الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 52، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُبيّن المقطع معنى اسم الله "المتكبر" الوارد في آية الحشر، موضحاً أن التاء فيه للتفرد والاختصاص لا للتعاطي، وأن الكبرياء صفة كمال ثابتة لله وحده تنزهه عن كل سوء وشر وظلم ونقص، مستعرضاً أقوال المفسرين في معناه.
يوضح المقطع أن اسم "المتكبر" يدل على تنزه الله سبحانه عن الظلم والنقائص وإثبات كماله المطلق، وفي المقابل يبرز مقام المخلوق وهو العبودية والخضوع لله وحده متساويين فيه الغني والفقير، مستدلاً بوصف الله نبيه بالعبودية في أرفع المقامات، وأن التكبير في الركوع والسجود يعبر عن اعتراف العبد بعظمة الله.
يؤكد المقطع أن الركوع والسجود حق خالص لله تعالى، مستدلاً بأقوال النبي ﷺ وآيات القرآن على أن من استكبر عن عبادة الله عُوقب في الدنيا بالخسف أو الغرق أو غيرهما، وفي الآخرة بالنار، ضارباً الأمثال بقارون وفرعون وقوم نوح وغيرهم.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء لله سبحانه أن يرزقهم الذل لجنابه ويعيذهم من سبيل المستكبرين، مؤكداً أن الله وحده المان والمعطي، ثم ينهي الجلسة بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله المتكبر. قال: وقد ورد هذا الاسم في موضع واحد من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وكما نبهنا على ذلك كثيراً، أن هذا الكتاب كتاب مختصر، فيكتفي المؤلف في ذكر الأدلة من القرآن على هذا الاسم، وإلا فاسم الله المتكبر جاء في أحاديث عدة من السنة. قال: والمتكبر اسم يدل على وصفه سبحانه بالتكبر والكبرياء. وقد تقدم معنا من القواعد في باب الأسماء أن كل اسم يتضمن صفة، فالمتكبر يتضمن صفة التكبر لله سبحانه وتعالى. قال: والتاء في المتكبر ليست تاء التعاطي والتكلف. ومعنى التعاطي والتكلف: يعني شيئاً لم يكن في ذلك المسمى به أو المتصف به، ثم سعى لنيل هذا الوصف، فتعلم حتى نال هذه الصفة. مثال ذلك: يقال فلان تعلم التاهنة. التاء التعاطي والتكلف بمعنى: كان جاهلاً، فسعى وتسبب لنيل العلم فنال العلم، فيقال له: ماذا تعلم؟ ولذلك جاء في الحديث: «إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم». ما معنى بالتحلم؟ يعني يتكلف الاتصاف بهذا الخلق حتى يكون هذا الخلق من أخلاقه ومن طبيعته. هذا في حق المخلوق، لكنه في حق الخالق المتكبر: التاء ليست للتعاطي والتكلف، لأنها صفة ثابتة ملازمة للرب سبحانه وتعالى. ولذلك قال هنا: والتاء في المتكبر ليست تاء التعاطي والتكلف، وإنما هي تاء التفرد والاختصاص، بمعنى أن هذه الصفة لا يتصف بها على وجه الكمال إلا الله سبحانه وتعالى. ولذلك حرم ربنا عز وجل على عباده التكبر، لأنه لا يليق بالمخلوق؛ لأنه الناقص، المخلوق ناقص، فلا يجوز له أن يتصف بهذه الصفة. فالكبرياء والعظمة هذا مما اختص بها ربنا سبحانه وتعالى وتفرد بها، فالتاء للتفرد والاختصاص. قال: فالكبرياء وصفه سبحانه الذي لا يليق إلا به، الذي لا يليق إلا به سبحانه وتعالى. قال: قال قتادة: يعني ما معنى متكبر؟ قال: هو الذي تكبر عن كل سوء، بمعنى: ترفع سبحانه وتعالى عن كل سوء، فلا يصدر منه سبحانه وتعالى إلا الخير. وقال أيضاً، أي قتادة: الذي تكبر عن السيئات، وهو بمعنى السوء، أي ترفع وتنزه سبحانه وتعالى عن ذلك. وقال أيضاً: الذي تكبر عن كل شر. كل هذه المعاني متقاربة: السوء، السيئات، الشر، كل ذلك تكبر الرب سبحانه وتعالى عنها. وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء، وهو بمعنى قول قتادة. وقال أبو إسحاق: الذي يكبر عن ظلم عباده، والظلم من الشر والسيئات، فالله عز وجل لا يظلم عباده، تكبر عن ذلك، كما قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. وكما جاء في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا». فهذا أيضاً من معاني اسمه عز وجل المتكبر. وقال ميمون بن مهران: تكبر عن السوء والسيئات، فلا يصدر منه إلا الخيرات. وكل هذه المعاني متقاربة، وكل هذه المعاني متقاربة. قال المؤلف: وجماع ذلك أن هذا الاسم يدل على تعالي الله عن صفات الخلق. فمن صفات الخلق: الوقوع في السيئات والشر والسوء والظلم، هذه من صفات الخلق، فهذا الاسم يدل على تعالي الله عن هذه الصفات، يعني ترفع، وكذلك بعد الرب سبحانه وتعالى عن هذه الصفات، صفات الخلق. قال: وتعظمه سبحانه عن مماثلتهم أو أن يماثلوه، فهو ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، فهو لا يماثل عباده وخلقه. قال: ورفعته سبحانه عن كل نقص وعيب، بخلاف خلقه. قال: فهو المتكبر عن الشر، وعن السوء، وعن الظلم، وعن كل نقص. كل هذه المعاني: تنزه سبحانه وتعالى وترفع عنها. قال: وهذا متضمن ثبوت الكمال له سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. فالمتكبر فيه إثبات الكمال لله عز وجل، فإذا كان هو المترفع عن كل نقص وعيب، فهذا دل على كمال الرب سبحانه وتعالى في أسمائه فهي غاية في الحسن، وصفاته فهي كذلك غاية في الكمال، وأفعاله فلا يصدر منه عز وجل إلا الخير. قال: وأما العبد المخلوق فمقامه العبودية والخضوع والذل والانكسار والركوع والسجود للكبير المتعال العظيم بالجلال. فانظر في حال المسلمين: كبيرهم وصغيرهم، حاكمهم ومحكومهم، كلهم في باب العبودية سواء. فالفقير يسجد لله ويخضع ويسجد ويركع، والغني كذلك. هل يقال للغني: أنت ليس عليك صلاة، ليس عليك سجود، لا ركوع؟ بل نقول له: عليك صلاة جماعة، تصلي في المسجد مع المسلمين، وتصف معك في الصف الفقير، فأنتم في هذا المقام سواء، فأنتم في هذا المقام سواء. فهذا يدلك على أن المخلوق مقامه العبودية، مهما أعطي من الأموال، ومن النسب، ومن الحسب، ومن الجاه، ومن السلطان، فمقامه مقام العبودية. فهذا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وصفه الله عز وجل بهذا الوصف في أعلى وأرفع المقامات: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. في هذا المقام العظيم: مقام نزول الوحي، ومقام الإسراء والمعراج، وغيرها من المقامات العظيمة، وصفه الله عز وجل بالعبودية؛ لأن المخلوق مقامه العبودية والخضوع والذل والانكسار والركوع والسجود للكبير المتعال العظيم ذي الجلال. قال: ولعل في هذا سراً من أسرار ذكر الله بالتكبير عند الخفض للركوع والخفض للسجود. أنت لما تركع ماذا تقول؟ الله أكبر. فهو أكبر من كل شيء، فأنت تخضع له بالركوع لأنه هو العظيم المتكبر سبحانه وتعالى. فتخضع لله بالركوع والسجود، فتكبر: الله أكبر، أكبر من كل شيء سبحانه وتعالى. قال: وذكر كبرياء سبحانه وعظمته حال الركوع والسجود، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يجمع في ركوعه وسجوده بين الكبرياء والعظمة. فمما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من أذكار الركوع والسجود: «سبحانك، سبحانك، ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». متى تقول هذا؟ تقول هذا في الركوع والسجود. ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: «سبحانك، سبحانك، ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». في هذا الموضع الذي فيه الذل والانكسار: تحني ظهرك في الركوع لله رب العالمين، وهكذا تضع جبهتك على الأرض في السجود ذلاً وخضوعاً وانكساراً لله رب العالمين. كل ذلك يدل على أن المستحق لذلك هو الله عز وجل وحده. وإذ ذلك حرم على المسلم أن يركع أو أن يسجد لمخلوق، لا يجوز أن تركع أو تسجد لمخلوق أبداً، لا تنحني لأحد إلا لرب العالمين. يقول عليه الصلاة والسلام: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لعظم حقه عليها، لكنه لا يسجد إلا لله». فهو المتكبر سبحانه وتعالى. هذا هو السر في ذكر الله بالتكبير عند الخفض إلى الركوع والسجود، وفي ذكر الكبرياء والعظمة كذلك في الركوع والسجود. قال: وأما إذا استكبر العبد، ولا سيما عن الغاية التي أوجد لأجلها وخلق لتحقيقها، وهي عبادة الله وإفراده وحده بالذل والخضوع والانكسار، فإن الله يعاقبه بأعظم العقاب، ويخزيه في الدنيا والآخرة. وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن وفي السنة. في القرآن وفي السنة: رجل كان يتبختر ويتكبر في مشيته، فخسف الله به، هذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام. وهكذا قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. خرج متبختراً، خرج متكبراً، فماذا كانت عاقبته؟ أن خسف الله به وبداره الأرض، أنزله في الأرض تحت، وأباده سبحانه وتعالى لأنه تكبر. ولذلك قال هنا: وقد ذكر سبحانه في مواضع عديدة من كتابه العزيز نماذج من المستكبرين من الأشخاص والأمم. الأشخاص: مثل فرعون، قارون، هامان، النمرود، وغير هؤلاء. والأمم: مثل قوم نوح، أغرقهم الله أنهم تكبروا عن عبادة الله، وأبوا أن يخضعوا لله رب العالمين، وأن يوحدوه وأن يطيعوه، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. قال: وبينا ما أحل بهم في الدنيا من العقاب: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾. كل أمة نزل بهم صنف من العقاب، كما هو معلوم في القرآن. وما أعد لهم في الآخرة من النكال: هذه عقوبتهم في الدنيا، كذلك هم منتظرون لعقاب الله عز وجل في الآخرة. قال: وذلك لتستبين سبيل المجرمين، وليكون في ذكر حالهم عظة للمتعظين وعبرة للمعتبرين. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. هذا في يوم القيامة: من استكبر فقد توعده ربنا عز وجل بالنار، وبئس المصير. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. فمع ما أنزل الله عز وجل من العقوبة على أهل الكبر في هذه الدنيا، إلا أنه توعدهم يوم القيامة بالعذاب الأليم. قال: ونسأل الله سبحانه أن يرزقنا الذل لجنابه، وأن يعيذنا من سبيل المستكبرين، فهو وحده تبارك وتعالى المان والمعين. اللهم آمين. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.