النار يتوضأ منه، فمثلا مست النار لحم الإبل فيتوضأ منه، لحم البقر فيتوضأ منه، وهكذا، إلا لحم الغنم، لأنه قد جاءت أحاديث مخصصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحم غنم ولم يتوضأ من ذلك اللحم الذي مسته النار. والراجح من هذه الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وإليه ذهب الإمام البخاري حيث بوب بابًا في صحيحه قال: "باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق". ثم قال: "وأكل أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلم يتوضؤوا". ثم ذكر حديثين في هذا الباب: حديث ابن عباس، وعمر بن أمي الضمري، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من كتف شاة، واحتز لعمر بالسكين منها، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ. وهذا هو ما ذكره الإمام البخاري رحمه الله تعالى، هو الراجح، وهو قول جمهور العلماء أنه لا يتوضأ مما مست النار، وإنما يتوضأ فقط من لحوم الإبل لما ورد فيها من النص. قال: قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا العباس بن محمد الدوري، ووثيقة حافظ، قال: حدثنا يونس بن محمد، ويقال له المؤدب، ووثيقة ثبت، قال: حدثنا فليح بن سليمان، وهو صدوق كثير الخطأ، عن عثمان بن عبد الله، وهو التيمي المدني، وهو ثقة، عن عثمان بن عبد الرحمن، تيمي المدني، وهو ثقة، عن يعقوب بن أبي يعقوب، وهو صدوق، عن أم المنذر، يقال إن اسمها سلمى بنت قيس بن عمر. أم المنذر يقال إن اسمها سلمى بنت قيس بن عمر. قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي، ولنا دوال معلقة. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي معه يأكل. وعندكم في التعليق: الدوال هي العذق من النخلة يقطع ذا بسر أو ذا بسر ثم يعلق. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مه يا علي". يعني "مه" كلمة زجر، يعني: اترك هذا، ترك الأكل. قال: "فإنك ناقه". ومعنى الناقه: يعني الذي برئ من المرض قريبًا، يعني ما زال ربما فيه بقايا المرض، يعني يشتفي من المرض ويتعافى من المرض لكن لم يشتفِ بالكامل ويتعافى منه بالكامل وترجع إليه صحته حتى يقوى على الأكل. قال: "فإنك ناقه". قالت: فجلس علي والنبي صلى الله عليه وسلم يأكل. قالت: فجعلت لهم سلقًا وشعيرًا، والسلق هو نبات يطبخ ويؤكل مع الشعير، إما الشعير نفسه أو طحينه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: "من هذا فأصب، فإن هذا أوفق، أوفق لك". يعني في هذا الحديث، والحديث حسنه الألباني رحمه الله تعالى في المختصر برقم مئة وأربعة وخمسين. هذا الحديث أصل من أصول الحمية. لهذا بوب عليه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه، فقال: "باب ما جاء في الحمية". وكذا أبو داود في سننه: "باب ما جاء في الحمية". يعني أن المريض يحتمي، بل والصحيح كذلك يحتمي، من باب أن الإنسان قد تأتيه الأمراض، قد تأتيه الأمراض، لكن لما يعلم مواردها ومداخلها يسد بابها، يسد باب هذه الأمراض، وأن هذا الباب موصل إلى تلك الأمراض لو فتحه، فيتقد له حمية، يتقد له حمية. النبي صلى الله عليه وسلم منع عليًا من الأكل من البسر لأنه لم يتعافَ بالكامل، قال: "إنك ناقه"، يعني: لازلت مريضًا لم تشتفِ بعد بالكلية. فإذا شفيت وتعافيت وأصبحت قادرًا على الطعام القوي الذي لا يؤذيك، فعليك أن تأكله. لكن هكذا المريض، ربما المريض تكون نفسه تواقة بعدما قطع منه الطعام أيامًا وليالي، يكون مجتهدًا لبعض الأطعمة، وقد تكون هذه الأطعمة مضرة له لو أكلها في ذاك الوقت الذي اشتفى فيه من المرض، لكن يصبر. على أن يصبر ويتخذ الحمية دواء له. فإن أصول الدواء ثلاثة كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: منها حفظ الصحة، ومنها الحمية، ومنها الاستفراغ. هذه أصول الصحة وحفظ البدن الثلاثة. تحفظ بدنك وتحميه من الأمراض بالحمية، فتحتمي. النبي عليه الصلاة والسلام أمر عليه بعد ذلك أن يأكل مما هو أخف من أكل البسر، ما هو؟ وهو الشعير، يعني مع ذلكم السلق. فربما يكون قد طبق مثل الشربة، أن يعمل مثل الشربة فيأكلها، فتكون أسهل له في الهضم وأنفع له. فهكذا ذكرت أيضًا أحاديث التلبينة، في حديث عائشة أنها مجمة لفؤاد المريض. فالمسلم ينبغي عليه أن يحتاط. ولهذا ذكر الله عز وجل كذلك في كتابه الكريم أصل الحمية في حفظ الأبدان. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما الحمية، فقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال: فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب. المريض إذا كان مريضًا وأصابته مثلا جنابة، فإنه لا يغتسل، لماذا ما يغتسل؟ حمية له، لأنه لو اغتسل لربما تضرر أكثر، وربما أدى به إلى الموت. ولهذا ربنا سبحانه وتعالى رحيم بعباده وهو يعلم ما خلق سبحانه، فأباح لهم أن يتيمموا صعيدًا طيبًا عند العجز عن استعمال الماء. يقول: فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه. وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذٍ له من داخل أو خارج. وكما قيل: "الباب اللي يجيك منه الريح سده واستريح". يعني إذا علمت أن هذا الباب سيدخل منه أذى لك في بدنك، فعليك أن تصبر وتسده. ف بعض المأكولات تكون ضارة للبدن، فعلى المسلم أن يكون يتخذ الحمية حتى ما يتأذى بدنه. وهكذا في المرض، أباح الله عز وجل التيمم للمريض، وعَدَل عن استعمال الماء حمية لبدنه وحفظًا لصحته. قال الترمذي رحمه الله: وحدثنا محمود بن غيلان، وقد تقدم محمود، قال: حدثنا بشر بن السري، وهو الأفوه، ثقة متقن، عن سفيان الثوري، عن طلحة بن يحيى، صدوق يخطئ، عن عائشة بنت طلحة، ويثقها ويذكر عنها أنها كانت فائقة الجمال. قال: عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني فيقول: "أعندك غذاء؟" فأقول: "لا"، فيقول: "إني صائم". قالت: فأتاني يومًا، فقلت: يا رسول الله، إنه أهديت لنا هدية. قال: "وما هي؟" قلت: حيس. قال: "أما إني أصبحت صائمًا". قالت: ثم أكل. حديث حسنه الألباني رحمه الله تعالى. هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدخل على أزواجه فيطلب الطعام، فيقول: "أعندك غذاء؟" فإن وجد أكل، وإن لم يجد عليه الصلاة والسلام قال: "إني صائم"، فيصوم ذلك اليوم. قالت عائشة: فأتاني ذات يوم، ولما قالت له: "أتاني"، قالت مرة ثانية، فقالت: "أهديت لنا هدية، أهديت لنا هدية". وكان عليه الصلاة والسلام أيضًا يقبل الهدية ويأكل منها. قال: "وما هي؟" قال: "الحيس". قال: في النهاية الحيس هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن، أو الدقيق والأقط، كما تقدم أنه اللبن المجفف، أو فتيت، أو فتيت بدل أقط، يعني من هذه الأشياء يتخذ الحيس من تمر وسمن ودقيق أو فتيت، يعني من خبز. وقال ابن رسلان: وصفته أن يأخذ التمر أو العجوة فينزع منه النوى، ينزع منه النوى، ويصير مثل التمر الذي يقال له عندنا المرزوم، فيعملون هذا مع بعض ويعجن بالسمن أو نحوه، ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربما جعل معه سويق، فهذا يسمى عند العرب الحيس. يعني يخلطون التمر بعدما ينزعون منه النوى مع شيء من السمن أو شيء من الأقط، أو يضيفون له شيء من الدقيق حتى يصير مثل الثريد. قال النووي رحمه الله: الحيس في فتح الحاء، والتمر مع السمن والأقط. وقال الهروي: هي قريدة من أخلاط، والأول هو المشهور. قال: وفيه دليل لمذهب الجمهور، يعني من فوائد هذا الحديث أن الجمهور جوزوا صيام النافلة من النهار، يعني بنية من النهار، وإن لم ينوِ من الليل الصيام. قال: أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل زوال الشمس، قبل زوال الشمس، وهذا هو المعتبر، أن تكون النية قبل زوال الشمس، قبل الظهر. قال: ويتأوله الآخرون على أن سؤاله صلى الله عليه وسلم "هل عندكم شيء" لكونه ضعف عن الصوم، وكان نواه من الليل. الآخرون الذين ما أجازوا الصيام، يعني صيام النافلة بنية في النهار قبل الزوال، يقولون: لعله صلى الله عليه وسلم قد نوى من الليل، وإنما ضعف في النهار، فأراد أن يفطر، فلما لم يجد قال: "إني صائم". قال: وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف. قال النووي: وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد. يعني أن يكون قد نواه من الليل وضعف عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم معلوم أنه يواصل، يعني يقدر على الوصال، وقد قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، وقال: "إني لست كهيئتكم". فهذه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن الله أعطاه القوة، فيستطيع عليه الصلاة والسلام أن يواصل اليوم واليومين. فالتأويل الذي ذكروه أنه أراد أن يفطر مع ضعفه، يعني وجد ضعفا في النهار، يقول النووي: إنه تأويل فاسد مع ما علم عنه صلى الله عليه وسلم من النشاط والقوة في طاعة الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى يمده بقوة منه. قال: وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في أن صوم النافلة يجوز قطعه والأكل في أثناء النهار. يعني إذا كنت صائمًا مثلا ودعاك أحدهم، أو قرب لك طعام في بيتك، واشتهيت الطعام، فهل لك أن تقطع الصوم وتفطر؟ الجواب: نعم. والدليل على ذلك هذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعد ذلك أهديت الهدية لبيته وقرب له، قالت عائشة: فأكل منه، مع أنه قد قال: "إني صائم، إني صائم"، كان صائمًا فأفطر. فأنت بالخيار، أنت بالخيار أيها المتطوع. الصائم المتطوع هو أمير نفسه، إن شاء أمضى صيامه وأجر على ذلك، وإن شاء أفطر ولا شيء عليه. وهل يقضي أم لا يقضي؟ يعني ذلك اليوم، اختلف أهل العلم في ذلك، والراجح أنه لا قضاء عليه، وإنما استحبه بعض أهل العلم أنه لا بأس أن يقضي يومًا مكانه. إذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى أنه يجوز قطع صوم نافلة إذا قرب له الأكل واشتهاه. قال: ويبطل الصوم لأنه نافل، فهو إلى خيرة الإنسان في الابتداء وكذا في الدوام. وممن قال بهذا جماعة من الصحابة، يعني ممن قال بالقول الشافعي جماعة من الصحابة، وأحمد وإسحاق وآخرون. ولكنهم كلهم والشافعي متفقون، يعني معهم، قال: على استحباب إتمامه. يتفقون على أنه يستحب أن لا يفطر، يعني إذا دعاك أحدهم إلى طعام يستحب أن لا تفطر وتواصل الصيام، هذا مستحب، وإن أفطرت لا شيء عليك. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز قطعه، ويأثم بذلك. عند مالك وأبي حنيفة أنه لا يجوز قطع صوم نافلة ويأثم بذلك. وبه قال الحسن البصري ومكحول والنخعي، وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر. يعني يجبون القضاء إذا أفطرت في صوم النافلة عند المالكية والحنفية، ومعهم الحسن ومكحول والنخعي، يقولون: أنك تقضي ذلك اليوم. والصحيح الأول، قول الجمهور، أنك لا تقضي. قال ابن عبد البر: وأجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر، والله تعالى أعلم. بقي حديث أخير في هذا الباب، وهو باب ما جاء في إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم. نقرأه، أو حديثان. قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، وهو ثقة فاضل الدارمي، قال: حدثنا عمر بن حفص، ثقة ربما وهم، ابن غياث، قال: حدثنا أبي، وهو حفص بن غياث، ثقة فقيه، قال: عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، واسم أبيه سمعان، وهو صدوق، عن يزيد بن أبي أمي، وهو مجهول، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز الشعير، فوضع عليها تمرة، وقال: "هذه إدام هذه"، وأكل. وهذا الحديث ضعفه الألباني رحمه الله. الحديث الأخير، قال رحمه الله: وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، وهو الدارمي، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، الملقب بسعدويه، وهو ثقة حافظ، قال: عن عباد بن العوام، وهو الواسطي، ثقة، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الثفل. قال عبد الله: يعني ما بقي من الطعام. والحديث صحيح، صحيح الألباني رحمه الله. ما بقي من الطعام، يعني في السفرة، إذا سقطت اللقمة كما قال عليه الصلاة والسلام: "من يد أحدكم فليمط ما بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان". وهكذا أيضًا ما تبقى من الطعام كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكله ويعجبه ذلك ولا يدعه للشيطان. فالمسلم يكون حريصًا على الخير، يكون حريص على الخير. وللأسف أنك ترى بعض الناس ربما بالأطباق يرمون ما فيها من أكل، المترفين هؤلاء المترفين والمسرفين، والعياذ بالله، يرمون كثيرًا من الأكل في القمامات، وربما بأطباقها، قد شبعوا وأكلوا، والله المستعان. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل ما تبقى من الطعام، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر