شرح عقيدة الرازيين 3

الدرس في شرح عقيدة الرازيين 3، ألقاها

تعريف الإيمان وأركانه

الإيمان هو قول واعتقاد وعمل، يشمل النطق بالشهادتين واعتقاد القلب وعمل الجوارح. يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

أهمية الأعمال في تكوين الإيمان

الأعمال جزء لا يتجزأ من الإيمان، والنطق بالشهادتين مع اعتقاد القلب ضروري. المرجئة أخطأوا في فصل الأعمال عن الإيمان.

زيادة الإيمان ونقصانه وعلاقته بالأعمال

الإيمان يزيد وينقص، وهو مرتبط بالأعمال الصالحة مثل الصلاة والصوم. هذا مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف فرق أخرى.

ختام وتوجيهات عملية

المقطع يختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويطلب من الله التوفيق والسداد، ويظهر ثقة المؤلف بالدليل الشرعي وتواضعه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام -أو قال الإمام أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان-: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. تقدم معنا في درسٍ مضى لماذا ابتدأ بالكلام في الإيمان؟ والإيمان لغةً هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، هكذا عرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم لغةً. وخطأ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من قصر تعريف الإيمان على التصديق، وذكر أن الصواب أن الإيمان لغةً هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وموارده في اللغة تدلُّ على هذا المعنى. وشَرعًا، الإيمان شَرعًا هو قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجنان، وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيدُ بالطاعة وينقصُ بالمعصية. هذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وهو الذي دلَّ عليه القرآن، ودلَّت عليه السنة النبويَّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: الإيمانُ قولٌ وعمل. والإيمانُ عند أهل السنة والجماعة -كما ذكره رحمه الله تعالى- أنه قولٌ وعمل. والقول ينقسم إلى قسمين: إلى قول القلب وهو الاعتقاد، وإلى قول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام. فالقول عند أهل السنة والجماعة ينقسم إلى قسمين: إلى قول القلب وهو اعتقاده، وإلى قول اللسان وهو النُطق والتكلم بكلمة التوحيد. والعمل كذلك قسمان: العمل عند أهل السنة والجماعة كذلك قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه وتوكله ومحبته وخشيته لله رب العالمين جل وعلا، وعمل الجوارح وهو العمل الظاهر الذي يظهر على الجوارح كالصلاة، والحج، والجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك من الأعمال الظاهرة. ويدخل فيه كذلك في عمل الجوارح يدخل فيه عمل اللسان من قراءة للقرآن، من تسبيح، من تهليل، من ذكر. كل هذا من عمل الجوارح، فكل طاعة ظاهرة هي من عمل الجوارح، وكل عمل باطن هو من عمل القلب: محبة، خشية، رغبة، رهبة، إنابة، خشوع، توكل، إلى غير ذلك من معان. إذن الإيمان حقيقة مركبة من أمرين: الإيمان حقيقة مركبة من أمرين: من القول وهو قول القلب وقول اللسان، ومن العمل وهو عمل القلب وعمل الجوارح. فقول الإمام -فقول الإمامين الرازيين- الإيمان قول وعمل، هذا هو حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة. وقولهم: وعمل، الإيمان قول وعمل، في قولهم أن الإيمان قول رد على طائفة من المرجئة، من غلات المرجئة وهم الكرامية الذين يقولون: لا يشترط التكلم باللسان، أو هو قول الجهمية الذين يقولون: لا يشترط التكلم والتلفظ بمعنى أن الإنسان إذا اعتقد في قلبه وعرف الله -هكذا يقول- إذا عرف الله بقلبه فهو مؤمن، وإن لم ينطق بلا إله إلا الله. وهذا مخالف للأدلة الكثيرة التي تدل على أنه لا يدخل الإنسان في الإيمان إلا بشهادتين. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». أشاهد منه؟ فإذا قالوها هي غاية تحصل عصمة للدم والمال بها، فلا بد من النطق بلا إله إلا الله. وكذلك لا بد أن يكون ذلك القول مبنيا على عقيدة مطابقة لذلك القول الذي تلفظ به، إذ لو قاله -لو قال هذه الكلمة بلسانه ولم يعتقد بجنانه- لم يعتقد بجنانه هذه الكلمة، فإنه لا يكون مؤمنًا، خلافًا للكرامية. الكرامية عندهم: إذا قالوا لا إله إلا الله وإن كان يعتقد في قلبه خلافها، عندهم بأنه مؤمن. والجهمية والكرامية في هذا الباب هم يعدون من غلات المرجئة الذين كفرهم الأئمة رحمهم الله تعالى بسبب هذه الأقوال الشنيعة. فالكرامية عندهم أن من قال لا إله إلا الله مؤمن، ولو كان كافرا في الباطن. لذا قالوا بأن المنافقين أنهم مؤمنون، مع أنهم منافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار. وهذا من الخلط العجيب الذي وقع فيه هؤلاء بسبب بعدهم عن كتاب ربهم جل وعلا، وعن سنة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقول أهل السنة والجماعة: وعمل، رد على المرجئة بأجمعها بطوائفها وفرقها. فالمرجئة بطوائفها وفرقها -سواء الغلاة كالجهمية والكرامية أو ممن هو دونهم كمرجئة الفقهاء- كل المرجئة يقولون بأن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، ولا هي من حقيقة الإيمان. ولهذا سمي مرجئة؛ لأنهم أرجأوا العمل -أي أخروه- عن حقيقة الإيمان وعن مسمى الإيمان. وهذا ضلال مبين. إذ أن الله تبارك وتعالى في آيات كثيرة من كتابه يبين بأن العمل من الإيمان. قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حَنِفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. الصلاة من الأعمال أم لا؟ ويقيم الصلاة ويؤت الزكاة، وذلك دين القيمة. هذا هو الدين، وهذا هو الإيمان. نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حينما أتاه جبريل فسأله عن الإسلام، وعن الإيمان، وعن الإحسان، ثم انصرف، فقال: «ماذا قال هذا؟» «جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». فكان من جملة ذلك الدين ما هو الأعمال الظاهرة: الصلاة، الصيام، الحج، الصوم، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، إلى غيرها من الأعمال -سواء كانت الظاهرة كما في حديث جبريل في الإسلام- أو الباطنة كما في أمر الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». أو ما يكون في حقيقة الإيمان وعقد الإيمان، وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره. هذا هو أصل العقيدة. وبعد هذا يقولون: ماذا يقولون بأن الأعمال ليست من الإيمان؟ والنبي صلى الله عليه وسلم -كما مر معنا في الصحيحين في حديث ابن عباس رضي الله عنهما- حينما أتاه وفد عبد القيس، فقال: «آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله». ثم قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله؟» قال: «الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء -أو قال- صوم رمضان، وإعطاء الخمس من المغنم». هذه أعمال أم لا؟ إيتاء، إقامة الصلاة، والصوم، والخمس من المغنم أعمال أم لا؟ أعمال. ومع هذا نص النبي صلى الله عليه وسلم بأنها ماذا؟ بأنها من الإيمان بالله. «آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟» وذكر ما ذكر. والأدلة في ذلك كثيرة. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. جاء في صحيح البخاري عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال -يعني صلاتكم-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاتكم». فسمى الصلاة ماذا؟ إيمانًا. ثم يأتي قائل فيقول: بأن الأعمال ليست من الإيمان. وقوله رحمه الله تعالى: يزيد وينقص، كذلك خلافًا للمرجئة. المرجئة يقولون بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجد بأكمله وإما أن يذهب بأكمله. وهذا قول كذلك الوعيدية من الخوارج والمعتزلة. فالخوارج والمعتزلة في جهة، والمرجئة في جهة، الكل متفقون على أن الإيمان لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص. والناس فيه إما أن يقال كما قالت الخوارج والمعتزلة: لا إيمان مع معصية. وإما أن يقال كما قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان معصية. والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة بتوفيق الله جل وعلا وفضله وتوفيقه وعونه. فأهل السنة والجماعة يقولون بأن الإيمان يزيد وينقص. من يقول بأن إيمانك إيمان جبريل، أو إيمانك إيمان أبي بكر الصديق، أو عمر، أو عثمان، أو علي؟ هذا لا يقوله عاقل فضلا عن مؤمن. ولكن قد قيل من قبل أولئك المرجئة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وإلا الحس والعقل والفطرة والشرع قبل ذلك يدل على التفاوت العظيم. فالناس بفطرهم إذا رأوا رجلًا -كما يقال- سكير، ورجلًا آخر يعتاد المساجد، هل يقولون: هذا مثل هذا؟ أبدًا. بالفطرة السليمة وبالعقل الصحيح كل إنسان يعلم هذا، فضلا عن الأدلة الشرعية الكثيرة المتكاثرة التي تدل على زيادة الإيمان ونقصانه. منها قول الله جل وعلا: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. ومنها قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾. هذه كلها أدلة تدل على ماذا؟ على زيادة الإيمان. جاء عن سفيان رحمه الله تعالى أنه ذكر هذه الآية: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَزَادَهُمْ هُدًى﴾. فقيل له: يا أبا محمد، هذا في الزيادة، فكيف بالنقصان؟ قال: ما من شيء يزيد إلا وهو ماذا؟ إلا وهو ينقص. إذ ما زاد إلا بعد إيش؟ إلا بعد نقص. ما زاد إلا بعد نقص. هذا دليل واضح بالعقل والفطرة والشرع يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه يضعف ويضعف حتى ما يصير مع العبد إلا مثقال ذرة، وأدنى من ذلك -كما جاءت في ذلك أحاديث الشفاعة- كما في الصحيحين من حديث أنس، ومن حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر، وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم في إخراج أهل النار: «أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة -مثقال حبة- مثقال برة، أدنى، أدنى، أدنى برة من إيمان، أو ذرة من إيمان». كل هذا يدل على ماذا؟ على أن الإيمان ينقص وينقص حتى ما يبقى إلا مثل ما ذكر في هذا الحديث. وهذه أدلة ساطعة، واضحة، جلية، ولكن أكثر الناس لا يعلمون إلا من وفقه الله ورحمه الله. فنسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والسداد. والله تبارك وتعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على