الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  140

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 140

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 140، ألقاها

شرح حديث البراء بن عازب وتفسير آية الإنفاق

المقطع الأول يشرح حديث البراء بن عازب في تفسير آية الإنفاق، حيث يبين أن الأنصار كانوا يعلقون التمر في المسجد ليأكل منه الفقراء. هذا يدل على حرصهم على الصدقة.

التحذير من التصدق بالمال الرديء وعاقبته

يناقش المقطع الثاني التحذير من التصدق بالمال الرديء، مستدلاً بآية قرآنية وحديث نبوي يبينان أن الله لا يقبل إلا الطيب من الصدقات. عاقبة التصدق بالخبيث مذمومة.

فضل الصدقة ولو بالقليل وتجنب الاستهزاء بالمتبرعين

المقطع الثالث يبين فضل الصدقة ولو بالقليل، ويحث على تجنب الاستهزاء بالمتبرعين القليلين. التصدق بما هو متوفر يعتبر من أفضل الصدقات.

تحذير النبي من قبول الصدقة غير المقبولة وعاقبتها

المقطع الأخير يحذر من قبول الصدقة التي ليست خالصة لوجه الله أو من كسب غير مشروع، ويبين عاقبة ذلك يوم القيامة. هذا التحذير يبين أهمية قبول الصدقة من كسب حلال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، وهو الإمام الحافظ أبو محمد الدارمي رحمه الله، صاحب كتاب السنن، ويسمى بالمسند، وهو حافظ كبير الحفاظي أهل خرسان. قال الإمام أحمد: ما أخرجت خرسان مثل محمد بن إسماعيل وعبد الله بن عبد الرحمن، وقال أيضا عليه ذاك السيد، سماه الإمام أحمد سيدا. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، وهو الأشجع، وهو حافظ، إلا أنه كان متشيعا، ولهذا لم يرو عنه الإمام أحمد لتشيعه، وقد روى عنه جماعة من الحفاظ كالبخاري والدارمي، كذلك ابن معين وغيرهم، على أن تشيعه ليس بغال. قال ابن معين: على أن عبيد الله أقل من عبد الرزاق في التشيع، والإمام أحمد يراه أنه أعظم من عبد الرزاق في هذه البدعة، بل يراه داعية. وقال لما قيل له: لما تروي عن عبد الرزاق ولا تروي عن عبيد الله بن موسى؟ فقال: عبيد الله بن موسى داعية. قال: عن إسرائيل، فإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق، وكان يقال له عكازة، جده كان دائما مع جده أبي إسحاق السبيعي، وكان كذلك عنده كتب كتب ابن إسحاق عند إسرائيل، ولهذا كان أقرب الناس وأحفظ الناس لحديث أبي إسحاق، أحفظ الناس من أهله هو إسرائيل، بل يفضل على أبيه يونس في جده. قال: عن السدي، وهو محمد بن عبد الرحمن السدي المفسر، وهو صدوق، وهو أيضا عنده في التفسير يعتبر إمام من أئمة التفسير، كان سفيان الثوري يروي عنه التفسير. قال: عن أبي مالك، وأبو مالك هو غزوان الغفاري الذي يروي عنه دائما السدي ويذكره في تفسيره. قال: عن أبي مالك، عن البراء، في قوله جل وعلا: ﴿ولا تيمموا خبيثا منه تنفقون﴾، قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاءت القنو فضربه بعصاه فيسقط البشر والتمر فيأكل. وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف، أنا من التمر الرديء الذي لا يأكل، قالوا: بالقنو قد انكسر فيعلقه. فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾، قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. قال الشيخ رحمه الله -أو قال الترمذي-: هذا حديث حسن غريب. وأبو مالك الغفاري يقال اسمه غزوان، وقد روى سفيان الثوري عن السدي شيئا من هذا الحديث. قالوا: وأخرج بن أبي شيبة، فقال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به. وقال الشيخ: وهو حديث حسن. وهذا الحديث في سبب نزول هذه الآية: ﴿ولا تيمموا خبيثا منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾، أي أن أحدكم لا يستطيع أن يأكله إلا بإغماض، فلماذا تقصدون ولا تيمموا خبيثا؟ أي لا تتقصدوا الرديء من التمر الذي لا يؤكل، تأتون به وتتصدقون به. ولهذا جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد فرأى قنوا معلقا فيه تمر أو فيه بسر أو فيه تمر حشف، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن صاحب هذا لا يستطيع أن يأتي بما هو أفضل من هذا، وإنه ليأكله حشفا يوم القيامة»، أنه الآن يتصدق على الناس بحشف، فسيأكله أيضا حشفا يوم القيامة مثل ما تصدق به. وهذا يدل على أن من تصدق بالطيب لقي ما هو أعظم منه وأفضل منه وأطيب منه يوم القيامة. وأما من يتصدق ويقصد الخبيث الذي لا يريده والذي لا يأكله الناس أو يأكلونه للحاجة الملحة، أن إذا كان الإنسان جائعا جدا أكله، فمثل هذا لا ينفع الإنسان التصدق به، فإنه سيجده يوم القيامة. فإن كثيرا من الأنصار رضي الله عنهم يأتون بالتمر ويأتون بالقنو والقنوين ويعلقونه في المسجد، وهذا كان يفعلونه في الخريف إذا نضج التمر أتوا به إلى المسجد وعلقوه، وكل بحسبه. كما قال البراء: كل بحسبه، معنى ما يخرج من نخله، صاحب النخل الكثير يأتي بأكثر وهكذا، وهذه صدقة يجعلها العبد لمن يأتي إلى المسجد. وقد كان في المسجد في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحاب الصفة، فكانوا يأكلون من هذا التمر أو من هذا البسر، فلهذا كان يتصدق الناس على ذلك. ولا شك أن من تصدق بما هو أفضل من ماله كان أفضل، كما قال الله عز وجل: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، فإذا تصدق العبد بما يحب كان أفضل له. وإن تصدق بما عنده أيضا كذلك فهو أيضا من أفضل الصدقات، أن يتصدق الرجل بما عنده وهو يحتاجه، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن أفضل الصدقة، قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر». فلهذا إذا تصدق العبد بما عنده من مال وهو يرى نفسه أنه يحتاج إليه، فهذا يعتبر من أفضل الصدقة. وكذلك إذا كان الإنسان أيضا معه شيئا فتصدق به، فهذا أيضا طيب ولو كان شيئا قليلا. النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عدي قال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة». على نفسه تمرة يتصدق بأقل شيء، فاتقوا النار ولو بشق تمرة. وقد جاء أيضا في الصحيح أن أناسا كانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي أحدهم بما معه من صدقة ولو كانت قليلة، فيستهزئ به أهل النفاق ويقولون: إن الله غني عن صدقة هذا. فإذا جاء الرجل بصدقة كثيرة قالوا: هذا يرائي. فأنزل الله عز وجل: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾. فلهذا فهؤلاء الذين يسخرون من أهل الصدقة القليلة فإن الله عز وجل توعدهم بهذا العذاب. فدل هذا على أن الإنسان يأتي بما عنده، فإن كانت قليلا تصدق به. لكن لا ينبغي أن يتصدق بشيء لا يأكله الناس ولا ينتفع الناس به، إلا إن كان يعلم أن هذا البيت مثلا سينتفع بمثل هذا أو يحبون مثل هذا. أحيانا بعض الناس مثلا بعض الطعام بعض الناس لا يحبونه، وبعض الناس يحبونه، فمثل هذا لا بأس أنه يعطيه الآخرين. أما شيء لا يأكله الناس ولا ينتفعون به فيقوم يتصدق به، فهذا من الخطأ. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لو شاء رب هذه الصدقة لأتى بخير منها، وإنه سيأكلها حشفا يوم القيامة». فهذا ما يذكر في هذا الحديث. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.

شاركنا على