التعليق على العقيدة الطحاوية 107

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 107، ألقاها

مقدمة في فضل أصحاب رسول الله

يتناول المقطع الأول والأخير فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانتهم في الإسلام، ويشرح اعتقاد أهل السنة فيهم. يُؤكد على أهمية حبهم وعدم التفريط في حب أحد منهم.

أهمية حب أصحاب النبي وتأكيدات القرآن والسنة

يُبين المقطع الثاني فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأهمية حبهم، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تُوصي بهم وتُحذر من بغضهم أو التكلم فيهم بسوء.

التوازن في حب أصحاب النبي وآل البيت

استدل العلماء بالآيات القرآنية على تحريم حقد أو بغض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوضحوا أن من يحبهم دون غلو يعتبر من أتباعهم بإحسان، وحذروا من الإفراط في حب آل البيت.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال رحمه الله: خذنا في الدرس الذي مضى قول المؤلف: «والله يغضب ويرضى لا كأحد من الوراء». ثم قال رحمه الله: «ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان». وهذه الفقرة في فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر المؤلف قول أهل السنة في أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم فضلهم العظيم، إذ هم الذين نقلوا لنا دين الله جل وعلا، فهم نقلتنا، وهم شهودنا في دين الله. ولهذا قال الإمام أبو زرعة الرازي، الإمام الكبير الرازي رحمه الله: «إنما هؤلاء يطعنون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم شهودنا في دين الله، فإذا طعنوا في الشهود، معنى ذلك أنهم طعنوا في الدين». فلهذا قال الإمام ابن العربي: «قد تفطن أبو زرعة لشيء عظيم، فأولاد زنادقة إنما يطعنون في أصحاب رسول الله لأنهم شهداء هذا الدين، هم الذين نقلوا هذا الدين، فإذا طعن فيهم، فمعنى ذلك أنه طعن في النقلة الذين نقلوا هذا الدين، فبهذا يرد دين الله جل وعلا». فلهذا ذكر المؤلف اعتقاد أهل السنة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أثنى عليهم ربنا سبحانه وتعالى، وذكر أن من جاء بغير ما هم عليه فهو ليس مهتد. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، فهؤلاء هم الذين رضي الله عز وجل عنهم ورضوا عنه ورضي عن طريقتهم جل وعلا. وقال جل وعلا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، أي: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، على طريقتكم هذه التي أنتم سلكتموها، فهم مهتدون، وأما إن سلكوا طريقًا أخرى، فهم على ضلال وعلى شقاق. وقال جل وعلا أيضًا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وغيرها من الآيات التي تبين فيها فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أوصى نبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصحابه، وجاء في حديث عمر، وكذلك جاء في حديث عبد الله بن مسعود -وإن كان فيه ضعف- لكنه حسن في الشواهد: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الله الله في أصحابي»، أي: أوصى بأصحابه ألا يفرط فيهم، وأن لا يتكلم فيهم. وقد جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد الخدري قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، والذي نفس بيده، لمد أحدهم أو نصيفه خير من أن يأتي أحدكم بمثل جبل أحد». معنى ذلك: أن المد أو النصيف الذي يأتي به الصحابي خير مما يأتي به غيره ولو كان مثل جبل أحد. فالصحابة رضي الله عنهم لهم فضل الصحبة، وأنه نقلة هذا الدين. فقال: «لمد أحدهم ونصيفه خير من أن يأتي الرجل بجبل أحد»، وإذا جاء الصحابي بمد أو نصفه كان أفضل مما جاء به هذا من غير الصحابة رضي الله عنهم. فلهذا كان فضلهم عظيمًا عند الله جل وعلا، وعند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أوصى بهم، فجعل حبهم من الدين. كما جاء في حديث أنس في الصحيحين: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار». وجاء في حديث البراء: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». ولهذا فلا يجوز لأحد أن يتكلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحبهم دين، وبغضهم نفاق. وهذا على ما جاء في حديث البراء، وكذلك في حديث أنس في الأنصار، ومن باب أولى المهاجرون. واستدل أيضًا العلماء بقول الله جل وعلا في مسألة من يحقد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو يبغضهم، استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: أولئك الذين سبقوا بالإيمان، لا تجعل في قلوبنا غلًا عليهم. فلهذا في هذه الآيات وصف الله عز وجل أهل الإيمان المهاجرون والأنصار ومن تبعهم بإحسان، فمن تبعهم بإحسان هم الذين لا يجدون غلًا في قلوبهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فمن وجد غلًا في نفسه على أصحاب رسول الله فهو ليس ممن تبعهم بإحسان. وكذلك أيضًا قال الإمام مالك رحمه الله في آية الفطرة: «ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم». أي: لا نفرط في حب أحد منهم، بل نحبهم جميعًا. وأيضًا هنا قد تحب: «لا نفرط»، أي: لا نغلو في حب أحد منهم، بل كلهم سواء من ناحية المحبة، لكن من ناحية الفضل فهم يتفاوتون كما جاءت بذلك الأدلة. أما من ناحية محبتهم فكلهم نحبهم سواء، ولا أيضًا نفرط في حب أحد منهم مثل ما فعل الشيعة في علي رضي الله عنه، فإنهم أفرطوا في حبه حتى جعلوه أفضل من الشيخين، بل جعلوا له شيء من خصائص الربوبية، وشيء أيضًا مما لا يجوز. وكذلك أيضًا أراد أن يبين أن الإفراط في المحبة أحيانًا يخرج المرء عن الطريقة الصحيحة، مثل ما فعلت الأمم السابقة، فإنهم اتخذوا صالحيهم وأوليائهم وأحبوهم، ثم بعد ذلك غلوا فيهم حتى بنوا على قبورهم مساجد، وكذلك صوروا تلك الصور. ثم جاء في الصحيحين في حديث عائشة قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -أي: في مرض الموت- قالت له أم سلمة وأم حبيبة: أنه ما رأت في الحبشة كنيسة تسمى مارية وما فيها من الصور. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». ولهذا قال المؤلف هنا: «ولا نفرط في حب أحد منهم». ثم ذكر بعض العبارات -إن شاء الله- نتركها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على