الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 93، ألقاها
المقطع يتحدث عن شرح حديث رواه الإمام أحمد بن عمر بن أبي عاصم في كتابه 'السنة'، حيث يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل رجلًا من أصحابه إلى رأس المشركين يدعوه إلى الله. تم ذكر سند الحديث وتقييم رجاله.
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا إلى مشرك يدعوه إلى الله، فتجرأ المشرك على الله بكلام سفاهة، فأرسل الله صاعقة فأهلكته. يروى أن المشرك كان أربد بن ربيعة الذي اتفق مع عامر بن الطفيل على قتل النبي صلى الله عليه وسلم.
يروي المقطع قصة عامر بن طفيل الذي حاول قتل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل حال بينه وبين ذلك بإرسال صاعقة أحرقته. ثم يموت أربد لاحقًا بسبب غدة في حلقه، مما يعتبر دليلًا على انتقام الله عز وجل ممن يتطاول على جنابه.
الله عز وجل يمهل بعض العباد ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وله حكمة في ذلك. يفعل الله ما يريد بحكمته وعدله، والله تعالى أعلم بحكم أفعاله.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد بن عمر بن أبي عاصم في "السنة"، والإمام أحمد بن عمر الذي قال له بن أبي عاصم، إمام حافظ من حفاظ الحديث، ألف كتاب "السنة" وهو كتاب عظيم. وقد كان أيضًا من حفاظ الحديث الذين يسردون حديثه، وكان في الشام، وكان أبوه حافظًا أيضًا، وجده الضحاك بن مخلد معروف بحفظه وعلمه، الضحاك بن مخلد أبو عاصم شيخ الإمام أحمد. وقد روى أحمد عن جده قليلًا، وروى عن جده لأمه، وهو أبو موسى التبوذكي -أقصد موسى بن إسماعيل التبوذكي- من قري يعتبر جده من أمه. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدم، وهو ثقة من رجال الشيخين إلا أنه كان يفتقر إلى التدليس. قال: حدثنا ديلم بن غزوان، وهو بصري صدوق. قال: حدثنا ثابت عن أنس. وقد تابع ديلم، تابعوه علي بن يزيد بن سارة، لكن علي بن يزيد بن سارة ضعيف جدًا، بل إن بعض العلماء يقول إن هذا الحديث من منكراته. لكن قد روى هذا الحديث أحمد بن أبي عاصم، ورواه البزار، وأيضًا أبو يعلى، كلهم من طريق ديلم بن غزوان، وهو صدوق. قال: حدثنا ثابت عن أنس. والحديث أيضًا قد جاءت له شواهد تدل على صحته. وقد ذكر الإمام ابن جرير الطبري عدة شواهد للحديث عند قول الله جل وعلا: ﴿ويرسل الصواعق﴾، فيصيب بها من يشاء، في سورة الرعد. قال: حدثنا ثابت عن أنس قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من أصحابه إلى رأس المشركين يدعوه إلى الله. وجاء في حديث أبي صفر أنه رجل من الفراعنة، والظاهر أنه رجل من كفار قريش من الكبار أو رجل من كبار العرب، وهو طاغية مشرك. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه رجلًا، ولم يعين من هذا المشرك الذي أرسل إليه، لكن جاءت بعض الأحاديث أن الذي أرسلت إليه الصاعقة هو رجل يقال له أربد بن ربيعة أو أخو ربيعة الشاعر. فقال له أربد -أربد أراد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم- لكن هذه قصة أخرى، هذا لم يرد قتل النبي، وإنما أراد رد دعوة الله بكلام تجرأ به على الله عز وجل. فقال: أرسل إلى رجل من أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى رأس المشركين يدعوه إلى الله. فقال المشرك: هذا الذي تدعون إليه من ذهب أو فضة أو نحاس؟ تعالى الله عز وجل عن قوله. فهذا رجل تجرأ على الله عز وجل حتى جاء بمثل هذا الكلام، مع أن العرب كانوا في ذلك الوقت يعرفون الله ويعبدون الله. فهذا يريد أن يتفاخر بمثل هذا الكلام. قال: فتعاظمت مقالته في صدر رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي هذا الصحابي الذي أرسله إليه- أن تعاظمت في قلبه هذه المقالة. قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال: أرجع إليه. فرجع إليه مثل ذلك، وأرسل الله تبارك وتعالى صاعقة من السماء فأهلكته، ورسول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق لا يدري. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أهلك صاحبك بعدك». ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾، فأحرقته الصاعقة. فجاء في بعض روايات هذا الحديث أنه كان لما ذكر مثل هذا الكلام سقط رأسه عنده، معناه بسرعة سقط رأسه، جاءت الصاعقة وحرقت رأسه حتى سقط منه. فقال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾. وجاء عن مجاهد أيضًا أنها قال: نزلت في رجل من الطغاة. فهذه الآية نزلت في هذا كما ذكر في هذا الحديث. وجاء أيضًا عن مجاهد مثله. وجاء أيضًا أنها نزلت في أربد وعامر بن الطفيل، أراد أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عامر لأربد: إذا رأيتني أكلم محمدًا فاسحب سيفك واقطع مقالتي. فاتفق على ذلك. فقال عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني معي شيء أكلمه -يريد أن يكلمه-. فقال له: تكلم. فدنا منه ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه. فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن سيف أربد يبرق. فلما أراد -أو فلما رأى- تعود النبي صلى الله عليه وسلم، يبست يده، ما استطاع أن يخرج السيف. ثم جاءت صاعقة من السماء فحرقته. وجاء في بعض الروايات أنه أحرقته في نفس المكان، وجاء أنه أحرقته بعدما ذهب من عند النبي صلى الله عليه وسلم. ثم سار أربد -أو هذا عامر بن طفيل- حتى نزل إلى مكان فيه بدو، ونزل عند امرأة، فجاءته غدة في حلقه وكبرت في حلقه حتى قتلته هذه الغدة. وقبل أن يموت كان يقول: غدة كغدة البعير، وموت عند جارية من العرب -أو عند عربية من عربية- أو قبيلة من القبائل العرب. فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم -أو أن هذه الصاعقة- قد جاءت إلى كثير من هؤلاء، لكن هذا أصح من قصة عامر بن طفيل. حديث أنس هذا أصح. وقد جاء عن مجاهد مرسلًا كذلك، وجاء أيضًا عن صخر بن عبد الله أيضًا مرسلًا. فصح هذا الحديث. فأرسل الله عز وجل هذه الصاعقة على هؤلاء أو هذا الرجل الطاغي الذي تجرأ بفعل هذا الكلام. قال: هذا الذي تدعوني إليه من ذهب أو فضة أو نحاس؟ فالله عز وجل أرسل إليه صاعقة. قال الشيخ: هذا حديث صحيح. وديلم بن غزوان وثقه المعين، وفي رواية عنه أنه قال: صالح. كما في تهذيب التهذيب. قاله. الحديث أخرجه البزار كما في كشف الأستار، وأبو يعلى، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، كلهم من طريق ديلم بن غزوان عن ثابت عن أنس به. والحديث فيه مدافعة الله عز وجل وانتقامه سبحانه وتعالى ممن يتطاول عليه ويتطاول على جنابه جل وعلا. وأيضًا قد جاءت أحاديث كثيرة في مثل هذا في إهلاك النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس ممن يتجرأ على جناب الرب سبحانه وتعالى. وأحيانًا ربنا جل وعلا يمهل من مثل هؤلاء، يمهله ثم بعد ذلك يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ولله عز وجل حكمة في ذلك، ولله سبحانه وتعالى حكم في أفعاله جل وعلا، فعال لما يريد سبحانه وتعالى بحكمته وعدله جل وعلا. فعلكت في هذا. والله تعالى أعلم.