الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 501

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 501

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 501، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم

يشرح الحديث النبوي حول ثلاثة أصناف من الناس لا تقبل صلاتهم، مع توضيح معانيهم وشروطهم. يتطرق إلى سند الحديث وشرح رجاله.

تفصيل الأصناف الثلاثة في الحديث

يتطرق إلى شرح الأصناف الثلاثة المذكورة في الحديث: العبد الآبق، المرأة التي يغضب عليها زوجها، والإمام الذي يكرهه قومه. يوضح الشروط والضوابط لكل صنف.

كراهية الإمام الظالم وحدودها الشرعية

يناقش حدود كراهية الإمام الظالم ويبين أن الكراهة تكون شرعية إذا كانت بسبب ظلم الإمام. يستدل بحديث عووف بن مالك في صحيح مسلم.

من لا يستحق إمامة الناس

يذكر أن من يدخل في الحديث من يتولى إمامة الناس دون أن يكون أهلا لها، إما لعدم حفظه أو لخلله في القراءة أو لجهله بأحكام الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صلى الله على محمد وآله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله، ومحمد بن عيسى بن سورة الترمذي إمام من أئمة الحديث. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن إسماعيل. محمد بن إسماعيل، من يعرف محمد بن إسماعيل؟ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة بن مردزبة الجعفي مولاهم البخاري، هو الإمام أهل العلل ومن جهابذة الحديث، كان من أكثر الناس معرفة بالحديث، وأعطاه الله عز وجل حفظا وذكاء، حتى إن حفظه كان عجيبا وذكاءه عجيب، وكان يحفظ الحديث وهو صغير، حتى إنه كان يرد على بعض المشايخ في الأسانيد. وهذا من الله عز وجل سخر مثل هؤلاء الأئمة حفظا لحديث رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو داخل في قول الله عز وجل: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، فالذكر هو القرآن والسنة، كما أن الله عز وجل حفظ القرآن، كذلك أيضا حفظ السنة بهؤلاء الأئمة رحمهم الله، فميز الصحيح من الضعيف. ولهذا من الأسباب التي جعلته يؤلف "الصحيح"، أي صحيح البخاري، أنه رأى رؤية، أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويدف عنه الدباب الحشرات، فعرض هذه الرؤية على من يفسرها، فقال: إنك تدفع الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعزم على تأليف هذا الكتاب من الصحيح المجرد. وذكرت أيضا رواية أخرى أنه قال رحمه الله: كنا في مجلس إسحاق إبراهيم، فقال: من يجمع صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: فوقع في نفسه، وقد يحتمل الأمرين معا، أنه أخذ بما قاله إسحاق، ثم رأى هذه الرؤية، فعزمت أو فثبت عزمه واشتد عزمه على إخراج هذا الكتاب العظيم أو على تأليفه. وكان رحمه الله لا يضع حديثا حتى يصلي ركعتين، كأنها استخارة، حتى يضع أن هذا الحديث وأنه صحيح. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: أخبرنا علي بن الحسن، وعلي بن الحسن هو ابن الشقيق المروزي، صاحب عبد الله بن مبارك، وكان حافظا، وكان حافظا من حفاظ الحديث، وأعرف الناس بن مبارك، إلا أنه أخذ عليه الإرجاء. قال: أخبرنا الحسين بن واقد، وهو أيضا مروزي من أصحاب عبد الله بن مبارك، أو علي بن الحسين من أصحاب علي، معنى ابنه علي. وأما الحسين فهو يعتبر من أقران ابن المبارك، وفي حفظه شيء، معنى بعضهم انتقد عليه حفظه. لكن هذا الحديث قد جاء عن عدة من الصحابة، جاء عن ابن عباس، وجاء عن عقبة بن عامر، وجاء أيضا عن ابن عمر، وعن جماعة من الصحابة، فالحديث صحيح، وإن كانت أسانيدها ضعيفة، لكنها تتقوى بهذه الأسانيد أو تقوي بعضها بعضا، وخاصة هذا الإسناد الذي ذكره الشيخ، فهو قد يحسن بذاته، فالحسين بن واقد حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن. قال: حدثنا أبو غالب، وهو خزور كما تقدم، قال: سمعت أبا أمامة رضي الله عنه يقول: صدي بن عجلان، أبو أمامة هو صدي بن عجلان الباهلي، سيد باهلة، قال: يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون». فهذا الحديث جمع هذه الثلاث، فقال: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم»، ومعنى لا تجاوز صلاتهم آذانهم، أي لا يقبلها الله منهم، لا ترفع هذه الصلاة حتى إلى آذانهم. وهذا لأجل أن هؤلاء أوتوا من قبل السمع، فلهذا لا ترتفع أعمالهم إلى آذانه، أو أن المراد به التمثيل فقط، أن المراد به التمثيل، وليس هناك شيء من هذا. وبعضهم قال: إنما ذكر الآذان لأجل أن هذه الثلاثة الأشياء تحتاج إلى السمع. وهذا لأجل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الخوارج: «صلاة لا تجاوز تراقيهم»، لأنهم يقرؤون القرآن، لكن هذه الصلاة التي يصلونها لا تجاوز تراقيهم، وهذه القراءة لا تتجاوز تراقيهم، والتراقي معنى الحلق، أي أنها لا ترتفع. وإن كان هناك معنى آخر، لكن المقصود أن هذه الصلاة لا ترتفع، ولا يقبلها الله حتى يرجع هذا أو هؤلاء يرجعون عما هم عليه، فتقبل بعد ذلك صلاتهم. «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع»، الآبق أي الهارب الذي هرب على مولاه، عن عبد مملوك هرب على مولاه. وفي حديث ابن عباس من الثلاثة قال: «وتعبد حرا»، وتعبد حرا معنى جعل الحر عبدا، مثل ما يفعل بعض الممالك أو بعض الملوك، أقصد يجعلون العبيد أو الأحرار عبيدا. وأيضا حصل عندنا هنا في بعض المناطق، فكانوا يشترون بعض الناس من بعض البلدان، معنا يأتون بهم لأجل العمل، وهم أحرار ليسوا عبيدا، فيجعلونهم عبيدا، وهذا خطأ، وهذا جرم أيضا، قد جاء في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: «الثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة»، وذكر منهم «رجل باع حرا فأكل ثمنه». فلا يجوز أن يعبد الحر، ولا يجوز للعبد أيضا أن يهرب من سيده، فهنا ذكر العبد العابق حتى يرجع، أي العبد الذي هارب من سيده، فإن صلاته غير مقبولة، وصلاته لا ترتفع حتى يرجع، فإذا رجع، قبلت صلاته. قال: «وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط»، أنا باتت عليها، باتت وزوجها عليها ساخط. وجاء في بعض الروايات بعض الحديث، حديث عبد الله بن عمر أو غيره، قال: «فتقول له: لا أغمض عينا حتى ترضى عني». ترجع وتذهب معناه، وأيضا تترك هذا العناد والمخالفة لزوجها، فتقول له: «لا تغمض لعيني حتى ترضى»، فبهذا يكون رضي الله عز وجل عنها قبل رضا زوجها. فقال: «امرأة باتت وزوجها عليها ساخط»، وهذا يكون أعم من الفراش، أعم من الفراش، أي أنها إذا كانت عاندت، أما إذا كان عنده الخطأ وغضب بدون شيء، وبدون أي شيء يغضبه، فهذا الظاهر أنه لا يدخل في هذا، وإنما المراد أنها فعلت شيئا أغضبت زوجها، فعلت شيئا أغضبت زوجها، ومنها عدم اتيانها إلى الفراش، كما جاء في الحديث الآخر، وهو ما جاء في الصحيحين: «إذا باتت المرأة إذا دعا الرجل امرأته إلى فراش أو إلى فراش فلم تأتي باتت الملائكة تلعنها حتى تصبح». قال: «وإمام قوم وهم له كارهون»، هذه كلها الأشياء متعلقة بالغير، فالعبد متعلق بسيده، والمرأة متعلق بزوجها، وهذا الإمام متعلق بالمأمومين. وهذا الكره ذكر أكثر العلماء أن الكره هنا لابد أن يكون كرها شرعيا، وأما إن كانوا يكرهونه لأجل تمسكه بدينه، أو لأجل أنه مثلا يطيل بهم أحيانا، أو يطبق السنة، أو غيرها من هذه الأمور، فهو ليس داخل في هذا. لكن لو كان مثلا يشدد عليهم ويطول عليهم كثيرا، أو أنه رجل مثلا من أهل المعاصي، وأخلاقه سيئة، فهو إمام، لكن أخلاقه سيئة، ويعامل الناس بمعاملة سيئة، فلا شك أن الناس يكرهونه. وهل يدخل في ذلك من نصبه إمام ظالم؟ نصبه على المسجد إماما، وهذا الإمام ظالم على الحاكم، والناس يكرهونه، فإذا كره هذا الذي نصب لأجل هذا، هل هذا كراهة شرعية؟ الظاهر أنه لا، ليست كراهة شرعية. وأيضا إذا كان الإمام ظالم، وصلى بالناس، لأن الإمام هو حق الإمام، لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه، فالعاقل أن الإمام هو الذي يصلي بالناس، وهو حق الإمام من غيره. فإذا كان هذا الإمام ظالم، والناس يكرهونه، فهل يدخل في هذا؟ نعم يدخل في هذا، لأنه رجل ظالم، والناس إنما كرهوه كراهة شرعية، كما جاء في حديث عووف بن مالك في صحيح مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سيلي أموركم بعدي رجالا، أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، أي تدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم»، فقال: «فلا تنابذهم بالسيف»، قال: «لا ما صلوا». فتبين من هذا أنه أن هذه الكراهة شرعية، أحيانا تكون لظلمه. وأما كان في أكثر حكمه عادل، وظلم في بعض ذلك، فغالبا يغتفر له، لأن مسألة الإمامة والحكم ليست بالهي، ليس بالهي في سيرة الناس. وقد يكون أيضا بعض الناس يجد أن هذا الظلم عليه، والآخرون يرون أنه ليس ظلم عليه، فلهذا فمثل هذه الأمور تكون بالنسبة أيضا، حتى الإمام الذي يصلي بالناس، فكراهة الناس له أيضا نسبية. فإذا كان الذين يكرهونه قليلا، وغالبا يكرهونه لبعض الأشياء التي قد تحصل منه، لكن أمره أكثره طيب، الإنسان ما يكمل، الإنسان ما يكمل، معنى تقع منه الهفوات والزلات، ويقع منه معاملة ليست مثلا فيها، أو ليست طيبة تجعل بعض الناس يغضب عليه، وهذا وارد، لكن ليس المراد أنه كل من غضب عليه بعض الناس يدخل في هذا الحديث، لا، وإنما إذا كان أمره شرعي، وكراهة شرعية، وخاصة أهل الصلاح يكرهون أهل الصلاح، لأن غالبا الرجل إذا كان مستقيما، تجد أهل المعاصي يكرهونه، أحيانا خاصة إذا كان ينكر عليهم بعض الأشياء، ويتكلم على بعض الأشياء التي يفعلونها، فغالبا النفس تأبى أن يتكلم أحد فيما تفعله. فالمهم أن يكون هذه الكراهة كراهة شرعية، وأيضا يكون هذه الكراهة من الصالحين. وكذلك أيضا يكون أكثر الناس، ليس أن يكون بعضهم، لأنه لا يرضى أو ليس هناك أحد يرضى عنه جميع الناس، وجميع من في المسجد. وأيضا هذا الحديث يدل على فضيلة الإمامة، وأنه لا يصلح للإمامة إلا من هو خير الناس، ولهذا استدل بعض العلماء بهذا الحديث على تفضيل الإمامة على الأذان. لكن كما قلنا من ناحية الأجر المترتب في الأحاديث، فالأذان جاءت فيه أي في فضله أحاديث كثيرة، كما جاء الإمام أحمد. لكن ناحية قدر وهيبة المكان، وتعظيم المكان، فلا شك أن الإمامة أعظم، وأيضا لا يصلح لها إلا من هو أهلا لذلك. وأيضا ذكر بعض الشراح كالعيني وغيره، أن من الأمور التي أيضا تدخل في هذا الحديث: «إمام قوم وهم له كارهون»، من أما الناس، وهو ليس أهلا لذلك، إما أنه ليس عنده حفظ، أو يخل في القراءة، أو لا يعرف يصلي، معنى ما يعرف أحكام الصلاة، أو غيرها من هذه الأمور التي قد بسببها يحصل مثل هذا. فلهذا قال: يدخل في هذا من ليس أهلا لإمامة الناس.