الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 99، ألقاها
كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" تعني الاستعانة والتوكل على الله، وتدل على أن العبد لا يستطيع التحول من حال إلى حال إلا بتوفيق الله. هذه الكلمة تشير إلى ربوبية الله العظيمة وأن الأمور كلها بيد الله.
كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" تدل على توحيد الربوبية والألوهية وإثبات أسماء الله وصفاته، وتتضمن الإيمان بالقدر والقضاء، وتعتبر كلمة للاستعانة بالله.
كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" تعبر عن الاعتراف بربوبية الله وتوكل العبد عليه، وتقطع الشبهات عن المشركين وتدل على أن الله هو المالك الحقيقي للقوة والقدرة، وهي كلمة حفظ لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى- الإمام طحاوي: «ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطلقون، ولا يطلقون إلا ما كلفهم»، وهو تفسير «لا حول ولا قوة إلا بالله». فهذه الكلمة العظيمة «لا حول ولا قوة إلا بالله» كلمة الاستعانة، وكلمة التوكل على الله. فهذه الكلمة كنز من كنوز الجنة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟» «لا حول ولا قوة إلا بالله». ومعنى هذه الكلمة: «لا حول»، لا هنا نافية للجنس، نافية للجنس الحول، لا حول لأحد أبدًا، أي تحول. معنى لا يستطيع أحد أن يحول حاله من حال إلى حال، حتى ولو كانت حركة. معنى ما يستطيع الإنسان لنفسه أن يحرك نفسه، أو أن يمشي، أو أن ينام، أو غيرها من الأحوال. فقال «لا حول»، فنافية للجنس الحول والتحول. «ولا قوة» أيضًا، لا هنا نافية للجنس القوة، أي لا قوة لأحد، ولا استطاعة لا يستطيع بها فعل الفعل إلا بتوفيق الله جل وعلا، إلا بالله سبحانه وتعالى. فهذه الكلمة تدل على ربوبية الله جل وعلا العظيمة، وأن العبد يعترف بربوبية الله سبحانه وتعالى، وأن الأمور كلها بيد الله، وأن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى، فهو المتصرف في الأمر كله جل وعلا. قل ﴿إن الأمر كله لله﴾، فالأمر كله لله. وعزضا قال الله عز وجل: ﴿ومن يدبر الأمر فسيقولون الله﴾، فلهذا فهذه الكلمة هي كلمة ربوبية، كذلك إثبات ربوبية، إثبات فعال الله عز وجل. فربوبية هي إثبات أفعال الله سبحانه وتعالى من الخلق والرزق والتدبير والملك وغيرها. فقولك «لا حول ولا قوة إلا بالله» هو اعتراف بأن الأمر كله لله، فهي فيها توحيد الربوبية. وكذلك أيضًا تتضمن توحيد الألوهية، تتضمن توحيد الألوهية، وأن العبد إذا أقر بتوحيد ربوبية الله جل وعلا، نزمه وتضمن أيضًا توحيده لألوهية الله جل وعلا، وأنه هو الذي يستحق العبادة، والتي تصرف له العبادة لأنه هو المتصرف للإنسان. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾، هو أنا خلقكم، وهو المدبر لأموركم، فهو الذي يستحق العبادة. ولهذا قال: ﴿ومن يدبر الأمر فسيقولون الله قل أفلا تتقون﴾، تقوى الأمر به العبادة على مدام أنكم تعترفون أنه هو الذي يدبر أمركم، فهو أيضًا يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، فهو الذي يستحق العبادة سبحانه جل وعلا. وأيضًا فيه إثبات أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، إثبات قدرته النافذة في كل شيء، قدرة الله عز وجل النافذة على كل شيء وفي كل شيء. فلهذا فهذه الكلمة العظيمة دلت على أقسام التوحيد الثلاث، دلت على أقسام التوحيد الثلاث. وأيضًا فيها الإيمان بالقدر والقضاء، الإيمان بقضاء الله وقدره. وهي كلمة الاستعانة؛ لأن الاستعانة متعلقة بالقضاء والقدر، والعبادة «لا إله إلا الله» متعلقة بالألوهية. فلهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه «التدمرية» هذين الأصلين: أصل العبادة وأصل الاستعانة. وكذلك أيضًا الإمام ابن القيم -رحمه الله- في بداية كتابه «مدارج السالكين» أيضًا وضح هذه المسألة توضيحًا جليًا -رحمه الله- في مسألة العبادة والاستعانة «إياك نعبد وإياك نستعين». فلهذا كانت هذه الكلمة لها مكانة عظيمة في دين الإسلام؛ لأنها كلمة الاستعانة، وكلمة التوكل، وكلمة أيضًا كذلك كلمة الربوبية لله جل وعلا. فـ«لا حول ولا قوة إلا بالله» أيضًا كذلك فيه -كما تقدم- الاعتراف بربوبية الله جل وعلا. ولهذا ربنا سبحانه وتعالى قال جل وعلا: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا﴾، أي ذكر أنهم لا يستطيعون كشف الضر، ولا أن يحولوا الضر من مكان إلى مكان، أو من شخص إلى شخص، فهذا يدل على أن هذه الأمور لله عز وجل. وقال الله عز وجل: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما لهم منهم من ظهير﴾. وهذه -كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- «هذه الآية قطعت عروق الشرك»، لماذا؟ لأنها قطعت الشبهات عن المشركين، وبين الله عز وجل أن هذه الآلهة لا تستطيع أن تملك شيئًا في السماوات ولا في الأرض، لا يستطيعون، ليس لهم حول ولا قوة إلا الله عز وجل. وكذلك أيضًا هذه الكلمة العظيمة فيها أن العبد يجعل نفسه لله سبحانه وتعالى، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الأدعية: «برحمتك أستغيث، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. فإن الإنسان إذا وكل إلى نفسه فإن نفسه تغلبه، الإنسان إذا وكل إلى نفسه فإن نفسه تغلبه. لكن إذا وكل وكان الحافظ به الرب سبحانه وتعالى، فربنا جل وعلا يحفظه، وإكلاؤه جل وعلا. فلهذا فهي أيضًا كلمة حفظ لله، حفظ الله عز وجل العبد «لا حول ولا قوة إلا بالله». فهذه بعض فوائد هذه الكلمة العظيمة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.