التعليق على العقيدة الطحاوية 75

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 75، ألقاها

مفهوم عدم الحكم على المسلمين بالجنة أو النار

يناقش المقطع مفهوم عدم الحكم على المسلمين بالجنة أو النار دون دليل من الله أو رسوله، ويفرق بين أهل القبلة وغيرهم في الحكم.

الحكم على المعين بالجنة أو النار بناءً على الشهادة الإلهية

النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الكافر في النار، ولا يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا إذا شهد له الله ورسوله، وهناك ثلاثة أقوال عند أهل العلم في الحكم على المعين.

الشهادة بالجنة أو النار لشخص معين واستدلالاتها

يتناول المقطع مسألة الشهادة بالجنة أو النار لشخص معين، حيث يرى بعض العلماء أن من شهد له الله ورسوله بالجنة فنشهد له بذلك، بينما يرى آخرون أنه يمكن الشهادة بالجنة لمن استفاضت عدالته.

الإشارة إلى مسائل قادمة وختام الدرس

يشير النص إلى أنه تم ذكر بعض المسائل سابقًا وسيتم ذكر المزيد في الدرس القادم، ويختتم بالتأكيد على كفاية ما تم ذكره حتى الآن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «ولا ننزل أحدا منهم -أي من أهل القبلة- جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى». فهذا الكلام من الحافظ أبي جعفر الطحاوي رحمه الله امتدادا لكلامه، ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، ونصلي على من مات منهم. ثم قال: «ولا ننزل أحدا منهم -أي من أهل القبلة من المسلمين- جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك». فهذا لأن هذه الأمور أمور غيبية، مثل الكفر على المسلم أو الحكم عليه بشرك أو بنفاق، هذه أمور لا ينبغي أن يتجاسر الإنسان عليها، وكذلك العكس أيضا أن يشهد لهم بجنة أو يشهد بنار، فإن هذه من الأمور الغيبية التي ليس للإنسان فيها شيء. وإنما إذا أخبر الله عز وجل بذلك أو أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، فنقول كما قال الله، كما قال رسوله صلى الله عليه وسلم. فقوله «منهم» أي من أهل القبلة، فيخرج من كان من غير أهل القبلة. إذا كان الإنسان من أهل الكفر، من اليهود معروف أنه من اليهود ومات على هذا الدين، أو كذلك من النصارى أو من الوثنيين، من الشيعة المشركين، فهذا لا شك أنه من أهل النار. وأما قول بعض العلماء أو بعض أهل الرأي، فقال بعضهم: إنه لا يشهد لأحد، سواء كان حتى الكافر، قالوا: لا يشهد له بجنة ولا نار. وهذا الكلام غير صحيح، إذا ثبت أنه كافر أصلي، فهذا لا شك أنه في النار إن مات على ذلك. معنى لا يقال: إنه في النار وهو حي، وإنما إذا مات على ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للعباس بن عبد المطلب، لما سأله: «من يحيي العظام وهي رميم؟» وجاء هذا كما ذكرنا قبل قليل في السيرة، بسناد لا بأس به، مراسيل، لكنه يتقوى. لأن العباس بن عبد المطلب سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من يحيي العظام وهي رميم؟» أي من يرجع هذا إلى أن يكون إنسانا آخر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بلى، الله عز وجل يميتك ثم يحييك، ثم يدخلك النار». ولا شك أن هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وحي. لكن بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الكافر من أهل النار، وأيضا ما جاء في حديث صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار». إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار، فهذا يدل على أن من مات على الكفر ومن مات على دينه فإنه لا شك أنه في النار، ولو كان معينا، لو تقول مثلا: هذا اليهودي مات على اليهودية فهو في النار، وهذا لا شك فيه عند أهل الإسلام، ولا يشك في ذلك إلا من ليس في قلبه إسلام. لأن هؤلاء الكفار قد بين الله عز وجل أنهم في أهل النار، ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. وقال أيضا ربنا جل وعلا: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها﴾، وأيضا غيرها من الآيات التي ذكر الله عز وجل فيها تكفير اليهود والنصارى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾. وهذا لإجماع المسلمين أن أولئك أصحاب الأديان الأخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وكذلك الباطنية والروافض وغيرهم، هؤلاء ليسوا من أهل الإسلام. فالحكم هنا على أهل الإسلام وليس على غيرهم، فقال: «ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نار». هذه المسألة مسألة الحكم بالجنة والنار على المعين. أما على الجنس فهذا لا خلاف بين المسلمين، الجنس معناه: الظالم أو الكافر، هذا لا شك أنه في النار، المسلم في الجنة، وإن كان عاصيا قد يعذب وقد يدخل تحت مغفرة الله جل وعلا. لكن هنا المعنى: الحكم على المعين، هل يشهد لمعين بأنه في جنة أو في نار؟ هل يشهد لمعين أنه في جنة أو نار؟ فهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال عند أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: إنه لا يشهد لأحد مطلقا، لا يشهد لأحد مطلقا؛ لأن هذا من الأمور الغيبية، وهذا في شيء من البعد. وقول عامة أهل السنة أو أكثرهم، والذي نقل عن الإمام مالك وغيره: أنه يشهد لمن شهد له الله ورسوله، يشهد بالجنة لمن شهد الله ورسوله بالجنة. فالله عز وجل شهد للصحابة أنهم رضي عليهم، وما دام أنه رضي عليهم أي أنهم من أهل الجنة. كذلك أيضا النبي صلى الله عليه وسلم عين أناسا بأشخاصهم، مثل عشرة، مثل أيضا أزواجه، مثل ثابت بن قيس بن شماس، مثل عبد الله بن سلام، وغيرهم من هؤلاء الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في الجنة، فإنهم كذلك يعينون. وأيضا قال: «لا يلج النار أحد شهد بدرا والحديبية»، فهؤلاء أهل الجنة، شهد لهم نبي صلى الله عليه وسلم. فكل من شهد له الله ورسوله بالجنة، فنشهد له بالجنة. ومن لم يعينه الكتاب والسنة فلا يعين، هذا هو قول أكثر العلماء. لكن هناك رواية أخرى عن أحمد زاد فيها، وهي أيضا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، زاد فيها: أنه من شهد له واستفاضت عدالته عند المسلمين فيشهد له بالجنة، من استفاضت عدالته عند المسلمين وانتشرت عدالته، كأئمة الأعلام كمالك والشافعي وأحمد وابن المبارك وابن عيينة، وهؤلاء أئمة المسلمين، فهؤلاء قد استفاضت عدالتهم عند الناس وعرفهم الناس بالخير. فقال الإمام أحمد في رواية عنه، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فمن شهد لهؤلاء بالجنة فلا بأس أن يشهد لهم بالجنة. واستدلوا بما جاء من الأحاديث منها حديث أنس وعمر، لما مر بجنازة فأثني عليها خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت». ثم مر بجنازة فأثني عليها شرا، فقال: «وجبت». فقال: «ما وجبت يا رسول الله؟» قال: «الأول أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، والثاني أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار»، «فأنتم شهداء الله في أرضه». فمن استفاضت عدالته، قالوا: يدخل في هذا الحديث. وجاء في عند أبي داود: «يوشك أن تعلم أهل الجنة من أهل النار». قال: «وكيف ذلك يا رسول الله؟» قال: «بالثناء الحسن والثناء السيئ»، الثناء الحسن والثناء السيئ. فلهذا قال هؤلاء: لا بأس أنه يشهد كذلك لمن استفاضت عدالته من استفاضت عدالته عند المسلمين، فلا بأس أن يشهد له. لكن الأول أولى؛ لأن هذا الحديث أولا جاء في الصحابة، وأيضا كذلك خرج على مخرج الدعاء، أنهم أثنوا عليه خيرا، أي دعوا له خيرا، وكأنها مثل الشفاعة، أي أنهم يشفعون فيه فيدعون له، وأيضا يثنون عليه الخير، فهي بشارة من البشارات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «تلك عاجل بشرى المؤمن»، فهي من البشارات العظيمة. لكن هل يشهد له بالجنة؟ فالأولى أن لا يشهد له، وإنما يشهد كما تقدم لمن شهد له الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وأما غيرهم فلا يشهد لهم بجنة ولا نار. وأما الشهادة بالجنس فهذا جائز كما قلنا، يشهد للكفار بالنار وللمسلمين بالجنة. وأما قول: «ولا نشهد عليه بكفر ولا بالشرك ولا بالنفاق»، فهذه مسألة الألقاب، وهي من أعظم المسائل التي اختلف فيها أهل الإسلام: أنه متى يقال لهذا مؤمن أو هذا مسلم أو هذا كافر أو هذا مشرك؟ فهذه الألقاب وإطلاقها حصل فيها خلاف بين أهل العلم. وقد ذكرنا بعضها فيما تقدم، وإن شاء الله تعالى أيضا نذكر بعض المسائل في هذه الفقرة في الدرس الذي سيأتي إن شاء الله تعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على