شرح الشمائل المحمدية 85

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 85، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

باب خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه مع الناس

يوضح المقطع معنى الخلق لغةً وشرعاً مميزاً بين الخَلق والخُلق، ويستعرض دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق. ويسرد حديثي زيد بن ثابت وعمرو بن العاص الدالين على مخالطة النبي للناس وتواضعه وإقباله على شر القوم لتأليفهم.

آداب النبي صلى الله عليه وسلم في الإصغاء وترتيب فضائل الخلفاء

يبين حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الإصغاء للمحدث وترتيب فضائل الخلفاء الراشدين بأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. وينتقل لرواية أنس بن مالك عن خدمته عشر سنين دون تضجر مع تفصيل قراءات كلمة "أف".

النهي عن قول أف للوالدين وأدب النبي مع أنس بن مالك

يشرح تحريم قول "أف" للوالدين كأدنى مراتب العقوق وبيان أن طاعتهما من طاعة الله. ويستعرض خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أنس بن مالك في التسامح بحقوق الآدميين مع الإنكار لحقوق الله.

أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في النصح والتأديب والتبرك

يبرز حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ولينه وجواز التبرك بآثاره كعرقه وشعره. ويذكر أمثلة على أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر كنهي الرجل عن خاتم الذهب والثوب المصبغ مع التنبيه لضعف حديث الصفرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد أخذنا في الشمائل المحمدية باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه مجموعة من الأحاديث المباركة. نأخذ بابًا جديدًا: قال الترمذي رحمه الله تعالى: "باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم"، يعني: كيف كانت أخلاقه عليه الصلاة والسلام؟ سيذكر الترمذي رحمه الله تعالى أدلة كثيرة في هذا الباب. أما الخلق فهو بضم الخاء واللام، فيقال: خُلُق، ويجوز سكونها، فيقال: الخُلُق كذلك، أو الخَلْق بسكون اللام. قال الراغب: الخَلْق والخُلُق بالفتح وبالضم في الأصل بمعنى واحد، كالشرب والشرب، أو كالشرب والشرب. لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات، يعني هيئة الشخص، كيف أوصافه؟ ويقال: كيف خلقه؟ فالذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين. وبدأ خلق... فتختص بالهيئات الذي هو بالفتح: الخَلْق، فتح الخاء. قال: الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر. وقال: وخص الخلق الذي بالضم، وهو ضم الخاء، بالقوى والسجايا المدركة، أو المدركة بالبصيرة، يعني السجايا وهي الأخلاق، والعذاب... تدرك هذه بالبصيرة. كذا قال الراغب فيما نقله الحافظ رحمه الله. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي". أخرجه الإمام أحمد، وصححه ابن حبان. وهذا الدعاء صحيح عنه عليه الصلاة والسلام: "اللهم كما حسنت خلقي" أي: صورتي وهيئتي، "فحسن خلقي" أي: أخلاقي. قال القرطبي في المفهم: الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة. فالمحمودة على الإجمال: أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها ولا تنصف لها. هذه المحمودة على الإجمال، يعني: لما تعامل غيرك ينبغي أن تنصفه من نفسك، لا تنصف نفسك أنت، وإنما تنصف منها، فتعامله بالأخلاق. قال: وعلى التفصيل: العفو، والحلم، والجود، والصبر، وتحمل الأذى، والرحمة، والشفقة، وقضاء الحوائج، والتوادد، ولين الجانب، ونحو ذلك. والمذموم منها ضد ذلك، والمذموم من الأخلاق ضد هذه الأشياء، يعني: ضد العفو، وضد الحلم، وضد الجود، وضد الصبر، ويأتي الظلم، ويأتي كذلك البغي، ويأتي الشح والبخل، والبخل، والعجلة، وكذلك يأتي الشدة والعنف، وترك قضاء حوائج الناس، والبغضاء، والبغضاء، وغير ذلك من مساوي الأخلاق. فهذه مذمومة. إذن عرفنا أن الأخلاق هي أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، التي يعامل بها غيره. فإن كانت كما ذكر في المحمودة، فهذه أخلاقه طيبة، وأخلاقه جميلة. قال: هذا الإنسان صاحب خلق، هذا إنسان طيب، كذا يقال عند الناس. لماذا؟ لأنه يعاملهم بالعفو والصفح والتسامح، والكلام الطيب، ولين الجانب، ويتحمل الأذى منهم، ويصبر عليهم، ويرحمهم، ويشفق عليهم. هذا إنسان ذو أخلاق رفيعة. إذن عرفنا: إذا كان هذا هو التعريف للأخلاق، سنأتي الآن للحديث: كيف كانت أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال الإمام الترمذي: حدثنا عباس بن محمد الدوري، وهو إمام من الأئمة، الدوري له أيضًا روايات عن ابن معين وأسئلة. قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقري أو المقرئ. قال: حدثنا الليث بن سعد. قال: حدثني أبو عثمان الوليد بن أبي الوليد، عن سليمان بن خارجة، عن خارجة بن زيد بن ثابت، قال: دخل نفر على زيد بن ثابت، فقال له: حدثنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ماذا أحدثكم؟ كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له. فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. فكل هذا، وحدثكم عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا الحديث من طريق سليمان بن خارجة، إسناده ضعيف. قال فيه الحافظ: مقبول. وضعفه الألباني في "الشمائل" (294). لكن معناه صحيح. معنى هذا الحديث صحيح: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخالط الناس. أولاً: فيه أن زيد بن ثابت كان من كتاب الوحي، كان من كتاب الوحي. فزيد كان حافظًا للقرآن، وهو الذي جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه، فجمع القرآن وذلك باستشارة الصحابة رضي الله عنهم، فأمر زيدًا أن يجمع القرآن. وأيضًا فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ذا أخلاق حسنة، فكان يخالط الناس. الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. فإذا المؤمن يخالط الناس، يعني: يكون مع الناس. إذا تحدثوا في أمور الدنيا تحدث معهم، وإذا تحدثوا في أمور الآخرة تحدث معهم في أمور الآخرة. كما يقال: لكل مقام مقال، ولكل حادث حديث. وهكذا إذا ذكر الطعام فإنه يذكره معهم، يعني: ذكروا الأطعمة، ما هي أشهى الأطعمة؟ أو نقوم ونأكل؟ فإنه يكون معهم، يشاركهم الحديث في هذا. وهذا من حسن أخلاقه عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا إسحاق بن موسى، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن زياد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن عمرو بن العاص، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه على شر القوم، يتألفهم بذلك. فكان يقبل بوجهه وحديثه عليه، يعني: يقبل على عمرو بن العاص، حتى ظننت أني خير القوم، أني خير القوم. فقلت: يا رسول الله، أنا خير أم أبو بكر؟ فقال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله، أنا خير أم عمر؟ فقال: عمر. فقلت: يا رسول الله، أنا خير أم عثمان؟ فقال: عثمان. فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقني، فلوددت أني لم أكن سألته. وهذا من قول الحق والصدق. أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم... الحديث هذا حسن، برقم (295). حسّنه الألباني، وإن كان فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه، لكن له شواهد، فذكره الألباني رحمه الله، فهو حسن. هذا فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل بوجهه وحديثه على الناس، حتى لو كان هؤلاء فيهم من هو أشر القوم، يتألفهم، يتألفهم عليه الصلاة والسلام. وهذا لما كان في مكة، لما كان في مكة عليه الصلاة والسلام، فإنه كان يقبل على الناس لكي يتألف هؤلاء من أجل أن يسمعوا حديثه منهم. فكان يقبل على عمرو بن العاص رضي الله عنه، ذلك بعد إسلامه، بعد إسلامه. وهذا أيضًا في المدينة. فيقول: حتى ظننت أني خير الناس. لأنه كان عليه الصلاة والسلام يقبل بوجهه على من يحدثه. وأنت إذا كنت في مجلس، فإنك تقبل بوجهك على الذي يحدثك، يحدثك يعني: واحد يتكلم معك، فتقبل بوجهك عليه، ما تروح وتذهب يعني: يمين أو شمال لشخص آخر، ما يكلمك ولا يحدثك. أولاً: أعطِ وجهك للذي يكلمك. هذا من حسن الأدب والأخلاق. فإذا كنتما تتحدثان، ربما يكون في المجلس أكثر من واحد، يعني: ثلاثة، أربعة، خمسة، عشرة. هذا يتكلم، وهذا يتكلم، وهذا يتكلم. لكن أنت ربما تتكلم مع شخص، فلا تقاطع هذا الشخص الذي يقبل بوجهه عليك ويكلمك، فتقبل بوجهه عليك حتى ينتهي حديثه. فإذا انتهى حديثه، إن شئت أقبلت بوجهك إليه، وإن شئت ماذا؟ ذهبت وصرفت وجهك إلى شخص آخر يتحدث. فإذا كان عليه الصلاة والسلام يقبل بوجهه على من يحدثه، على من يحدثه... فلما رأى عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا ينظر إليه ويقبل بوجهه إليه، وهذا من الآداب، وهذا من التواضع، وهذا من حسن الخلق، ظن في نفسه أنه أفضل القوم، أنه أفضل الجالسين. وعمرو بن العاص رضي الله عنه كان أيضًا من دهاة العرب كما يقال، وأسلم هو وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، وجاهد، وحسن إسلامه، وجاهد، وكان بعد ذلك في عهد معاوية أميرًا على... فالشاهد من هذا: أن عمرو بن العاص ظن أنه أفضل من بعض الصحابة السابقين، مثل أبي بكر وعمر وعثمان. فسأله: فقال: يا رسول الله، أنا خير من أبو بكر؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أبو بكر خير منك، يعني: أفضل منك. ثم قال له: أنا عمر؟ قال: عمر أفضل منك. ثم قال له كذلك: عثمان؟ قال: عثمان. ثم لم يسأله عن ماذا؟ عن علي بن أبي طالب. اكتفى بعثمان. لأنه لو قال له: وعلي، سيقول له النبي عليه الصلاة والسلام: علي أفضل منك، علي أفضل منك. فالجواب معروف. هذا معاوية سأله، واكتفى بهذا. ثم قال: لو ددت أني لم أسأله. لو ددت أني لم أسأله. هذا لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول الصدق، يقول الحق. وهذا هو الحق. الصحابة كانوا يفاضلون، فكانوا يقولون: كنا نقول أفضلنا أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. هكذا الترتيب. فهذه الأفضلية لهؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فإذا سئل الصحابة رضي الله عنهم، قالوا: ماذا قالوا؟ هذا الترتيب. ولهذا لما سأل أحدهم علي بن أبي طالب: من أفضل؟ قال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. قال: ثم من؟ قال: ثم عثمان. فحتى علي فضل عثمان عليه. فيفاضلون بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وهذا بإجماع أن عثمان أفضل من علي، وأن ترتيب الخلافة كذلك على هذا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي بن أبي طالب. وإن كان الشيعة ماذا يخالفون في هذا؟ فيقدمون عليًا على عثمان. لكن أهل السنة لا، السنة يقولون: عثمان قبل علي بن أبي طالب، قبل علي بن أبي طالب. وإنما خلافة أهل السنة في ماذا؟ في الفضيلة، أي: في الفضائل، أيهم أكثر فضائل؟ فبعضهم يقول: عثمان، وبعضهم يقول: علي. لكن في الخلافة إجماع، إجماع في الخلافة: أجمعوا على أن الخلافة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. هذا الخلافة عند أهل السنة. وأما في الفضائل فقد جاء بعض أهل السنة يقدم عليًا على ماذا؟ يعني: في المنزلة والفضيلة، بعضهم يقدم عليًا على عثمان، وأكثرهم يقدمون عثمان على علي بن أبي طالب. والشيعة تخالف في هذا أيضًا، فتخالف في الفضيلة وتخالف في الخلافة، فيقدمون عليًا على عثمان. فالشاهد من هذا الحديث: هو إقبال النبي صلى الله عليه وسلم على جليسه والمتحدث معه. فمن الأدب: عندما تجلس في المجلس وشخص يتكلم معك، فإنك تقبل بوجهك عليه، يعني: لا تصرف وجهك، بل تضع وجهك أمامه عندما يحدثك. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل بوجهه، وهذا من سجاياه عليه الصلاة والسلام. قال الترمذي: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أُفٍّ قط، أو أُفٍّ عندكم بالتنوين؟ أنا عندي بالتنوين: أُفٍّ قط بالتنوين، ولا بالكسر فقط. أُفٍّ كلمة أُفٍّ، التشديد تحت كسرة أم كسرتان؟ طيب، إذن: أُفٍّ. فما قال لي أُفٍّ قط. وفي الآية: {فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما}. طبعًا: أُفٍّ هذه سيأتي معناها من كلام الحافظ: أن فيها لغات. قال: وما قال لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟ وما قال لشيء تركته: لِمَ تركته؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا. ولا مسست خزًّا ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شممت مسكًا قط، ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث صحيح، صححه الألباني برقم (296). طبعًا وأصله في مسلم، يعني: بعضه في مسلم. أولاً: أنس بن مالك الصحابي الجليل، أتت به أمه أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخدمه، وكان إذ ذاك غلامًا، وكان إذ ذاك غلامًا. وخدم النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: عشر سنين. ومنهم: أي في بعض الروايات في مسلم، أنه خدمه تسع سنين، تسع سنين. هذا في رواية أيضًا أنه خدمه تسع سنين. يقول الحافظ: ولا مغايرة بينهما، لأن ابتداء خدمته له كان بعد قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة، وبعد تزويج أمه أم سليم بأبي طلحة. فالنبي عليه الصلاة والسلام كم مكث في المدينة؟ مكث عشر سنين. يعني: هي تكون المدة ما بين التسع إلى العشر. لأنه لما قدم المدينة، تزوجت أم سليم بأبي طلحة، يعني: في السنة الأولى، ثم جاءت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: هذا خادمك يا أنس. فخدم النبي عليه الصلاة والسلام مدة بقائه في المدينة إلى أن مات. فيكون تسع سنين وبضعة أشهر. فأحيانًا يكمل الكسر فيقول: عشر سنين، يعني: من السنة الأولى إلى العاشرة. وأحيانًا لا يذكر الكسر فيقول: تسع سنين، تسع سنين. طيب. قال في هذا الحديث: فما قال لي أُفٍّ قط. يعني: ما استخدم هذه الكلمة أبدًا مع أنس بن مالك. التأفف: وهي كلمة التضجر. هذه الكلمة فيها عدة لغات، يعني: الحركات الثلاث بغير تنوين وبالتنوين. يعني تقول: أُفٍّ، وأُفٍّ، وأُفٍّ، وأُفٍّ، وأُفٍّ، وأُفٍّ. وهذا مع ضم الهمزة، وهذا مع ضم الهمزة. طبعًا هذا كذا قال الحافظ. قال: وهذا كله مع ضم الهمزة والتشديد. وذكر أبو الحسن الغماري فيها لغات كثيرة، فبلغها تسعًا وثلاثين، ونقلها ابن عطية، وزاد واحدة، فأكملها أربعين. وقد سردها أبو حيان في البحر. أبو حيان صاحب البحر في تفسير "بحر المحيط". قال: واعتمد على ضبط القلم. يعني: من أراد يضبط كلمة "أف" فيذهب إلى "البحر المحيط" لأبي حيان، فضبط هذه الكلمة. والحافظ ذكر هذه الأوجه مع كذا ومع كذا، تسير كذا، حتى أوصلوها إلى أكثر من سبعين وجه. سبعين ماذا؟ سبعين حركة أو لفظ أو لغة في كلمة "أف". في كلمة ماذا؟ "أف". وشعب يقرأ ماذا؟ "أف" يقرأ "أف" خلافًا لحفص. فنقرؤها "أفٍّ" بالتنوين. وشعب يقرأ "أفٍّ" لكم "أفٍّ" ولما تعبدون من دون الله. "أفٍّ" لكم ولما تعبدون من دون الله. هذه قراءة حفص. أما شعب فيقرأ ماذا؟ عن عاصم: "أفٍّ" لكم. إذن هذه جاهد في القراءات السبع: "أفٍّ" و"أفٍّ" وغير ذلك من القراءات. قال الراغب: أصل الأف كل مستقذر من وصف، كقلامة الظفر، وما يجري مجراها. ويقال ذلك لكل مستخف به. ويقال أيضًا: عند التكره الشيء، وعند التضجر من الشيء. واستعمل منه الفعل، واستعملوا منه الفعل: "أَفَفْتُ" بفلان. أيضًا يقال: "أَفِفْتُ". مستعمل منه الفعل. "أفٍّ" لكم: بعضهم استخرج منها المصدر. فهي لكل أمر مستقذر، ويأتي أيضًا منها ماذا؟ التضجر. ولهذا قال الله عز وجل: {فلا تقل لهما أُفٍّ}، أي: لا تتضجر عندما يسألانك شيئًا، وعندما يوصيانك بشيء. لا يجوز للابن هذه كلمة صغيرة، يعني: من حرفين: "أفٍّ". هذه ما يجوز تقولها لوالديك. ما يجوز، ويعتبر هذا محرمًا. لو كان هناك كلمة كما قال العلماء أقل من "أفٍّ" لقالها الله سبحانه وتعالى لعباده. لكن هذه الكلمة أقل ما يقال، لأن الإنسان ممكن يخرجها بماذا؟ بكل سهولة: "أفٍّ". يعني: كذا يتأفف من ماذا؟ من ما يطلبه منه والداه، أو مما يأمرانه به. لا يجوز أبدًا أن تنطق هذه الكلمة. احذر أن تقولها لوالديك. فهي كلمة منهي عنها، لأن الله عز وجل قال: {فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما}، أي: بالقول. ما يجوز أن ينهر الوالدان، الوالدين، وأن ينهر الوالدان. ولا يجوز أن يقال لهم: "أفٍّ"، "أفٍّ"، تضجرًا، تضجرًا مما يأمرانك أو يكلمانك فيه. وهذا من حقوق الوالدين، حقوق ما عليك من الإحسان إليهما والبر: أنك تستجيب لما يأمرانك به، وطاعتهما من طاعة الله عز وجل، وعقوقهما معصية وكبيرة من كبائر الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أجتنبوا السبع الموبقات"، وذكر منها: عقوق الوالدين. من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه: أنه ما قال لأنس بن مالك "أفٍّ"، وهو غلام صغير معه، كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من حسن أخلاقه. وما قال لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟ يعني: ليش سويت هذا الأمر؟ ربما يصنع شيء من ذات نفسه أنس رضي الله عنه، فما يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنس، لِمَ صنعت هذا؟ يتركه على ما صنع. أو أنه ترك شيئًا من ذات نفسه، فيقول له: لِمَ تركت هذا؟ قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس. قال الحافظ رحمه الله تعالى في قول أنس هذا: "ما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَ تركته". قال: استفيد من هذا ترك العتاب على ما فات، لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به إذا احتيج إليه. استفيد من هذا: ترك العتاب. النبي ما عاتبه، ما عاتب أنس لشيء صنعه أو لشيء تركه، لأن هناك استدراك. ممكن تقوله: اصنع هذا، أو حول هذا، أو غير هذا، أو اترك هذا. هذا عندك متسع. عندك عندك ماذا؟ متسع. ممكن الولد يصنع شيء، ولدك مثلًا يصنع شيء من تلقاء نفسه، يريد يعني: يفرح والديه، عمل شيء في البيت كذا، يأتي بشيء يصنع شيء. فأنت لا تعاتبه، وقل له: يعني إذا كان هناك في الأمر مندوحة، وفي الأمر سعة، لِمَ... يعني: لو فعلت هكذا، إن شاء الله في المستقبل، يعني: من باب النصح والإرشاد، فيكون خير وأفضل. فإذا كان هناك أمر للاستدراك، والسعة، والأمر فيه مندوحة، احتيج إليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يرشده. إذا كان الأمر طيب، مشى عليه، مشى على هذا الأمر. يعني: الأمر طيب، ما يحتاج أني أعاتبه عليه. فليس كل الأمر يكون ماذا؟ يكون عتابًا. فمن حسن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام: أنه ما يقول: لِمَ تصنع هذا، أو لِمَ تترك هذا؟ لأن الأمر فيه ماذا؟ فيه سعة عنده عليه الصلاة والسلام. قال: وفائدته تنزيه اللسان عن الزجر والذم، واستئلاف خاطر الخادم بترك معاقبته. وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان. هذا تتعلق بحظ الإنسان، يعني: هو يصنع شيء لي. فأنس كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام، فكان النبي عليه الصلاة والسلام ما يريد ماذا؟ أن يعكر خاطره. فهو غلام، وقد يخطئ هذا الغلام. لكن النبي عليه الصلاة والسلام من حسن أدبه وأخلاقه: أنه ما يعاتبه، يتركه يعمل. إذا عمل شيء، أو إذا ترك شيء، فينزه الإنسان دائمًا لسانه عن ماذا؟ عن الزجر والذم. يعني: ما كل شيء عتاب، ما كل شيء ذم، ما كل شيء زجر. إن هذه الأشياء مش طيبة. إذا تعود الإنسان على الزجر والصياح، وعلى الذم، أضحك الله... إيش من ولد أنت؟ كذا كذا. يعني: يسب ويلعن، يتعود اللسان على هذا. لكن عود اللسان على عكسه: جزاك الله خير، بارك الله فيك، أحسنت. هذا أطيب، وهذا أفضل. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يبرك الشيء، ويمدح الشيء الطيب، ويثني عليه، ويثيب عليه عليه الصلاة والسلام. ما يقدر الخواطر... لأن النفوس البشرية تحتاج إلى جبر الخواطر، ما تحتاج إلى تكدير الخواطر. عندك رجل، عندك امرأة، عندك غلام: اجبر خاطره. صنع شيء، فرحان، صنع شيء لك: جزاك الله خير، اقبله منه، ما أنت خسران شيء. حتى لو لم ينفعك هذا الشيء الذي صنعه. كيف لو صنع لك طعامًا أو غير ذلك، أو أتى لك بهدية؟ تجبر بخاطره: جزاك الله خير، هديتك مقبولة، بارك الله فيك. فهكذا تكون حسن ماذا؟ حسن الأخلاق. ما هو تعبس فيه، أو أنك تذمه: تقول: ما هذا الشيء الذي جبتَه؟ له ما يساوي عندي بصلة، ما يساوي عانة، ما يساوي فلس، ما يساوي ريال. لا، هذا تكسير الخاطر، تكسر بخاطره. خاصة الأطفال، خاصة ماذا؟ الأطفال. إذا صنعوا شيء، فهم يصنعونه لأجل يفرح بهم، أو أتوا بشيء هدية، فأجل ماذا؟ أنهم يظنون أن هذا هو يستحق هذه الهدية، وأن هذا عندهم بمقام عالي ورفيع، فيصنعون هذه الأشياء من تلقاء... فيكون هاكذا. الإنسان دائمًا عنده حسن أخلاق، وتعامل طيب مع من هم أصغر منه، وعنده يكون ماذا؟ التجوين. فانظر كيف أنس: عشر سنين، يقول: ما سمعت كلمة أزعجته من النبي عليه الصلاة والسلام، لا "أفٍّ" ولا شيء. أصنع، يقول: لِمَ صنعته؟ ولا شيء تركت، وَلَِمَ تركته؟ يعني: كان يترك العتاب، وكان يترك الذم، وكان يترك الزجر، وكان يجبر الخواطر، خاصة خواطر ماذا؟ الأطفال. قال: وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان. أما الأمور اللازمة شرعًا، فلا يتسامح فيها، لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لو رأى من هذا الغلام شيء يغضب الله، على الفور سيوجهه وينصحه ويرشده. لأن هذه الأمور يفعلها الغلام هي من باب ماذا؟ من باب حظ الإنسان، وليست أمورًا شرعية. يعني: أنه يترك صلاة، أو يقصر في شيء، أو يكسر شيء، أو كذا... يعني: يفعل أمورًا تنافي الآداب والأخلاق، وأمورًا مقصرًا فيها شرعًا. فإن هذا لا يتسامح فيه، لا يسكت عنه، بل يكون هناك بعدها النصح والإرشاد والتوجيه، وإن استلزم كذلك ماذا؟ التأديب. إن استلزم التأديب لهذا الغلام، أدب. لكن إذا كانت أمورًا عادية، تسمعها لك أنت، يخدمك أنت، ابنك، أو أي أحد من ماذا؟ من أقربائك، أو كان عندك خادم، أو كان عندك أجير وعامل، فإنك تثيبه وتعامله بالتي هي أحسن. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا. ولا مسست خزًّا ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني: كف النبي عليه الصلاة والسلام كان لينًا، كان ماذا؟ لينًا. يعني: ألين من الحرير. قال: ولا شممت مسكًا قط، ولا عطرًا كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كانت أم سليم، لما يأتي يقيل عندها النبي صلى الله عليه وسلم، كانت ماذا؟ تسلت العرق منه، وتضعه في قارورة وأيدها، أو أقرها النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. قالت: هو أطيب الطيب. فكانوا يتطيبون به. وهذا من التبرك بآثاره عليه الصلاة والسلام وحده، ولا لغيره. فلا يجمع عرق غيره. قال: أنه طيب، فضلًا عن ماذا؟ فضلًا عن ما يخرج من السبيلين. أباحهم الله أولئك الذين يتبركون بآثار هؤلاء الذين يقولون أنهم أولياء، فتبركوا بماذا؟ بآثارهم. هذا لا يجوز. إنما يتبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء عنهم: النخامة، والعرق، وهكذا شعره عليه الصلاة والسلام. لما حلق عليه الصلاة والسلام، كانوا يأخذون شعره ويتبركون به، ويخبئونها. شعر النبي عليه الصلاة والسلام، هذا خصيص من خصائصه صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن عبدة الضبي، والمعنى واحد. قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن سلم العلوي، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان عنده ليلة عليه السلام رجل به أثر صفرة. أي: كان عند النبي عليه الصلاة والسلام رجل به أثر صفرة. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يواجه أحدًا بشيء يكرهه. فلما قام، قال للقوم: لو قلتم له: يدع هذه الصفرة. وهذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف. ضعفه الألباني برقم (297) كما في مختصر الشمائل. وفيه سلم العلوي ضعيف، فلا يحتج به، لا يحتج بهذا الحديث. وأيضًا المعلوم عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يغضب لله، وكان أيضًا ينصح ويوجه. فإذا رأى من أحد شيئًا، قال عليه الصلاة والسلام... ولا يمنعه ذلك من أن يقول وينصح. من فعل شيئًا، فقد قال لعبد الله بن عمرو بن العاص، لما لبس ثوبًا أحمر، أو لبس ثوبًا فيه زعفران، قال: "أُمك أمرتك بهذا؟" قال: "اذهب، فأنزعه عنك". قال عبد الله: فذهبت فأحرقته، فأحرق هذا الثوب. فلما رجع، قال: "ماذا فعلت بالثوب؟" قال: "أحرقته يا رسول الله". قال: "ما قلت لك أحرقه". يعني: إنما أمرتك أن تنتفع به. يعني: هذا يكون للنساء. أما أن تجعله أنت من باب الشهرة، أو من باب الزينة، فلا يكون ذلك للرجال. لكن تنتفع به: تبيعه، أو أنه يكون للنساء، تشقه خمرًا وغير ذلك للنساء. فالشاهد من هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى من أحد شيئًا مخالفًا لشرع الله عز وجل، فإنه ينصحه في وجهه، ويقول له: كذا، كذا، افعل كذا، اترك كذا. كان رجل لابس خاتمًا من ذهب، قال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها على يده". قال: فالرجل أخرج الخاتم، ورمى... رمى الخاتم الذهب. هذا جمرة من نار. الذهب لما يلبسه الرجل: جمرة من النار. فالرجل ألقى الخاتم. فبعد ذلك ذهب النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل للرجل: خذ خاتمك. قال: والله لا آخذه، بعد ما نزعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أخذ هذا الخاتم. فالشاهد: هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا من سجاياه صلى الله عليه وسلم. نكتفي بهذا القدر. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا لكم.