الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 87، ألقاها
يشرح مفهوم العدل عند أهل السنة والجماعة، ويبين أهمية حب أهل العدل والأمانة وبغض أهل الجور والخيانة كجزء من الإيمان. الله عز وجل يحب أهل العدل ويبغض أهل الجور.
المحبة والبغض تتأثران بالهوى أو بالكتاب والسنة. من يتبع الكتاب والسنة يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه، فيحب أهل العدل والأمانة ويبغض أهل الجور والخيانة.
يشرح معايير أهل السنة في المحبة والبغض والولاء والبراء، حيث يوالون ويعادون في الله. يحذر من التحايل وإظهار غير ما يُبطن، ويبين أهمية الحب والبغض في الله لقوة الإيمان ونيل محبة الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة". فهذه العبارة أراد رحمه الله تعالى أن أهل السنة يحبون لله ويبغضون لله، يحبون من يحبهم الله ويبغضون من يبغضهم الله. فالله عز وجل يحب أهل العدل الذين يعدلون في أقوالهم وفي أحكامهم، وما ولوا من مما ولاهم الله عز وجل. وأيضًا أهل العدل، فالعدل عند أهل السنة هو وضع الشيء في موضعه، وهو الحكمة. وضع الشيء في موضعه هو العدل عند أهل السنة، والظلم وضع الشيء في غير موضعه. لأنه قد عرف أو قد عرف بعضها البدع، العدل أنه استعمال الشخص ما له. وقالوا: الظلم هو أخذ ما لغيره. وهذا التعريف ناقص وقاصر في أمور كثيرة، خاصة في الاعتقاد. ولهذا يوجبون على الله عز وجل أشياء، يقولون: يجب على الله أن يفعل كذا، ويجب على الله أن يفعل كذا، تعالى الله عز وجل عن قولهم. من هؤلاء حتى يوجبون على الله عز وجل أشياء من عنده، فربنا جل وعلا هو العليم الخبير سبحانه وتعالى، وهو العدل جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ حُكْمًا وَعَدْلًا﴾. فربنا جل وعلا عدل في أحكامه سبحانه وتعالى. فقال: "ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة". المحبة لابد أن يكون والبغض من الأمور النفسية التي يحصل فيها العدل والجور غالبًا. النفس قد تبغض من هو من أهل من يحبهم الله، وقد تحب ممن يبغضهم الله، وهذا يحصل في النفس مثل هذا بسبب الهوى، سبب الهوى الذي في النفس. فالذي يتبع الهوى تجد أنه يحب ويبغض لهوى، بخلاف الذي يتبع الكتاب والسنة، فيحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله. فيحب أهل العدل والأمانة، أهل العدل الذين عدلوا في أقوالهم وفي أحكامهم، كما قلنا، وهم الذين يضعون الأشياء في مواضعها. وكلما كمل عدلهم كلما زادت المحبة له. ولهذا فالعلماء الربانيون يحبون أكثر من غيرهم، العلماء الربانيون يحبون ويجلون، وأيضًا لهم مهابة في القلوب أكثر من غيرهم، لأنهم هم أولى الناس بالعدل، هم أهل عدل وأهل أمانة. والأمانة هنا المراد بها ما حمله الله عز وجل من العهد على بني آدم من الطاعة، وأيضًا امتثال الأمر، وكذلك أيضًا يدخل فيه الأمانة في الأموال. فلهذا قال: "ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة". فالعدل مقابل الجور وهو الظلم، والأمانة مقابلة الخيانة. الخيانة سواء كانت في شرع الله جل وعلا، وهي عظم الخيانة ترك العهد الذي يكون مع الله جل وعلا، وأيضًا الخيانة في الأموال، وكذلك أيضًا في الكلام في الوعد، وأيضًا الخيانة في عدم الصدق مع الآخرين. تجد أنه يكذب في كلامه، ويكذب في مواعيده، وأيضًا يكذب حتى في دعوته، يكذب حتى في دعوته، معنى ما يأتي للناس بالحقيقة التي ينبغي أن تكون. لكن تجد أنه يواري، وكذلك يخون، ويجعل هناك شيء ظاهرا وشيء باطنا. وهذا يكون في بعض الفرق، وبعض الأحزاب لا يظهرون الحق، تجدهم لا يظهرون الحق للناس، وإنما يحتالون على الناس، أو يظهرون أنهم موافقون للناس في الواقع، يظهرون أنهم موافقون للناس في الواقع، حتى أنهم يوافقونهم في أشياء عظيمة كالشرك بالله وغيره. فلهذا أهل السنة بحمد الله محبتهم وبغضهم، وكذلك ولاؤهم وبراؤهم لله ولرسوله صلى الله عليه وآله. فمن أحبه الله أحبوه، ومن أبغضه الله أبغضوه. وكذلك أيضًا تجد أنهم يوالون ويعادون في الله، ما يوالون في غير الله جل وعلا. ولهذا جاء في الحديث، حديث ابن عباس الذي عند أبي داود والنسائي، قال عليه الصلاة والسلام: "من أوثق عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله". بل إن الحب في الله، معنى المحبة في الله جل وعلا، محبة الصالحين، محبة الحق، وبغض أهل الباطل، هو من الأمور التي من أعظم الأمور التي يجتلب بها محبة الله جل وعلا. وكذلك يكون فيه قوة إيمان هذا الذي يحب لله ويبغض لله. قد جاء في الصحيحين، في حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار". فهذا خلاصة ما يذكر، فأراد المؤلف أن ينبه على عقيدة أهل السنة أنهم يحبون أهل العدل والأمانة، ويبغضون أهل الجور والخيانة، أي المراد أنهم يحبون لله ويبغضون لله، ويوالون لله ويعادون لله، يتبرؤون ممن تبرأ الله عز وجل منه ورسوله عليه الصلاة والسلام.