الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 83، ألقاها
يناقش تعريف أهل السنة والجماعة ويبين عدم اندراج الأشاعرة ضمنهم لاختلافهم في عقائد أساسية. ينتقد طريقة الأشاعرة في إثبات وجود الله واعتقادهم حول الإيمان.
ينتقد تفسير الأشاعرة للتوحيد وتأثيره السلبي على فهم العبادة، مما أدى إلى اختلال في فهم الشرك. يخلص إلى أن إدخالهم في أهل السنة والجماعة خطأ.
يحذر من الشذوذ في الاعتقاد ويؤكد على أهمية اتباع السلف الصالح في الفتوى وتجنب الأقوال الشاذة والمفردة. يشير إلى ضرورة عدم الدخول في مسائل ليس لها سلف معروف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة. ذكرنا كلام العلم في اتباع السنة، وكذلك الجماعة وأدلة الجماعة، وأنها أصل من أصول الإسلام، سواء كان الاجتماع على العقائد والمسائل العلمية أو الاجتماع بالأبدان والقلوب. فأيضًا لفظ أهل السنة والجماعة، هذا اللفظ اشتهر بأن هذه الطائفة هي أهل الحق والطائفة الناجية. لكن هناك من أطلق هذا الاسم على بعض الطائفة، فأدخلها في أهل السنة والجماعة، فاشتهر عند كثير من الناس أو من العلماء المتأخرين أن لفظ أهل السنة يشمل ثلاث طوائف: أهل الحديث والأشاعرة والماتريدية. وهذا قد قال به بعض المتأخرين، كسفاريني في اللوامع، وهو من أهل السنة. لكن هذا الذي قاله ليس صحيحًا، ليس هؤلاء أهل السنة والجماعة؛ لأنهم قد خالفوا الجماعة في كثير من العقائد. الأشاعرة مثلا يخالفون أهل السنة في أصل العقيدة، في مسائل عظيمة مثل إثبات وجود الله جل وعلا. فالأشاعرة عندهم طريقة مبتدعة، وطريقة أيضًا غير صحيحة في إثبات وجود الله، وفي الإيمان به. هم يقولون إن من ناحية إثبات وجود الله عز وجل يثبتونه بقاعدة: كل حدث له مُحدِث، وهذه قاعدة واهية. وأيضًا كذلك يقولون إن الإيمان لا يكون إلا بالنظر والاستدلال، وهذا أيضًا تكفير لكثير من المسلمين؛ فكثير من أهل الإسلام لم يدخلوا الدين إلا مثلا تلي عليهم القرآن من الصحابة رضي الله عنهم، فدخلوا دين الله، ولم يتفكروا في السماوات، ولم ينظروا في الأراضين، ولم ينظروا في هذه الأشياء. فهل معنى ذلك أن إيمانهم غير صحيح؟ فهذا لا يقوله مسلم، فضلا عن رجل ينسب إلى السنة. كذلك أيضًا هم أيضًا في مسألة الإيمان مرجئة، ومسألة القدر أيضًا مجبرة. وأيضًا حتى عندهم خلاف في «لا إله إلا الله». لو نظرت إلى كتب الأشاعرة، ما تجد أحدًا يفسر «لا إله إلا الله» تفسيرًا صحيحًا. على سبيل المثال: «إحياء علوم الدين» للغزالي، هذا الكتاب سماه صاحبه وكاتبه «إحياء علوم الدين»، معنى أنه أحيا فيه علوم الدين. والعجيب أن هذا الكتاب تذكر فيه كثير من السلوكيات والأخلاق وأحكام الدين، إلا التوحيد، فليس فيه توحيد. وأيضًا فيه خلط في التوحيد، في تفسير «لا إله إلا الله»، فجعل أن معنى «لا إله إلا الله» هو القادر على الاختراع. وهذا تفسير الأشاعرة لـ«لا إله إلا الله»، يقولون: «لا إله إلا الله»، أي: لا قادر على الاختراع إلا الله، ليس هناك إله قادر على الاختراع إلا الله. والقدرة على الاختراع ليست من توحيد الألوهية، إنما من توحيد الربوبية. فلهذا فهم يفسرون «لا إله إلا الله» بتوحيد الربوبية. لهذا تجد أيضًا في بعض كتبهم: «لا رب إلا هو، ولا رب سواه»، هكذا يفسرون «لا إله إلا الله». وهذا لهذا ما تجد الكلام على التوحيد في كتبهم، «إحياء علوم الدين» ليس فيه الكلام على خلاص العبادات لله عز وجل، وأن تجرد العبادات لله، ليس هذا موجودًا فيه. لماذا؟ لأنه لا يرون ذلك شركًا. ولهذا تجد أن هذا من أخطر الأمور التي عند الأشاعرة: أنهم فتحوا هذا الباب لعبدة القبور وعبدة الأموات؛ لأنهم يرون هذه الأمور كلها ليست بالشرك، وإنما يرون أن كل من آمن بأن الله عز وجل هو الرب، وأنه هو القادر على الاختراع، ليس غيره، أي أنه هو الملك الذي يدبر الأمور، فيعتبر مؤمنًا عندهم، ولو عبد غير الله، ولو صرف العبادة لغير الله. فلهذا اختلت موازينهم في هذا الباب، فإدخال مثل هؤلاء في الجماعة، يقال: أهل السنة والجماعة، خطأ عظيم. ممكن يقال: أهل السنة، يدخلهم في أهل السنة، معنى مقابلة الشيعة، هذا ممكن. يدخلون كثيرًا، بعض أهل السنة وبعض العلماء يدخلهم في هذا، في لفظ أهل السنة، على أنهم مقابل التشيع، على السنة التي هي مقابل الشيعة؛ لأنهم الشيعة على خلاف ما يعتقده أهل السنة من ناحية الصحابة. فلهذا فمثل هذه المقابلة ممكن، معناه يقال: مثلا الذين ينتسبون إلى السنة: الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث؛ لأنهم ينتسبون، حتى الأشاعرة ينسبون أنفسهم إلى أهل السنة. لكن لا يقال: إنهم أهل السنة والجماعة؛ لأنهم خالفوا الجماعة، خالفوا الصحابة رضي الله عنهم، خالفوا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اعتقاداتهم. فكيف يكونون بعد ذلك من أهل السنة والجماعة؟ فلهذا فقوله هنا، أو قوله، قول بعض العلماء: أن هؤلاء يدخلون، فهذا خطأ. ونسب بعضهم هذا الكلام إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما نسبه الصابوني في بعض كتبه، أنه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو خطأ وكذب وبتر لكلام شيخ الإسلام. وإنما ذكر ذلك شيخ الإسلام يحكي عن كلام بعض الناس، وليس كلامًا له. فلهذا فالصحيح أن هؤلاء لا يدخلون في جماعة المسلمين التي كان عليها اعتقاد الصحابة ومنهجهم رضي الله عنهم. لكن إذا كان مقابل الشيعة، فممكن قد أطلقه بعض العلماء، حتى بعض المعاصرين، كالشيخ الألباني رحمه الله، يقول بهذا، أي: مقابلة للشيعة، ليسوا أهل السنة والجماعة. وقال: «ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة»، الشذوذ هو الانفراد، نجتنب الشذوذ، أي: نترك الشذوذ، نترك الأقوال الشاذة، الأقوال المفردة التي ينفرد بها كثير من العلماء، مثلا ينفرد بقول شاذ. لهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: «ولا نتجاوز الكتاب والسنة»، ولا نتجاوز القرآن والحديث، لا نتجاوز هما في الاعتقاد، لا نأتي بأشياء مخترعة. لهذا يعتبر هذا شذوذًا. وجاء في حديث الترمذي: «من شذ شذ في النار، عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة». لكن كما قلنا: أن قوله «من شذ شذ في النار» هذه ضعيفة، هذه اللفظة ضعيفة، فيها سليمان، الحديث فيه سليمان المدني، وهو مجهول. لكن هذا الشذوذ هو الانفراد، الانفراد ببعض الأقوال التي ليس لها سلف، التي ليس لها سلف. فتجد بعضًا ممن ينتسب للسنة، أحيانًا ينفرد ببعض الأقوال، مثل من فرد بعضهم، مثلا، بقوله: «من قال فقد فعل»، ذكر ذلك الإمام أحمد، قال: هذا بدعة، هذا كلام شاذ، ليس يعرفه العلماء. وهكذا فمن جاء بشيء ينفرد به عن العلماء، فيقال: إنه شاذ. لهذا كان السلف يحدّثون من الأقوال الشاذة، وكذلك الحديث الشاذ؛ لأن العلم كما قال الإمام أمير المؤمنين في الحديث: «العلم إذا جاءك من هاهنا وهاهنا»، أما الشاذ فليس من العلم. قال: «أما الشاذ فليس من العلم»، فالشاذ هو الذي ينفرد بأشياء ليست معروفة عند الناس، وليس له سلف فيها. لهذا كان إمامنا محمد يقول لابنه عبد الله: «إياك أن تأتي بمسألة ليس لك فيها إمام»، إياك أن تأتي بمسألة ليس لك فيها إمام، أي: ليس لك فيها سلف من الأئمة المعروفين بالعلم والهداية. فهذا شيء مما يذكر في هذا الباب، إن شاء الله وتعالى، نكتفي به، ونقبل في درس لاحق. والحمد لله رب العالمين.