الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 59، ألقاها
يبدأ الشرح بتوضيح أهمية رص الصفوف في الصلاة وتناول سند الحديث النبوي المتعلق بهذا الموضوع. يشير إلى أن رص الصفوف وتسويتها يمنع الشيطان من الدخول بين المصلين.
يتم شرح كيفية رص الصفوف من خلال المحاذاة بين المصلين، مع التأكيد على أن المقصود هو تسوية الصفوف وليس الالتصاق الجسدي بين الأفراد. يبرز تقنية الصحابة في تحقيق ذلك.
يناقش أهمية تراص الصفوف وسد الخلل بين المصلين، ويوضح الأحكام المتعلقة بتباعد الصفوف مع أو بدون عذر، مستندًا إلى الأحاديث النبوية التي تشجع على سد الفرج.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقر بن هاج الوادي رحمه الله تعالى: قال أبو داود رحمه الله: حدثنا مسلم بن إبراهيم، وهو الفراهيدي، مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، من مشايخ البخاري ومسلم، قال: روى عنه الستة. قال: حدثنا أبان، وأبان هو ابن يزيد العطار، وهو من طبقة الشيوخ في قتادة. قلنا: إن أهل العلم يجعلون للحافظ طبقات، طبقة حفاظ أصحابه، ومن ثم الطبقة التي بعدها من الملازمين له، ومن ثم بعد ذلك يأتي طبقة الشيوخ، إنهم أهل حديث وأهل علم، لكنهم لم يكثروا عن هذا الحافظ، فلهذا صاروا في طبقة الشيوخ. قال: حدثنا أبان، أبان بن يزيد العطار، كما قلنا، عن قتادة، وابن دعام، أبو الخطاب السدوسي البصري رحمه الله، وقد رمي بالقدر. وقد رمي بالقدر، وأبو داود رحمه الله ينفي عنه ذلك. لكن أهل البصرة أكثرهم كانوا يقولون بالقدر، إلا مشايخ قليل أو حفاظ من حفاظ الحديث وأئمة السنة، قليل منهم لم يقولوا بذلك. وقد كان الحسن البصري رحمه الله في البداية كان يوافقهم في شيء من ذلك، ثم رجع وتاب وترك هذا المذهب. وأما ابن سيرين فكان على السنة، لم يتلوث بهذا المذهب. وكذلك أيضا من كان بعده، كأيوب وابن عون. وكذلك أيضا يونس بن عبيد وسليمان التيمي، وإن كان سليمان بعضهم أيضا يقول إنه فيه شيء من القدر. وأما بقية أهل الحديث أو أكثرهم، فقد أصابهم شيء من هذا المذهب، فانتشر انتشارا كثيرا في البصرة، حتى قال علي بن مديني: لو ترك أهل البصرة للقدر وأهل الكوفة للإرجاء لخربت الكتب. قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف». قال: هذا حديث صحيح، ورجاله رجال صحيح الحديث. أخرجه النسائي، وعنده تصريح قتادة بالتحديد. فهذا الحديث فيه أحكام أو من أحكام الصفوف. فأولا فيه الأمر بالصفوف: «رصوا صفوفكم». وقد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر بذلك، بالأمر بتسوية الصفوف ورصها. وكان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتسوا صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم أو بين وجوهكم». فلهذا كان رص الصفوف مأمورا به. والمراد بالرص هو التتابع والمحاذاة، التتابع والمحاذاة. معناه: يرص من كان على يمين الصف يرص عن يساره، وكان يذهب إلى عن يساره. وإن كان عن ميسرة من ميسرة الصف يذهب ويرص عن يمينه، يرص عن يمينه. فإذا كان مثلا هناك فجوة في الصف، فإن كانت عن يمين، فالذي يكون عن اليسار هو الذي يتقدم إلى هذه الفجوة، أو أقصد: يمشي إلى هذه الفجوة ويرص مع أخيه. وإن كان في ميسرة الصف فإنه يذهب إلى اليمين، ومن كان باليمين هو الذي يمشي حتى يرص بأخيه في تلك الفجوة. فالرص يكون هكذا. وأيضا هذا الأصل أنه تكون محاذاة، لكن الصحابة رضي الله عنهم كانوا معنا يشددون في هذا حتى يعتد للصف أكثر. حتى أن الرجل كما قال أنس: ينصق رجله برجل صاحبه، أو قدمه بقدم صاحبه، وركبته بركبته، وكتفه بكتفه. والظاهر أنه أراد شدة المحاذاة. فإن كان حذاه برجليه ألصقها بها، وكذلك ألصق كتفه. وأما ركبته فلعل المراد أشد المحاذاة، لأن غالبا أن الركبتين لا تلتصق أو الركبة لا تلتصق بالركبة غالبا، لكن أحيانا بعض الناس يستطيع ذلك بحسب قوامة أرجل الناس. وأيضا كذلك فالمراد به كما قلنا هو المحاذاة، وإن كان هناك التصاق لعجل، إذا كان هناك التصاق لعجل ضبط الصف. وأيضا شدة المحاذاة، وأيضا كمال المساواة في الصفوف أو كمال تسوية الصفوف. فلهذا فهو من السنة الرص والإنصاف من السنة. وإن هذا فهو المطلوب. ولهذا لا يتعمق الإنسان في مثل هذه الأمور. فبعض الناس مثلا كلما قربت عنده حرب، كما قال أنس رضي الله عنه بذلك -ما في البخاري- حتى شبههم أنس بالحمر التي تنفر. فلهذا بعض الناس كلما قربت عنده حرب برجله، فمثل هذا لا ينبغي الإنسان أن يشاغل به. وأيضا كلما حارب أو كلما أدخل أو بعد رجله قربها، كلما أبعد قربها، فهذا خطأ لأنه انشغال عن الصلاة، وليس هذا المقصود. وإنما هو المحاذاة المقصود المحاذاة، سواء كان لصق به أو لم يلصق. كثيرا المراد لا يلصق في كل الرجل، فلو لصق قليلا من خلف أو من أمام يكفي. هذا أهم شيء أنه يكون محاذيا له في نفس المكان، ما يكون متأخرا. أن بعض الناس مثلا تقول تكون أرجلهم صغيرة فيقوم ويتقدم، فأنا تجده يحاذي الذي عنده بيصبع قدمه، فتجد أن جسمه يتقدم. جسمه يتقدم، وهذا خطأ. لكن يجعل الكتف محاذيا. وهنا قال: «وحاذوا بالأعناق». ولا شك أن الأعناق لا تتلامس، وإنما تكون في مقام واحد. إذا حاذ الكتف بالكتف فإنه تحاذى الأعناق. ولهذا كان قال البراء وغيره: إنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على مناكبنا، يمسح على مناكبنا، أي: حتى تتحاذى بعض أو ببعض، حتى قال: حتى ظن أننا قد عقلنا قد فهمنا ذاك. فرأى رجلا مقدما في الصف فقال: «عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». ثم أيضا قال: «وقاربوا بينها»، أي: قاربوا بين هذه الصفوف. قاربوا بين هذه الصفوف، معناه: لا تجعلوها متباعدة. والأفضل أن يجعل بين كل صف وصف ثلاثة أذرع، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك بينه وبين الصف. وإن جاوز قليلا أيضا ليس فيه شيء، أو نقص قليلا. لكن أفضل أن تتقارب هذه الصفوف. وقاربوا بينها، أي: قاربوا بين الصفوف، لا تتباعد هذه الصفوف. ولهذا حصل خلاف بين العلماء إذا كانت الصفوف متباعدة، هل تجز صلاة من كانت صفوفه متباعدة؟ فصحيح نقولها العلماء: أن الصلاة تجز، أن الصلاة تجز، ما دام أنه صفا واحدا، ليس واحدا مفردا قائما لنفسه. فإن كان إنسان مفرد لوحده فهذه الصلاة لا تصح. لكن إن كان صفا وقطع لعذر، قطع لعذر، من الأعذار مثلا يكون ذلك المكان مثلا فيه شيء من السواري أو كذلك ذلك المكان طريق، معنا المسجد ملآن وخرج الناس خارج المسجد، فكان ذلك المكان مكان طريق، فيتأخرون عن الطريق إلى خلف. أو مثلا مسجد، مثلا في مسجد نساء، حتى لا يلتصق النساء بالرجال ويكون مكانهم واحد، فتأخر النساء مثلا في آخر الصفوف، فإن هذا جائز. وهذا هو المشهور مذهب أحمد، وهو أيضا قول للشافعي رحمه الله، والأدلة أيضا توافقه. لم يأت دليل صريح في إبطال من كان صفه متأخر. وأما من كان بدون عذر، مثلا ليس هناك عذر، فهو آثم لعدم تراص الصفوف، وإلا فصلاته صحيحة. مثل ما يفعل الآن كثير من الناس في الحروب، تجد صفوف مرتصة وتجد صف بعد صف، الناس يصفون هناك، بعد الناس، هذا قطع وفيه تقطيع أيضا للصفوف. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله». ثم قال: «فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف». والحذف هو صغار الغنم، كأن الشيطان يدخل من هذه الخلل. والخلل هو الفرجة التي تكون بين الرجلين، هذا خلل. والفرجة هي تكون أكبر، معناه: الفرجة تكون إدخال رجل في ذلك المكان، معناه: مكان الرجل فجاء. في الحديث الذي أخرجه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تدعوا فرجات للشيطان». سدوا الخلل، الخلل الذي يكون هو بين رجلين يسد. وأيضا قال: «ولا تدعوا فرجات للشيطان». والفرجة هي أكبر من الخلل، الفرجة هي أكبر من الخلل، وهي ما يدخل إنسان في ذلك المحل الذي هو معناه أنه مكشوف أو أنه ترك، إما لخروج رجل وإما لتقارب الناس فتبقى فرجة. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إن أعظم خطوة يخطوها العبد في صلاته لسد فرجة». إن هذا الخطوة يخطوها العبد في صلاته لسد فرجة من الفرج، أن يسد فرجة، وخرج إنسان يدخل مكانه، أو خرج إنسان تقارب الصف فيقرب حتى يصل ذلك الفرجة. فمن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله. فهذه بعض الأحكام التي تذكر في هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.