التعليق على العقيدة الطحاوية 71

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 71، ألقاها

مقدمة في وحدة الإيمان وتفاضل أهله

يناقش المقطع الأول وحدة الإيمان وتفاضل أهله، حيث يوضح الخلاف حول قول الإمام الطحاوي 'والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء'. يبين المقطع آراء مختلف المذاهب الإسلامية حول تجزئة الإيمان وتفاوته.

وجود شعب الكفر والإيمان في المسلم والكافر

يتناول المقطع الثاني وجود شعب الكفر في المسلم وشعب الإيمان في الكافر، مستنداً إلى النصوص النبوية التي تدل على ذلك وتوضح إمكانية تحول سيئات الكافر إلى حسنات بتوبته وإسلامه.

تفاوت الإيمان وتفسير أهل السنة

يبرز المقطع الثالث كيف فسر أهل السنة النصوص الدينية وبيّنوا تجزئة الإيمان وزيادته ونقصانه، مستدلين بتفسيرات السلف الصالح مثل ابن عباس، ويظهر تناقض بعض الفرق الأخرى في فهم الإيمان.

انتقاد وحدة الإيمان وآراء العلماء

يناقش المقطع الرابع صحة عبارة وحدة الإيمان، مستنداً إلى آراء الإمام ابن القيم والشيخ الإسلام ابن تيمية، ويشير إلى إمكانية وجود إيمان وكفر في الإنسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله ونستعين ونستغفر، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «وجميع ما صح عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الشرعي والبيان كله حق»، ثم قال: «والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولياء». فقوله هنا في هذه العبارة: «والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء»، فهذه أيضا مما انتقدت على الإمام الحافظ ابن جعفر الطحاوي رحمه الله، وهذا على مذهبه أو مذهب أبي حنيفة، أن الإيمان هو تصديق بالقلب وإقرار باللسان، ولا يدخلون العمل في مسمى الإيمان. وقوله هنا «والإيمان واحد» هذا أيضا كما ذكرنا قبل أنها من المسائل التي خالف فيها سلف الطوائف وأهل السنة رحمهم الله، أخذوا بها، فهم لا يقولون أن الإيمان واحد، وهذا إنما يقوله هؤلاء المرجئة، وكذلك تقول الخوارج والجهمية والمعتزلة، يقولون بأن الإيمان واحد. وكذلك الأشاعرة لماذا يقولون الإيمان واحد؟ يقولون أن الإيمان لا يتجزأ، وإنما إما إيمان وإما كفر، فإذا خرج أو إذا انخدش الإيمان دخل في الكفر، وهذا مخالف للنصوص، لأن النصوص قد جاءت وقد دلت على أن الإيمان يتجزأ، ومنهم شعب الإيمان شعب، كما جاء في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضعا وستون شعبة، وجاء في رواية بضعا وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، فدل على أن الإيمان في شعب، شعب الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان، فقد يفقد الإنسان بعض شعب الإيمان، فإذا فقدها فإنه ينقص في إيمانه، وكلما كمل هذه الشعب كلما كمل إيمانه. وأيضا كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «كتاب الصلاة» أن الشخص قد يكون مؤمنا وعنده شيء من شعب الكفر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «إن فيك جاهلية»، والجاهلية هي خصلة من خصال الكفر. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إثنتان في أمتي هما بهم كفر»، وقال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن»، فعد الأمور هي من أمر الجاهلية، وهي في أهل الإسلام، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا يخرجهم عن الإسلام، بل قال: هم موجودة في أهل الإسلام. فدل على أن الإنسان قد يتلبس بشيء من شعب الكفر وهو على الإيمان، وحيانا نذكر النبي صلى الله عليه وسلم أشياء هي من أعمال الكفر، لكن هل إذا عملها المسلم يعتبر كفر؟ لا، كما جاء في الصلاة، من تركها فقد كفر، الصلاة مختلف فيها، لكن جاء في غير الصلاة مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود. فدلت النصوص على أنه ليس بكافر، فمعنى ذلك أن فيه شعب من شعب الكفر، لكنه مؤمن، لكنه أيضا داخل على الإسلام. فدل ذلك على أنه قد يكون المسلم عنده شيء من شعب الكفر، كما أن الكافر أحيانا يكون عنده شيء من شعب الإيمان، عنده شيء من شعب الإيمان، لكن لا تنفعه، وإنما إذا أسلم وحسن إسلامه فإنه يؤجر على ما كان قبل، كما جاء في الصحيحين في حديث حكيم بن حزام، قال: يا رسول الله، كنت في الجاهلية لي عتاقة ولي صدقة، فهل أؤجر عليها في الإسلام؟ قال: «أسلمت على ما أسلمت من خير»، أسلمت على ما أسلمت من خير، عن الخير الذي كنت تعمله يجازيك الله عز وجل به. بل أن الله عز وجل قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، ليس حسناته فقط، بل سيئاته تتبدل إلى حسنات، فهذا فضل وكرم عند الله جل وعلا. فلهذا فقد يكون شخص مؤمن، لكن عنده شعب من شعب الكفر، عنده شعبة من شعب الكفر، ولا يضره، وهذا الذي لم يقبله المرجئة، ولم تقبله الخوارج، ولم يقبله أكثر الفرق، معنى ما نسب إليهم هذا، ولم يستطيعوا أن يجمعوا بين الأدلة كما جمع أهل السنة. ولأنهم بهذا قولهم أن الإيمان واحد تناقض عجيب، أنه سيتناقضون في هذه الأدلة، وما يستطيعون أن يخرجوا له مخارج، لكن أهل السنة جمعوا بين هذه الأدلة، وبيّنوا أن الإيمان يتجزأ، والإيمان يتبعض، والإيمان ليس كله سواء، بل هناك زيادة ونقصان تكون في الإيمان، وقد يكون الرجل عنده شعب من شعب الكفر وهو على الإسلام، لا يضره ذلك. فهذا أخذ من جميع النصوص، وجمع بين هذه النصوص التي جاءت، وبحمد الله لأهل السنة علم وأهل فقه للنصوص، فهم ما يأخذون النصوص من جهة واحدة مثل أهل البدع، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أهل البدع يأخذون النصوص بعين عوراء، ينظرون إلى النصوص بعين عوراء، كأن العور الذي يرى بعين واحدة. فهؤلاء ينظرون بعين واحدة للنصوص، الخوارج أخذت نصوص الوعيد وتركت نصوص الوعد، المرجئة بالعكس أخذوا نصوص الوعد وتركوا نصوص الوعيد، فلهذا أهل السنة جمعوا بين نصوص الوعيد وبين نصوص الوعد، فبينوا بعد ذلك أن الرجل قد يكون مسلم مؤمن، لكن عنده معاصي، قد يكون عنده كبيرة، أيضا قد يكون عنده بعض شعب الكفر، لكن ليس بكافر، لكن عنده أعمال أهل الكفر، عنده عمل من أعمال أهل الكفر. مثل أيضا حكم بغير ما أنزل الله، هذه الحيثية لم يفهمها الخوارج، كيف يكون الرجل عنده من أعمال الكفر وهو ليس بكافر؟ عنده من أعمال الكفر من أعمال الكفار التي أعملها الكفار، لكن لا يكون كافر، لماذا؟ لأنها معصية، فهذا ما استطاعوا أن يهضموه، وما استطاعوا أن يفقهوه من أدلة الكتاب والسنة. لكن وفق الله عز وجل لأهل السنة أتباع السلف، لأن هذا الذي قرروه سلف هذه الأمة، فقال ابن عباس لما قرأ قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، وجاء ليس الكفر الذي تعنون، وجاء كذلك كفر دون كفر، وأيضا ظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. فبين ابن عباس، وكذلك جاء على بعض أصحابه، عطاء ومجاهد وجماعة من السلف، أنهم بيّنوا أن هذه الآية ليس على ظاهرها، أي ليس على أن المراد به من فعل ذلك يكفر يخرج من ملة كما فهمه الخوارج، وإنما المراد به أن هذا الكفر أو هذا العمل هو من عمل الكافرين، أن هذا العمل كما فسره بذلك الإمام أبو عبيد في كتاب الإيمان، فقال: إنما هذه الآية تدلنا على أن العمل هذا عمل الكافرين، فإذا عمله المؤمن، فإنه لا يصير كافرا، لكنه عنده عمل من أعمال الكافرين. وهذا الذي قرره الإمام ابن القيم رحمه الله، والشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة أهل السنة، على أنه قد يكون الإنسان عنده إيمان، وهو عنده شيء من شعب الكفر. فلهذا فقوله: «والإيمان واحد، وأهله في أصل سواء»، هذه عبارة غير صحيحة، إن شاء الله تعالى سندكر في درس لاحق قوله: «وأهله في أصل سواء» أيضا، فهي أيضا عبارة فيها خطأ، ونذكر وجه الخطأ في هذه العبارة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على